الأمراض النفسية

أسباب مرض التوحد وعوامل الإصابة به أثناء الحمل

أسباب مرض التوحد ما زالت تحير العلماء، لأنه مرض لا ينتج عن جين واحد أو نمط حياة واحد، ولكن بسبب تفاعل عدة عوامل جينية وبيئية ووراثية مختلفة، والتي لا تعد هي السبب الرئيسي، فليس كل من يتعرض لأحد هذه العوامل يصاب بالتوحد، ولكنها تزيد من خطر الإصابة بهذا الاضطراب.

أسباب مرض التوحد الشائعة

بعض هذه الأسباب يتعلق بالجانب الوراثي والجيني، والبعض الآخر هو نتاج لتدخل غير اعتيادي للعديد من العوامل البيئية، وسوف نتناول هذه الأسباب المحتملة كل على حدة، بشكل تفصيلي نوعًا ما خلال السطور التالية، ولكن ينبغي أن نعرف معلومات عن مرض التوحد.

ما هو مرض التوحد؟

أسباب مرض التوحد البيئية

يسمى مرض الذاتوية autism spectrum disorders (ASDs)، وهو اضطراب النمو العصبي في الدماغ، يؤثر على التفاعل الاجتماعي للشخص والتواصل مع الآخرين، وعادةً ما يتم ملاحظته في سن الرضاعة وقبل بلوغ سن الثالثة، له أعراض متعددة ومختلفة من حالة إلى أخرى، إلا أن تأخر الكلام وصعوبة التعلم، مع فشل في تكوين علاقات اجتماعية، أو التصرف مع المحيط الخارجي بشكل جيد يتناسب مع فئته العمرية، هي أبرز الأعراض التي تضطر الوالدين للجوء إلى الطبيب لطلب المساعدة.

وجدير بالذكر أن هذا المرض ليس له علاج قطعي، إلا أن التشخيص المبكر والرعاية المكثفة قد تحدث اختلافا كبيرا لدى المرضى، بحيث تتطور بعض المهارات اللغوية والسلوكية ويسهل عليهم التعامل مع البيئة بشكل تدريجي ملحوظ.

تزايد انتشار مرض التوحد بشكل مطرد في العقود الأخيرة، ووفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض، حيث يعاني واحد من كل 54 طفلًا اليوم منه، وبحسب البحث، فإن هذه الطفرة لا ترجع إلى التغيرات الجينية والعوامل البيئية التي تؤدي إلى هذا الاضطراب، وبدلاً من ذلك، يبدو أن الزيادة في عدد المرضى ترجع إلى تغيير في معايير التشخيص وزيادة الوعي بمرض التوحد وأعراضه.

يقوم الأطباء بتشخيص اضطرابات الصحة العقلية بناءً على المعايير الموضحة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)، في الفئة السابقة من هذا الدليل، المسمى DSM‑5، تم تقسيم التوحد إلى 3 فئات:

تستبدل الفئة الحالية، DSM‑5، هذه الفئات الثلاث بتشخيص عام، ويضعها جميعًا في فئة اضطراب طيف التوحد، لم يعد التعريف الحالي للتوحد محددًا للحالات الحادة ولكنه يشمل أيضًا الحالات الخفيفة.

أسباب مرض التوحد الجينية

تشير الأبحاث إلى أن مرض التوحد يتطور بسبب مجموعة من التأثيرات الجينية وغير الجينية أو البيئية، حيث تلعب الجينات دورًا شديد الأهمية في تطور هذا الاضطراب عن العوامل البيئية، ،حيث يقدر أن التوحد موروث بنسبة 80%، هذا يعني مثلًا أنه إذا كان أحد التوأمين المتطابق مصابًا بالتوحد، فإن الآخر لديه فرصة 80% للإصابة بالتوحد، ويكون الاحتمال 40% في التوائم غير المتجانسة.

