وسام سعيد يكتب: أيها «النباتيون».. إنتو كتير ولا إيه؟!

من الآن ابحث عنهم … ترقبهم فهم حولك بل أقرب من ذلك؟

منذ قديم الأزل و«النباتيون» فئة موجودة وقائمة بين الثقافات الغذائية، وهم يرون أن البروتين الحيواني سم قاتل، وشر مستطير لا ينبغي التعامل معه، وممنوع الاقتراب والتصوير منه أو من يتناوله، ويستبدلون كل ما في اللحوم من فوائد في المحاصيل والحبوب البقولية والخضروات والفاكهة.

لكن من هذه الفئة العريضة فيها من هو مفطور على ذلك فلا حيلة له في هذا الاختيار التعيس، وهناك من يلقي بنفسه طواعية في هذا الجحيم، هاربًا من «جنة اللحوم»، التي يراها نارًا. كيف؟!! … لا أدري!!

ومن فئة «النباتيين» العريضة نشطت مجموعة عبر السوشيال ميديا «فيسبوك وتويتر» غزت ثقافتهم مصر في غضون عام واحد حتى صاروا بالملايين بالأخص في الفئة العمرية 40 فما فوق، وهم مجموعة الـ pbd اختصارًا لـ Plant Based Diet أي الحمية المعتمدة على الغذاء النباتي، وصار للثقافة النباتية مروجون ومنظرون، ومحفزون ومريدون … وهذا ما يدعو للقلق…

«إنتو كتير ولا إيه؟!!

بدأت أعداد مجموعة الـ pbd تتزايد بشكل مرعب، منهم من يتأقلم ويستمر، ومنهم من يكتفي بالتمثيل المشرف، ومنهم من يلقي «التماسى» ‑وهم قليلون- مكتفيًا بيوم أو يومين ثم يغادر المجموعة داعيًا لهم بدوام التوفيق وبموفور الصحة.

وقبل الحكم عليهم ‑لو كان لنا أحقية أن نضع هذا الاتجاه في منطقة الاتهام- فهم في الحقيقة لا هدف لهم إلا الخير، ولا يسعون إلا لأسلوب حياة نظيف خالٍ من أمراض العصر، وينشدون الحصول على جسم متناسق جميل، من خلال إنقاص الوزن عبر هذه الوصفات الجافة المريرة.

وإن جاز لي تقييم هذه التجربة من خلال بعض مشاهداتي لصفحاتهم على «الفيسبوك» فهو لن يخرج عن هذه النقاط من وجهة نظري المتواضعة:

1 – مش وقته

هذه التجربة تحديدًا في معظم بلاد العالم الثالث قد تواجه صعوبة في استمرار انتشارها، فهي تليق أكثر ببلاد تنعم بالرفاهية، ويحصل فيها المواطن على كافة الخدمات الحياتية، من بنية تحتية وبيئة نظيفة ومواصلات «سالكة»، وإنترنت لا يقطع الخلف، ومرور منظم، وحكومات لا تصيبك قراراتها بجلطات مخية، فتتولد لدى مواطنيها رغبة في الحياة ومقاومة الأمراض، والأمل في غد جديد … وأمل اتجوزت من سنتين زي ما كلنا عارفين.

2 – «المود» مش تمام

في معظم أيامنا حاليًا نفتقد اللحظة السعيدة، والحالة المزاجية الفريدة، ونبحث عن «مود» لطيف طوال اليوم مثل «خرمان السجاير»، فلا نجده إلا عند عربة سجق وكبدة بمخللاتها بسلطاتها، أو أمام حلة محشى في ليلة جمعة باردة فتضرب ببخارها في وجهك لتولد من جديد أو حين تلتهم نسائر لحم فخدة ضاني «واخدة وش التحمير» ترقد فوق تل من الرز البسمتي الذهبي.

أو في «قطمة» من ساندوتش «برجر» 3 طبقات يتخللهم ما يجود به خيالك من صوصات الباربيكيو والمايونيز، فيتوقف الزمن برهة قبل أن تتبعها بالبطاطس المقلية، وتحبس وراهم بشفطة مياه غازية ومن النوع الأسود كمان!!

3 – الصحة تاج.. ولكن!!

فكرة الحفاظ على الصحة العامة بلا شك هدف أسمى للبشرية لا يحتاج تقييما من أحد أو مجرد مراجعة ذهنية، فالصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء، ولكن على الجانب الآخر تبدو السعادة هدفًا أصعب في نيله واقتناصه، ومتعة اللحظة كانت وما زالت في وجبة ساخنة دسمة تملأ جنباتك بالدفء والارتياح، وتنشر في جسدك هرمون «السيراتونين» الغالي ابن الغالية، والذي يبحث عنه الملوك والأباطرة.

