رياضة

أندية بسياسات تعاقد حازمة.. لأن الانتماء بالنسبة للبعض بطولة

إن كنت متابعا لكرة القدم العالمية فغالبا أنت تعلم حقيقة كون نادي أتليتيك بيلباو الإسباني ناديا لا يتعاقد سوى مع لاعبين ولدوا بإقليم الباسك.

«أووووه، هو أحدنا، هو ملك لنا»

-هتاف مشجعي أتليتيك بيلباو لأي لاعب يحرز هدفا.

 

الباسك هو إقليم يقع شمالي إسبانيا، مكون من 3 مقاطعات رئيسية هي ألافا، غيبوثكوا وبيسكاي، كما أن الإقليم يمتلك علما خاصا به باللون الأحمر، والأقليم يتمتع بشبه استقلال ذاتي عن الحكومة الإسبانية.

داخل الباسك، تتواجد عدة أندية رياضية، منها بيلباو، سوسيداد، إيبار وألافيش، جميعها سبق لها وأن لعبت بالدرجة الإسبانية الأولى بكرة القدم، لكن الشيء الذي يميز أتليتيك بيلباو عن البقية هو سياسة التعاقد الخاصة بهم، حيث لا يسمح لأي أجنبي أن يمثل الفريق.

الهتاف كذلك الذي يبدأ عقب التسجيل بقلب السان ماميس ‑معقل بيلباو-، يعيدنا إلى السبب الرئيسي لتمسك إدارات النادي عبر تاريخها بتقليد على عكس العالم الذي نعيشه، الموصوف بالاحترافية. ربما يشعر الجميع بالراحة حين يشاهدون 11 لاعبا ينتمون لنفس الإقليم الذي يسكنوه، في ظل أن تجارب كتلك لا تتكرر كثيرا بأندية أخرى، فبالكاد قد تجد لاعبا أو اثنين ينتمون للنادي وللمدينة. بغض النظر عن النجاح والفشل رياضيا، فهو أمر نسبي مرتبط بأهداف النادي نفسها.

يرى يوسيبا إكشتيبريا، أسطورة بيلباو، أن فلسفة النادي نفسها هي ما جعلته معروفا بشكل كبير عالميا، حتى وإن كان لا يحقق الكثير من الألقاب، لكن الأهم هو تقليص المسافة ما بين الجماهير واللاعبين، لذلك فالعلاقة بينهم تحولت لعلاقة أسرية، وهو ما يجعلها علاقة أفضل، أكثر أصالة.

نادي الوطنية الحقيقي

بـ«كيتو» عاصمة الإكوادور، رأى أحد رجال المؤسسة العسكرية المتقاعدين في ستينيات القرن الماضي ضرورة وجود ناد لكرة القدم بسياسة مختلفة تظهر تفوق الرياضيين الإكوادوريين. في البداية، كان الفريق مصمما ليكون واجهة للجيش، لكن وعقب تحقيقه لنجاحات متتالية بأول سنوات تواجده على حساب أندية عريقة مثل إيميليك وبرشلونة، أضحت فكرة عدم التعاقد مع الأجانب بمثابة الشريعة التي يسير عليها المسؤولون تباعا، فلم يعد النادي ناديا للجيش وحسب، بل ناديا لكل الإكوادوريين.

أندية بسياسات تعاقد حازمة.. لأن الانتماء بالنسبة للبعض بطولة

عقب اقتحام الاحتراف لكرة القدم، تأثر فريق «ناسيونال» بشكل كبير، فبعد النجاح في السيطرة على كرة القدم المحلية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تراجعت قدرة النادي على مجاراة رأس المال، فكان آخر تتويج للفريق بالعام 2006، أي قبل ما يقارب الـ15 عاما.

طبقا لـ«مارسيلو جايو»، الصحفي الإكوادوري، جاء ذلك التراجع بسبب ضعف المساعدات المادية التي تقدمها المؤسسة العسكرية للنادي، خاصة بعد إجراء أول انتخابات مفتوحة لرئاسة النادي بالعام 2013.

«لن يتم التعاقد مع أجانب خلال فترة رئاستي للنادي»

خورخي يوندا، أول رئيس منتخب لناسيونال.

يعتقد أن شريحة كبيرة من الجماهير قد استسلمت لعدم قدرة النادي قليل المداخيل على مناطحة الأندية الأخرى بسوق الانتقالات، وطالبت المسؤولين بضرورة التعاقد مع لاعبين أجانب لضعف مستوى اللاعبين المحليين وافتقارهم للحد الأدنى من الجودة. بينما ترى شريحة أخرى، والتي تتمسّك بعادات النادي وتقاليده، بأن الحل ليس في الاستسلام، بل في توجيه العمل نحو اللاعبين الشباب وتطويرهم بشكل أكبر، بالتالي قد ترتفع جودتهم ما يعني قدرة أكبر لناسيونال على المنافسة. خاصةً وأن النادي يمتلك تاريخا جيدا بتصعيد شباب ممتازين لعل أبرزهم أنطونيو فالنسيا الذي لعب سابقا لمانشستر يونايتد الإنجليزي ومنتخب الإكوادور.

