أبو موسى الأشعري.. المقاتل الجسور الذي لقبه النبي بسيد الفوارس

ربما قد يصادف يومًا أن تسمع عن أبي موسى الأشعري، في خطبة يوم الجمعة أو في أحد البرامج الدينية، وقد يسأل الكثيرون من هو أبو موسى الأشعري؟ وإجابة هذا السؤال نجدها بسهولة في كتاب سير أعلام النبلاء بالجزء الرابع من الكتاب فيقول: «هو عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسِ بن سُلَيْمِ بنِ حَضَّارِ بنِ حَرْبٍ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، صَاحِبِ رَسُوْلِ اللهِ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبُو مُوْسَى الأَشْعَرِيُّ التَّمِيْمِيُّ الفَقِيْهُ المُقْرِئُ، حدَّث عَنْهُ: بُرَيْدَةُ بنُ الحَصِيْبِ، وَأَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، وَأَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَطَارِقُ بنُ شِهَابٍ، وَسَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ، وَالأَسْوَدُ بنُ يَزِيْدَ، وَأَبُو وَائِلٍ شَقِيْقُ بنُ سَلَمَةَ، وَزَيْدُ بنُ وَهْبٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّهْدِيُّ، وَمُرَّةُ الطَّيِّبُ، وَرِبْعِيُّ بنُ حِرَاشٍ، وَزَهْدَمُ بنُ مُضَرِّبٍ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ.

سيرة أبي موسى الأشعري

يعتبر أبو موسى الأشعري من المَعْدُوْدين ممَنْ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو قارئ أَهْلَ البَصْرَةِ ومفقَّهَهم فِي الدِّيْنِ، قَرَأَ عَلَيْهِ حِطَّانُ بنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، فَفِي «الصَّحِيْحَيْنِ»: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوْسَى عَنْ أَبِيْهِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيْماً».

يرجع أصله إلى اليمن، عندما سمع برسـول يدعو إلى التوحيد، ترك بلاده باحثًا عنه، وعندما وصل إلى مكة جلس بين يدي الرسول الكريم ونطق الشهادتين وتلقى العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى بلاده يحمل كلمة الله.

بلغه أمر هجرة النبي صلي الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب فقرر اللحاق به هو ومن آمن من الأشعريين، قال أبو موسى الأشعري : «بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوانِ لي أنا أصغرهما أحدهُما أبو بُرْدة والآخر أبو رُهْم، وبضع وخمسون رجلاً من قومي فركبنا سفينة، فألْقَتْنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر :إنّ رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم- بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «يقدم عليكم غدًا قومٌ هم أرقُّ قلوبًا للإسلام منكم»، فقدِمَ الأشعريون وفيهم أبو موسى الأشعري، فلمّا دَنَوْا من المدينـة جعلوا يرتجـزون يقولـون: «غدًا نلقى الأحبّـة، محمّـدًا وحِزبه»، فلمّا قدمـوا تصافحـوا، فكانوا هم أوّل مَنْ ابتدع المصافحة.

اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هوَ ومُعَاذ بن جبل  عَلَى زبيد وعدن باليمن، وَغَزَا وَجَاهَدَ مَعَ النَّبِيِّ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وحمل عنه علمًا كثيرًا.

فضل أبي موسى الأشعري وصفاته

يعتبر أبو موسى الأشعري من أهل القرآن، فقد كان  حافظًا للقران وعاملاً به، ومن كلماته المضيئة: «اتبعوا القرآن ولا تطمعوا في أن يتبعكم القرآن»، وكان عندما  يقرأ القرآن يهز أعماق من يسمعه، وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَقَدْ أُعْطِيَ أَبُو مُوْسَى مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ»، وكان عمر يدعوه للتلاوة قائلاً: «شوقنا إلى ربنا يا أبا موسى».

كان لأبي موسى فضلًا عظيمًا فعَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المَائِدَةُ: 54] ؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ‑صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ قَوْمُكَ يَا أَبَا مُوْسَى، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ».

أبرز صفاته

كان فقيهًا ذكيًّا، ماهرًا في الإفتاء والقضاء حتى قال الشعبي: «قضاة هذه الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت»، وقال: «كان الفقهاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ستة: عمر وعليّ وعبد الله بن مسعود وزيد وأبو موسى وأبيّ بن كعب».

كان مقاتلاً جسورًا، فكان موضع ثقة الرسول وأصحابه مما جعل الرسول ‑صلى الله عليه وسلم- يقول عنه: «سيد الفوارس أبو موسى»، كما يحكي أنه كان شديد الحياء عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا مُوْسَى كَانَ لَهُ سَرَاوِيْلُ يَلْبَسُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَتَكَشَّفَ، كما كَانَ أَبُو مُوْسَى صوَّامًا قَوَّاماً، رَبَّانِيّاً، زَاهِداً، عَابِداً، مِمَّنْ جَمَعَ العِلْمَ وَالعَمَلَ وَالجِهَادَ وَسَلاَمَةَ الصَّدْرِ، لَمْ تُغَيِّرْهُ الإِمَارَةُ، وَلاَ اغترَّ بِالدُّنْيَا.

ولايته للبصرة

عاد أبو موسى إلى اليمن بعد أن ولاه النبي صلي الله عليه وسلم أمر عدن، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عاد من اليمن إلى المدينة، ليجاهد مع جيوش الإسلام، ثم تولى أمر البصرة في عهد عمر بن الخطاب سنة 17 هجريا، عندما وصل البصرة جمع أهلها وخطب فيهم قائلاً: «إن أمير المؤمنين عمر بعثني إليكم، أعلمكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم»، وقال عنه الحسن ‑رضي الله عنه-: «ما أتى البصرة راكب خير لأهلها منه»، وظل حكما للبصرة  حتى قُتِلَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وفاة أبي موسى الأشعري

تُوُفِّيَ أَبُو مُوْسَى بالكوفة فِي ذِيْ الحَجَّةِ، سَنَةَ 44 وكان يردد في لحظات الرحيـل: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام».

الكاتب

  • ماجستير في التاريخ، ليسانس آداب من جامعة القاهرة، حاصلة على دبلوم تربوي ودبلوم المعلومات والتوثيق، كاتبة في عدد من المواقع والصحف، من هوايتها القراءة والكتابة.

مصدر طالع الموضوع الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status