رياضة

إدوارد ميندي.. حين تصطدم بنيزك أثناء عودتك للمنزل

يخبرنا الكاتب مايك كالفين عبر كتابه «No Hunger In Paradise» أن احتمالية تحقيق أي طفل إنجليزي لحلمه باللعب في أحد أندية البريمييرليج تساوي تماما احتمالية تعرض أي شخص للإصابة جرّاء سقوط نيزك فوق رأسه.

حيث أشارت الإحصائيات إلى حدود إصدار الكتاب أنه من أصل 1.5 مليون لاعب كرة قدم مسجل داخل إنجلترا نجح فقط 180 لاعبا من الوصول لمبتغاهم، واستطاعت نسبة أكبر بقليل في أن تصبح كرة القدم نفسها مصدر دخل ثابت لهم.

إذن، يبدو أن حلم اللعب في هذا المستوى يستوجب اجتهادا وتفانيا كبيرين، بالإضافة إلى موهبة حقيقية دون شك، لكن حتى وإن توافرت كل هذه العناصر بلاعب ما، فلن يستطيع العبور نحو حلمه إلا إذا كان محظوظا كفاية ليلتقطه النيزك أثناء مروره بإحدى شوارع لندن.

إدوارد العادي

لا تقلق، لن نبدأ في سرد حكاية إدواردو ميندي مع ركل كرات من الجوارب بأزقة داكار، ولن نوضّح لك كيف طاف ضواحي فرنسا كي يوّفر لأسرته ثمن وجبة العشاء نظرًا لضيق حالها، ببساطة لأن ذلك لم يحدُث، على عكس الصورة النمطية، وعلى الرغم من كون إدواردو نشأ لعائلة مهاجرة، إلا أنه لم يعان من أي ضائقة مادية رفقة أسرته التي سكنت ضاحية لو هافر الفرنسية.

على النقيض تماما؛ دفعت أسرة ميندي نجلها منذ سن صغير إلى تحقيق حلمه، حين أظهر تعلقا بكرة القدم، وتحديدًا مركز حراسة المرمى، عبر إدراجه بأكاديمية لو هافر منذ أن بلغ السابعة من عمره.

مع مرور الوقت؛ تعلَّم إدوارد الكثير من أساسيات مركزه، التي استقاها من مدربيه بذلك الوقت، وبعض مما أتيح له من مقاطع مصورة لمثله فابيان بارتيز، الذي حمل كأس العالم رفقة منتخب فرنسا عام 1998.

حين وصل إلى سن الـ19، لم يكُن ميندي الخيار المفضل لمدربيه بالفريق الأول، خاصةً مع تألق زميله زاتشاري بوشيه، الذي احتكر الزخم والدقائق الخاصة بمركز حارس المرمى بالفريق، الأمر الذي أعاق بدوره تطور إدوارد، ليُقصى إلى الفريق الثاني للأكاديمية، ثم يتم الاستغناء عنه تماما في 2011.

إدوارد ميندي

لم ينتظر إدوارد كثيرًا حتى قبل عرضا من نادي «تشيربورج» الفرنسي، الناشط بالدرجة الثالثة آنذاك، في محاولة منه لتدارك انهيار مسيرته الاحترافية التي لم تكن قد بدأت حتى ذلك الوقت من الأساس.

عبر ثلاث أعوام كاملة، وهي مدة عقده، لم يحصل السنغالي على ثقة مدربيه، بل أنه لم يحصل على دقائق مشاركة تعينه على تقديم أي شيء للفريق من الأساس، ليصطدم الشاب الذي لم يكن يمتلك حكاية مأساوية مع كرة القدم بأول صخرة كادت تحطم حياته، حين انتهى عقده مع الفريق المغمور ووجد نفسه بلا ناد يريد ضمه.

على حافة الانهيار

«بالنسبة للاعب كرة القدم أو أي إنسان، أن تصبح بلا وظيفة هو أمر أشبه بتلقي صفعةً على وجهك».

-إدوارد ميندي، حارس مرمى تشيلسي الإنجليزي.

حين انتهى عقد ميندي مع «تشيربورج» كان يمتلك عدد من العروض داخل فرنسا، لكنه أراد أن يحصُل على تلك القفزة بالخروج إلى بلد آخر، وهو ما وعده وكيل أعماله بتحقيقه، لكن للأسف لم يحدُث ذلك، لتغلق نافذة الانتقالات دون أن يرد الوكيل على اتصالات ميندي، ليجد صاحب الـ22 عاما نفسه بلا وظيفة.

حقيقة لم ينشغل إدوارد كثيرًا بشأن حلم اللعب بأحد أندية الصفوة بذلك الوقت تحديدًا، فقد كان هناك ما هو أهم بالنسبة لرجل يُحب عائلته، وهو التفكير في الأيام القادمة، فحتى وإن قرر العودة والعيش بشقة والديه بضاحية لو هافر مجددا، فكيف سيتمكن من توفير دخل مناسب خاصةً وأن صديقته كانت على وشك أن تلد له طفله الأول؟

كانت حياة الحارس الشاب على وشك أن تتحطم، لكن أسرته كانت قد تمسكت بتقاليدها، وحثته كي يواجه هذه الظروف، التي يجب وأن يتغلب عليها إن أراد أن يُصبح شيئا كبيرًا، وقتئذ، قرر الشاب أن يعود ليتدرب رفقة لو هافر مجددا لكن بشكل منفرد، دون مشاركات، دون مقابل، دون أي شيء باستثناء أن يظل جاهزا لاستقبال أي فرصة مهما كانت بعيدة المنال.

بنفس الوقت؛ وطوال عام كامل من التدريبات، كان قد بدأ يقتنع بأنه لن يتمكن للوصول إلى نقطة أبعد، وفضّل أن يظّل رجل العائلة التي هي كل حياته، حين ذهب إلى أحد مقرات التوظيف بلو هافر، مسقط رأسه باحثا عن أي عمل، من أجل مساعدة إخوته الخمسة، والدته، وصديقته المسؤولة منه، في 2015 تحديدًا، وصل ميندي إلى أعلى درجات يأسه، حيث باتت فكرة لعب كرة القدم الاحترافية وجني الأموال والحصول على مسيرة رائعة مجرد أحلام ذهبت أدراج الرياح بالنسبة له.

حين يأتيك النيزك

إدوارد ميندي

هل تتذكر النيزك الخاص بمايك كالفين؟ نعم، هذه الابتسامة النادرة التي يمنحها القدر لبعض المحظوظين، ربما كان النيزك هنا على هيئة مكالمة هاتفية أجراها تيد لافي، صديق ميندي بتشيربورج، لرجل يدعى دومينيك برناتوفيتش، والذي كان يشغل منصب مدرب حراس مرمى مارسيليا الفرنسي، سائلا إياه المساعدة في إيجاد فرصة لصديقه إدوارد.

ولأن الأقدار أحيانا تجتمع كي تتحقق المعجزات، كان نادي الجنوب الفرنسي يبحث بالفعل عن حارس شاب ليلعب ضمن صفوف الفريق كخيار ثالث أو رابع، ليحصل ميندي بذلك على فترة معايشة مع أحد أعرق أندية فرنسا، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من التوقف تماما عن ممارسة هذه اللعبة.

«من اللحظة الأولى شعُرت بأنه يمتلك الجودة، وكانت الخطوة التالية هي إلقائه وسط زمرة المحترفين»

- دومينيك بيرناتوفيتش، مدرب حراس مرمى مارسيليا.

كان إدوارد ميندي موهوبا بالفعل، بشكل جعل لاعبو فريق مارسيليا المتمرسين يستغربون عدم حصوله على عقد احتراف حتى ذلك الوقت، لكن الموهبة وحدها لم تكن ما أثار إعجاب عناصر النادي الجنوبي، حيث أظهر إدوارد أنه مستمع جيد، منضبط، وسريع البديهة.

إدوارد ميندي

يقول دومينيك عن إدوارد ملخصا هذه الفترة الحاسمة بحياة اللاعب.. «كان ميندي حريصا على الاستماع، وكانت أهم قراراتي هي التعاقد معه، كان بمثابة رهان، لأنه إذا فشل، كنت سأطرد من عملي، لأن مارسيليا مكان معقد للغاية، لكنني كنت متأكدًا من نجاحه».

خلال فترة تواجد ميندي مع مارسيليا حصل على ثقة أكبر في نفسه نظرا لاحتكاكه بلاعبين كبار، وطوّر من قدراته وخاصةً اللعب بقدميه، والأهم أنه قد حظي بعلاقة صداقة قوية مع معظم عناصر الفريق وخاصةً مدربه بيرناتوفيتش، الذي قام بتقديمه لأحد وكلاء اللاعبين، والذي أمّن له عقدًا مع فريق ريمس عام 2016، الذي ساعده على الصعود للدرجة الممتازة عام 2018، بعدما حافظ على نظافة شباكه خلال 19 مباراة.

ابتسمت الحياة أخيرًا لإدوارد، حيث حصل على استدعاء لتمثيل منتخب السنغال للمرة الأولى بنفس العام، قبل أن تنتشله أعين كشافة رين الفرنسي صيف 2019، ليلعب دورًا محوريا في تأهل الفريق لدوري أبطال أوروبا موسم 2020.

«إدوارد شخص متفاني في عمله، لديه شخصية قوية للغاية، صارم مع نفسه ومع زملائه، مكث معنا عام واحد، لكنني شعرت بأنه هنا منذ 10 سنوات».

-أوليفييه سورين، مدرب حراس مرمى رين.

المشهد الأخير وليس الأخير

إدوارد ميندي

كان كريستوف لوليتشون، مدرب حراس تشيلسي الإنجليزي يتابع تفاصيل رحلة ميندي منذ أن كان لاعبا لريمس عن بُعد، وكان يرى فيه حارسا لمرمى البلوز، لكنه فقط كان ينتظر اللحظة المناسبة للتوقيع معه.

في صيف 2020، كان النادي الإنجليزي على أتم استعداد لتحقيق حلم العُمر الخاص بميندي، فقد كان الفريق بحاجة لحارس ينافس الإسباني المتخبط كيبا أريزابالاجا على مركز حراسة حراسة المرمى، وتوجه النادي مباشرة لإدوارد بتوصية من أسطورة النادي وحارسه السابق بيتر تشيك، الذي يشغل منصب المستشار الفني للنادي، والمفارقة هي أن بيتر نفسه والذي يعد أحد أساطير النادي قد انتقل إلى العاصمة الإنجليزية قادمًا من رين الفرنسي عام 2004 أيضا، لكنها مجرد صدفة لا أكثر.

ثبّت ميندي أقدامه سريعا داخل ملعب ستامفورد بريدج، وحظي بثقة الجماهير كافةً، كما نال إعجاب الإنجليزي فرانك لامبارد، مدرب الفريق السابق، ومن بعده الألماني توماس توخيل.

في الـ29 من مايو عام 2021، ومع حلول منتصف الليل، أُعلن إدوارد ميندي بطلا لدوري أبطال أوروبا عقب تغلُّب نادي تشيلسي الإنجليزي على نظيره مانشيستر سيتي بهدف نظيف، ليسقط «إيدو» أرضا، منهمرًا في البكاء، بعد أن أصبح أول حارس مرمى إفريقي يتوج بلقب الأبطال.

ربما كانت أقصى طموحات ميندي قبل هذه اللحظة بست سنواتٍ هي أن يؤمن مصدر دخلٍ ثابتٍ له ولأسرته، أو أن يجيب وكيل أعماله على اتصالاته التي لم تتوقف لساعاتٍ، أو حتى أن يسمع كلمة «مقبول» كإجابة على عشرات الطلبات التي قدمها للالتحاق بأحد أندية فرنسا المغمورة، إلا أن القدر ربما خبأ له مصير أفضل من أن يتوقعه، نعم، إدوارد ميندي هو أحد هؤلاء الذين اصطدم بهم النيزك أثناء عودتهم للمنزل، لكنه لم يقتلهُم، بل أعادهم للحياة.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى