أوجستين ليساج.. عامل المناجم الذي تغيرت حياته بسبب صوت غامض

بعض الأشخاص يولدون بموهبةٍ فطريةٍ، لكن ذلك يعني بالتبعية أنهم سوف يدركون حقيقة موهبتهم تلك، فالموهبة دون أن تستخدم لا وجود لها، لذلك؛ ترى أن المحيطين بالموهوب، دائمًا ما يدفعونه لاستغلال موهبته بأفضل شكلٍ ممكن، عن طريق تنميتها مستخدمًا عديد الوسائل التي تصقل هذه الموهبة وتخرجها خارج حيِّز عقله. هذا ما يحدُث عادةً في الظروف العادية، إلا أن التاريخ قد سجل حالة واحدة، تختلف جذريًا عن حكايات الموهوبين، حكاية «أوجستين ليساج».

عامل المنجم الذي تحوّل

ولد أوجستين عام 1876 في بلدة صغيرة تسمى «سانت بيير لو أوتشيل» بالقرب من مدينة ليل، شمالي فرنسا، لعائلة متوسطة يعمل معظمها كعُمال بمناجم الفحم، هكذا أصبح ليساج أيضًا، فقد انضم للعمل رفقة أهله في المناجم منذ سن صغير.

بحلول العام 1911، وقت أتم أوجستين عامه الـ35، يُقال إنه قد سمع صوتًا يخبره بأنه سيصبح رسامًا، والحقيقة هي أن ليساج لم تكُن ربطته أي صلة بالفن عمومًا ولا الرسم خاصةً، سوى عبر زيارة واحدةٍ لمعرض الفنون بليل الفرنسية.

كان أوجستين يؤمن بإمكانية التواصل الروحاني، وربما كانت هذه هي وسيلته الوحيدة للتأكد من الصوت الذي أبلغه بأنه من الممكن أن يصبح رسامًا، فقد اختبر بعد هذه الحادثة حوادث أخرى لأصوات مُبهمة تُحدثه عن ذلك الأمر مجددًا، بل إن الأصوات ‑حسبما سرد- كانت تنقل له تعليمات محددةٍ حول ما يجب أن يرسم، وكيف يستخدم الأدوات، ومن أين يمكنه شراء أفضلها. لذلك آمن أوجستين بأن الصوت الذي يحدثه هو صوت لشخص يحبه، وافترض أن هذا الشخص هو شقيقته الأصغر سنًا، والتي توفيت عندما أتمت عامها الثالث فقط.

فقد سرد أوجستين ذات مرة.. «في يناير 1912، أرواح قوية قامت بالاقتراب مني وتعريفي بها، ثم أمرتني بأن أرسم، وهو الشيء الذي لم أقم به في حياتي».

وأكمل.. «لقد أخبرتني الأرواح بألا أقلق حيال التفاصيل، فهم من يفعلون كل شيء، وما يداي إلا وسيلة فقط».

أوجستين الذي أصبح فنانا

بدأ أوجستين عمله كرسّام، في حين كان يستغرق أوقاتًا طويلة لإنتاج أعماله، فقد نُقل أن أولى لوحاته قدمت بعد عامين كاملين ليتمم رسمها وتلوينها.

عند قيام الحرب العالمية الأولى، توقّف إنتاج ليساج الفني تمامًا، لكنه عاد واستأنفه بعد انتهائها، لأنه آنذاك كان قد استطاع أن يجد عملًا بالمجلة الروحانية «Le Revue Spirite»، الأمر الذي مكّنه من التخلّي عن مهنته الأساسية كعامل بمناجم الفحم.

بحلول عام 1923، كان ليساج قد استطاع أن يؤمن لنفسه حياة كريمة معتمدةً على إسهاماته الفنية وحسب، بعدما تطوّر أسلوبه وأضحى أكثر تعقيدًا يتميز بتركيبات مرتبة بدقة بالغة. فقد كانت أعماله شبيهة جدًا بالأشكال المعمارية المصرية والشرقية القديمة.

أوجستين الوسيط

كان أوجستين يؤمن بأنه لم يكن موهوبًا، بل إن ما يحدث هو أن قوى روحية ما قامت باستغلاله لنشر أفكارها، لذلك لم يجد حرجًا في التصريح بأنه لم يكن يعرف أي شيء عن خطوته التالية، فقد كانت الأرواح ‑حسب زعمه- من يحدد له ما يجب عليه تصويره، لذلك ربما أراد ليساج أن تستمر هذه الأصوات في دعم مسيرته، فقام بالعمل كوسيط بجلسات تحضير الأرواح، التي كانت تلقى رواجًا بهذه الحقبة الزمنية. كان أوجستين ربما فخورًا بأنه يعمل كوسيط روحي، لهذا قام في أواخر العشرينيات بإقامة عروض ضخمة لاستعراض مهاراته بالتواصل الروحي أمام العامة.

تعتبر أعمال أوجستين ليساج الفنية جزءًا أصيلًا من الحركة الروحانية في الفن، فقد ترك ما يقارب الـ800 لوحة قبيل أن يتوفى في فبراير 1954، يتواجد معظمها في متحف «ليل ميتروبول» للفن الحديث والمعاصر، بعدما قام «جيان دوبوفيت»، الرسام وجامع الأعمال الفنية بالتقاطها وتجميعها، أثناء بحثه حول الفنانين العصاميين أصحاب الأعمال الاستثنائية.

الكاتب

مصدر طالع المصدر الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status