لم يختلف يوندا مع الجماهير التي استسلمت من حيث المبدأ، اقتصاديا يبدو الأمر أبسط حين تتعاقد مع لاعب أجنبي ممتاز، لأن بسبب ندرة المواهب الإكوادورية، تغالي الأندية في مطالبها المادية لبيعهم، لكن المشكلة الرئيسية تظل في اتخاذ القرار التاريخي بتحويل مسار النادي وعرفه المتبع بعد أكثر من 50 عاما.

شيفاس ومقارعة الكبار

لا تختلف سياسات شيفاس جوادالاخارا المكسيكية مع تلك الخاصة ببيلباو وناسيونال من حيث الإجراءات الحازمة خلال التعاقد مع اللاعبين، فمنذ الأربعينيات طبقت نفس السياسة بجلب لاعبين مكسيكيين فقط.

في البداية كانت الفكرة ناجحة جدًا، بل إنها جعلت من النادي ممثلا للأمة بأسرها، فحسب بعض التقديرات، 40% من الجمهور المكسيكي هم في الأساس مناصرون لشيفاس، ويعتقد أن ذلك قد حدث بسبب تحقيق النادي نجاحا مبهرا خلال الفترة ما بين 1956 و1970، بتحقيقه 8 ألقاب للدوري المحلي، ما جعل الجماهير تلقبه بـ«البطل».

القاعدة الجماهيرية الكبيرة بالطبع لها مردود إيجابي على ممثلي النادي، لكنها أيضا تضيف الكثير من الضغط عليهم، لأن النادي الذي فشل خلال آخر 50 عاما في تحقيق لقب الدوري سوى في 5 مناسبات وجد نفسه أمام نفس المعضلة الأخلاقية.

أندية بسياسات تعاقد حازمة.. لأن الانتماء بالنسبة للبعض بطولة

بعد اقتحام المال للعبة، استطاعت العديد من الفرق استقطاب نجوم أوروبيين ولاتينيين، ولعل أبرز تلك الأمثلة ناديا كلوب أمريكا وتيجريس، كما أن ثورة البيانات جعلت من اللاعبين المكسيكيين ذوي الجودة المرتفعة يفضّلون الرحيل نحو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، بدلا من الاستمرار داخل الدوري المكسيكي.

بما أن جوادالاخارا قرر طواعية عدم استقطاب أي لاعب أجنبي باتفاق «غير مكتوب»، لذا لا مفر من التعاقد مع اللاعبين المحليين، وهنا تظهر المشكلة الأكبر في رأي خوزيه ماريا جاريدو، مراسل إحدى القنوات المكسيكية، حيث أشار إلى أن المغالاة في أسعار اللاعبين المحليين أخذت بعدًا جديدًا في حالة شيفاس.

فطبقا لشهادة أحد المديرين الرياضيين، أثناء تفاوض جوادالاخارا مع أحد اللاعبين المكسيكيين يتم وضع سعر مبالغ به من قبل النادي البائع، وسعر أقل إذا كان المشتري ناديا آخر لا يمتلك نفس السياسات الحازمة، إيمانًا منهم بأن شيفاس ‑بسبب سياساته- سيظل مجبرا على دفع الرقم المبالغ به، لأنه في موقف ضعف.

الباراجوياني خوزيه كوردوزو، المدير الفني السابق لشيفاس أدلى بدلوه أيضا بهذه القضية، حين اعترف بأن سوق شيفاس محدود جدًا، كما أنه من الصعب جدا مجاراة أندية مثل مونتيري، كلوب أمريكا وتيجيريس، لأن أسعار اللاعبين المحليين مرتفعة للغاية، بالإضافة إلى تمسك النادي نفسه بسياساته.

بينما يرى أماوري فيرجارا، رئيس النادي، بأنه لا توجد أي نية للتغيير، حتى وإن لم ينافس النادي مستقبلا، لأن تجاهل الفكرة التي تأسس من أجلها النادي ‑حسب رأيه- ستجعل من جوادالاخارا ناديا آخرا. لأن هذا العرف هو ما جعل الجماهير تحب النادي من البداية، بل جعلت منه ممثلا للمكسيك، ربما أكثر من المنتخب المكسيكي نفسه، الذي يلعب له عناصر لم تولد داخل البلاد من الأساس.

أخيرًا وبغض النظر عن اتفاقنا واختلافنا مع سياسات كتلك، ومدى تأثيرها على بعض الجماهير التي تريد أن ترى فريقها بطلا بنهاية المطاف، إلا أن القصص نفسها تحمل بريقا مختلفا لم يتلطخ بالأموال وما تبع تدفقها من تنازلات، الأمر لا علاقة له بالفوز، بل بالتفاعل بين الجماهير والنادي، ذلك كان الاختيار منذ البداية، العبرة في الطريق الذي تسلكه قبل أن تتوج، ربما قد يحمل التتويج ‑إن حدث- وقتئذ طعما مختلفا، فقد حققه 11 رجلا ينتمون لهؤلاء الذين تكتظ بهم المدرجات.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
DMCA.com Protection Status