4 – وهم السعادة الكاذب

مش هنضحك على بعض .. ونمثل إننا فرحانين بالعافية .. هذا هو ملخص وحال مجموعة الـ pbd مع خالص تقديري لمجهودهم الإيجابي في الحياة، فهم ليسوا سعداء مهما ادعوا ذلك، حتى إنك تجد عبارات واحدة على لسانهم من نوعية :- «أنا ودعت الاكتئاب خلاص وبقيت بارفرف م السعادة بعد نظام الـ pbd أنا صحيح جعانة علطول … بس مبسوطة» … وهي تكابد مرارة الجوع وتصارع نقص هرمون السعادة، وتشعر بغثيان وصداع- «امبارح بقى …عملت صينية مالهاش حل مكونة من البطاطا النية مع البتنجان المشوي مع شوربة شوفان» … فلتحملي هذا الطبق اللعين يا سيدتي إلى أعدائك فتضمني بذلك حرقة دمهم، وتبقى خلصانة بشياكة!!- «من ساعة ما بطلت آكل لحمة وأنا حاسس إني واحد تاني» … بالتأكيد فأنت أمام حياة جديدة، تنعم فيها بصحة جيدة ومزاج ناري «زي الشاسيه المعووج لا هيتعدل ولا هيشوف عدلة ليوم الدين»!!

5 – لم ينجح أحد

لم أر في معظم وأغلب هذه التجارب شخصًا كان بدينًا ثم تحول لشخص نحيف أو Smart ولكن أغلبهم تجده قد نقص وزنه عدة كيلوات ثم يثبت عند حد معين، وتمر السنوات على وزنه هذا فلا يتتعتع ولا يتحرك، فتبدأ التبريرات مثل : «أنا نزلت …إنت بس اللي ما شفتنيش من سنة»، ثم ينتقل لدرجة أخرى من التبرير مثل «على فكرة مش مهم الوزن .. المهم إني مرتاح وحاسس إن روحي شابة .. وعارف آخد نفسي» …وفكرة أن يشعر الإنسان بذلك هو أمر جميل يستحق البذل ولكن لا يرقى لكونه هدفًا يترك من أجله لذة الطعام ويكابد مرارة الحرمان والجوع، أو كما يقول الشوام «مش محرزة».

6 – أهلًا بالأمراض والسعادة معًا

أهلا بالأمراض القلبية والسكر وضغط الدم ما دمت ميت ميت، ولن يصل متوسط عمرك إلى ما يزيد على 75 عامًا …فما الضرر في أن تطلق العنان للذة الطعام حتى سن الـ 40 ثم تبدأ في تعاطي العلاج جنبًا إلى جنب مع الاستمتاع بما تأكل حتى سن الـ 50، ثم تبدأ في الحسابات والحذر بتقليل الطعام وزيادة جرعة الدواء فلا تتخلى عن المتعة حتى سن الـ 60 ثم تنضم في هذا التوقيت لجروب النباتيين وتتوب من ذنوبك وجرائمك.

7 – تحية للمرضى

من ابتلاه الله بأمراض خبيثة أدت إلى اتباعه هذه الحميات الصارمة رغمًا عنه، فهو خارج هذه الحسابات المعقدة، ويكفيه شرف مجابهة الحياة، ونرفع له القبعة أنه لم يستسلم ويحيا باحثًا عن الأمل حتى اللحظات الأخيرة بأي طريقة يرتضيها ويراها تحقق له راحة البال أو بعض الأمان المؤقت.

أخيرا.. اسأل روحك كما تقول أم كلثوم … إذا كان العلاج والدواء أمرا حتميا آتيا لا محالة، فجميعنا سينحني أمام هذا القدر … النباتي واللحومي … وشكرا.

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب

  • وسام سعيد يكتب: أيها «النباتيون».. إنتو كتير ولا إيه؟!

    كاتب صحفي بالأهرام تخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1995 حاصل على الجائزة الأولى للتفوق الصحفي من نقابة الصحفيين عن عدد مجلة الأهرام العربي بعنوان «فيروز بدون مناسبة» متخصص في أدب الرعب – وله كتابات نقدية في السينما – ومقالات عديدة عن الأكلات المصرية و المزاج المصري في الطعام صدر له ٨ كتب : «خدني يا رب» عام 2009, وصدر له 3 اعداد من سلسلة مسارات الرعب; «خارج السيطرة», «هيستريا الصورة» و«برديس» و«أنين منتصف الليل» عام 2018 وصدر له «قتيلة كامب شيزار» عام 2018 ، وأخيرا رواية «ممر آمن للشيطان» وهي أحدث أعمال الكاتب.

علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status