حيث تزيد التغييرات في جينات معينة من فرص وجود طفل توحدي، خاصة إذا كان أحد الوالدين يحمل واحدًا أو أكثر من هذه الجينات، حيث تنتقل إلى الطفل، وربما يكون الوالد غير مصاب بالتوحد، وقد تظهر هذه التغييرات الجينية بشكل تلقائي في الجنين في الشهور الأولى من الحمل، أو في خصائص الحيوانات المنوية و/ أو البويضة التي تتحد لتكوين الجنين.

أيضًا عمر الأب أثناء تكوين الحيوانات المنوية، هو عامل خطر آخر لمرض التوحد، من المحتمل أن تكون الزيادة المفاجئة في الطفرة الجينية مع تقدم العمر سبب التوحد، ولكن نؤكد أن هذه التغيرات الجينية ليست من أسباب مرض التوحد في حد ذاتها، ولكنها تساعد على الإصابة بهذا الاضطراب،

أسباب مرض التوحد الوراثية

أسباب مرض التوحد الوراثية

لقد أثبتت العديد من الدراسات والأبحاث، أن الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي مرضي لطيف التوحد أو متلازمة داون، هم أكثر الأشخاص عرضة للإصابة بمرض التوحد على الإطلاق، أي أن الأشخاص المصابين بالتوحد يكون أبناؤهم، أكثر عرضة للإصابة بالتوحد من غيرهم عدة مرات، أي أنه إذا كان أحد الأبوين أو الإخوة يعانون من التوحد أو متلازمة داون، فإن إصابة المولود الجديد بهذا المرض تكون بنسبة 96%.

الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات وراثية، مثل متلازمة X الهش (FXS)، ومتلازمة هنتافيرس الرئوية (HPS)، ومتلازمة فار (أو تكلّس العقد القاعدية) وهي مرض عصبي نادر وهو وراثي، ومرض التصلب الجلدي، واضطراب تورين العصبي (Tourette syndrome)، وكذلك متلازمة ويليام، هم أيضا معرضون للإصابة بمرض التوحد.

وفقًا لنتائج الأبحاث المختلفة، نعلم الآن أن أي تغيير معين في جينات محددة، يسبب مرض التوحد، أو له علاقة بتطوره، كذلك يمكن لمئات الجينات الأخرى أيضًا أن تلعب دورًا في هذا الاضطراب، على سبيل المثال، قد يتم توريث الاختلافات الجينية من خلال أسنان الوالدين أو تحدث تلقائيًا في الحيوانات المنوية أو البويضات.

معظم الناس معرضون لخطر وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب بالتوحد، لكن في الوقت الحالي لا يمكن تحديد احتمالية حدوث هذا الخطر، وتجدر الإشارة إلى أن وجود خطر وراثي للتوحد لا يعني بالضرورة وجوده.

أسباب مرض التوحد البيئية

أسباب مرض التوحد البيئية

إن التلوث البيئي الذي نعيشه في الوقت الراهن هو أحد أسباب مرض التوحد، وزيادة معدلات الإصابة به عما مضى، حيث إن  واحدا من كل 500 طفل يعاني من التوحد، ويرجع ذلك إلى تلوث الهواء بالمعادن الثقيلة والسموم، لكن من الصعب العثور على دليل مؤكد للعلاقة بين التوحد والعوامل البيئية، كذلك من الصعب أن نذكر على وجه اليقين علاقة سبب التوحد بأي عامل بيئي، لأن هناك العديد من المتغيرات في هذه الحالة.

كما أنه قد زاد عدد الأطفال المصابين بالتوحد بشكل كبير منذ الستينيات، كما يعتقد الخبراء أن جزءًا كبيرًا من هذا التغيير يمكن أن يُعزى إلى التغيير في معايير التشخيص، وزيادة وعي الأطباء وعامة الناس بهذا الاضطراب، بالإضافة إلى العدوى الفيروسية المختلفة والتي تعمل على تحفيز طيف الذاتوية.

العوامل البيئية الأخرى

بعض العوامل البيئية تزيد من خطر الإصابة بالتوحد، ترتبط هذه العوامل بالتجارب النفسية والجسدية، التي حدثت أثناء الحمل أو الرضاعة والتي قد تؤثر على نمو الدماغ، مثل استنشاق أي مبيدات حشرية.

عمر الأبوين، حيث إن الباحثين قد وجدوا علاقة بين تجاوز أحد الوالدين أو كليهما الأربعين عاما، وإصابة الابن بمرض التوحد.

كذلك التطعيم، هناك نسبة كبيرة من المتخصصين يربطون بين أسباب مرض التوحد، وبعض اللقاحات الطبية الدورية، التي يتناولها الطفل بالوحدات الصحية كنوع من الوقاية ضد بعض الأمراض، ولا سيما السعال الديكي واللقاح الثلاثي (MMR triple vaccine)؛ وبالرغم من كثرة هذه الأقاويل، إلا أنه لم يثبت مدى صحتها حتى الآن، حيث لا توجد علاقة بين التطعيم والتوحد، لأن اللقاحات هي مجرد أداة قوية يستخدمها الأطباء، والآباء لحماية أطفالهم من الأمراض الخطيرة.

أسباب مرض التوحد أثناء الحمل

رحم الأم هو البيئة الأولى للإنسان، والأم هي المسؤولة عما يتعرض له الجنين في هذه المرحلة الحرجة، لذا فإن نمط الحياة والنظام الغذائي المتبع أمر يؤثر بشكل كبير في مدى إصابة المولود بمرض التوحد من عدمه، وعليك عزيزتي الأم أن تضعي في الاعتبار هذه الأمور، خلال فترة الحمل والرضاع، كي تتجنبي ذلك، حيث إن: التدخين السلبي أمر خطير وغير آمن، كذلك السمنة المفرطة وداء السكري لا بد من متابعتهم جيدا، وارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، الولادة المبكرة، والالتهابات أثناء الحمل، تزيد من خطر الإصابة بالتوحد.

عوامل ما قبل الولادة التي تزيد من خطر الإصابة بالتوحد، وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض، فإن تناول الأدوية مثل الثاليدومايد أو حمض الفالبرويك أثناء الحمل يمكن أن يكون من أسباب مرض التوحد، أو قد يزيد من خطر الإصابة به، كذلك تظهر بعض الأبحاث أيضًا أن تناول مضادات الاكتئاب، أثناء الحمل يزيد من خطر الإصابة بهذا الاضطراب، لكن هذه النتائج ليست قاطعة بعد.

جدير بالذكر أن فترة الرضاعة الطبيعية لا تقل أهمية عن الحمل، لذا يجب استشارة الطبيب قبل تناول أي عقار، حيث إن بعض الأدوية قد تسبب تغيرا في كيمياء الدماغ، وبالتالي تكون أحد أسباب مرض التوحد.

عوامل أخرى تسبب مرض التوحد أثناء الحمل

أسباب مرض التوحد أثناء الحمل

هناك عوامل أخرى تعد من أسباب مرض التوحد المحتملة، ومنها العدوى، أو أمراض المناعة الذاتية، أهمها ما يلي:

  • هناك صلة بين التوحد والحمل بعد أقل من عام من الإجهاض.
  • سبب هذه العوامل في تطور التوحد، هو الالتهاب واستجابة الجسم المناعية للجنين النامي.
  • إصابة الأم بالحصبة الألمانية، فقد وجد الأطباء علاقة، بين هذا المرض واضطرابات طيف الذاتوية.
  • كذلك بعض أمراض المناعة ومرض بيلة الفينيل كيتون، وهو مرض أيضي يتعلق بنقص بعض الإنزيمات لدى الأم أثناء حملها.
  • يعتقد العديد من الباحثين أن إصابة الأم ببعض الأمراض الفيروسية أثناء الحمل، هي أحد أسباب مرض التوحد المحتملة.
  • هناك بعض الأدلة على أن تناول فيتامينات ما قبل الولادة، والتي تحتوي على حمض الفوليك، وفيتامين B9، وفيتامين D، يمكن أن يكون فعالًا في منع وتقليل خطر الإصابة بالتوحد.
  • كذلك تناول بعض الأدوية والعقاقير مثل: مضادات الاكتئاب ومضادات التشنجات، خلال تلك الفترة المهمة للغاية في حياة الإنسان؛ إلا أن الدراسات لم تثبت بشكل قطعي مدى صحة هذه الاعتقادات.

ضعف نمو الدماغ أثناء الحمل

إن التشوهات التي تحدث في الدماغ أثناء فترة الحمل، قد تكون من أسباب مرض التوحد بشكل رئيسي، حيث أثبتت الأبحاث وجود عيوب في تركيب بعض مناطق الدماغ لدى نسبة كبيرة من مرضى التوحد، وكذلك مستويات مرتفعة من السيروتونين أحد أهم النواقل العصبية، حيث إن وجود ضرر بمنطقة اللوزة مثلا، وهي جزء بالدماغ مسؤول عن كشف الخطر، هو سبب كافٍ للإصابة بمرض التوحد، وجدير بالذكر أن ضعف نمو الدماغ في حد ذاته له العديد من المسببات منها:

  1. ولادة الطفل بوزن قليل أو يعاني من فقر دم.
  2. الولادة المبكرة جدا قبل الوصول إلى الأسبوع الـ26 من الحمل.
  3. سوء تغذية الأم خلال الحمل والنقص الشديد لحمض الفوليك من نظامها الغذائي.

نقص بعض العناصر الغذائية

يرجع بعض الباحثين أن من أسباب مرض التوحد نقص بعض العناصر الغذائية، سواء خلال فترة الحمل أو في الشهور الأولى من عمر الطفل، ولعل أبرز هذه العناصر هي: حمض الفوليك المسؤول عن التشوهات الخلقية، وعنصر الحديد الذي يعمل على إيصال الأكسجين للجنين بشكل جيد خلال الحمل، أما بعد الولادة فإن نقص فيتامين D، وفيتامين B12 هما أيضًا أحد أسباب مرض التوحد أو طيف الذاتية.

لماذا الأولاد أكثر عرضة للإصابة بالتوحد؟

أسباب مرض التوحد عند الأولاد

التوحد أكثر شيوعًا عند الأولاد 4 مرات منه لدى الفتيات، ربما يعود سبب عدم التطابق هذا إلى مجموعة من العوامل البيولوجية والتشخيصية، حيث إن أدمغة المصابين بالتوحد ذكورية للغاية، في حين أن الفتيات أقل عرضة للتوحد، وبالتالي فإن اكتشافه عند الذكور أسرع من اكتشاف التوحد عند البنات.

من الناحية البيولوجية، تكون النساء المصابات بالتوحد أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب من الرجال الذين لديهم أفراد من العائلة ويكونون أكثر عرضة للطفرات الجينية، تشكل هذه النتائج أساس نظرية «التأثير الوقائي للمرأة»، وفقًا لهذه النظرية، فإن النساء محصنات بيولوجيًا من التوحد.

ولهذا يمكن القول إن الأولاد أكثر عرضة من الفتيات للإصابة بالتوحد، لكن العديد من النساء والفتيات يعانين أيضًا من هذا الاضطراب، قد تختلف الأعراض بين الرجال والنساء، وقد يتم التستر على البنت المصابة بالتوحد، نتيجة لذلك، يتم تجاهل هذه الحالة أو تشخيصها بشكل خاطئ عند النساء، لكن التشخيص النهائي يمكن أن يغير حياة الشخص.

أخيرا فإن أسباب مرض التوحد كثيرة ومعقدة، وتشخيصه وطرق العلاج منه يحتاج إلى طبيب نفسي لديه وعي كافٍ بنوعية هذا الطيف، بالطبع، واختيار أفضل طرق العلاج الممكنة، وكيفية التعامل معها، وكذلك يمكن تقليل خطر الإصابة بالتوحد من خلال محاولة تجنب العوامل البيئية والصحية التي يمكن أن تسبب تطور الحالة.

المصدر
المصدر 1المصدر 2المصدر 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى