ابن حيان القرطبي.. الإمام المحدث صاحب تاريخ الأندلس

ابن حيان القرطبي، هو حيان بن خلف بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان أبو مروان القرطبي، صاحب تاريخ الأندلس، الإمام المحدث، المؤرخ النحوي، المولود سنة 777هجريًا- 987 ميلادي، بقرطبة عاصمة الخلافة الإسلامية بالأندلس وقتها، عاش في المجتمع الأندلسي، وتلقى تعليمه بدءا بقراءة القرآن الكريم والتفسير، فالحديث والفقه، ودرس اللغة، والنحو والصرف بعد ذلك، مما قوم لسانه، وزاد من توسعه واطلاعه.

نشأته وتعليمه

كان جده الأعلى حيان من مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، وقد توارثت العائلتان الصلة فيما بينهما جيلا بعد جيل، وكان متعصبًا لبني أمية، أما أبوه خلف بن حسين بن مروان، والمكنى بأبي القاسم، فقد كان ماهرًا في العلوم، وكان كاتبًا لشؤون المال لدى العامريين، ووزيرًا مقربًا لدى المنصور بن أبي عامر، وشارك معه في الكثير من الحملات ضد الممالك النصرانية في الشمال، كان لوالده الأثر الكبير في خلق التوجهات التاريخية لابن حيان، وكان يعد بالنسبة له مصدرًا هامًا في توثيق معلومات تلك الفترة.

وكان ابن حيان متعصبا للمذهب المالكي، شديدًا على مخالفيه، ينعتهم بأقبح الأوصاف، فتجده يقول في النكوريين «الفاسقين»، وقد اشتغل ابن حيان في شبابه بالسياسة، فشغل منصب ديوان الشرطة، ثم تولى مسؤول إملاء الذكر في ديوان بني جهور، مما سمح له بالوقوف على ما لم يقف عليه غيره من الأخبار، بالاستناد على الوثائق والأسرار التي أرخها في مآثر العامرية، والباطشة الكبرى، واستيلاء المعتمد بن عباد المتوفى سنة (431هـ/1095م) على قرطبة.

أما بالنسبة لتوجهه الديني فقد كان معلومًا عنه أنه سني العقيدة مالكي المذهب.

ابن حيان وإسهاماته في علم التاريخ

لقد كان لنشأة ابن حيان في قرطبة عاصمة الأندلس آنذاك دور هام في سعة اطلاعه، فقد اشتهرت الأندلس وقتها بالتقدم في العلوم المختلفة من الأدب، والفن، والفلك، والرياضة، والطب، والكيمياء، حتى أصبحت قرطبة في حد ذاتها قلعة العلم والعلماء، وقد اشتهرت أسرة ابن حيان بالعلم، وتتلمذ ابن حيان على يد مجموعة عظيمة من الفقهاء والمحدثين حتى قال فيه تلميذه المحدث أبو علي الغساني الحسين بن محمد: «كان عالي السن، قوي المعرفة، مستبحرا في الأدب، بارعًا فيها، صاحب لواء التاريخ في الأندلس، أفصح الناس فيه، وأحسنهم نظما له».

ووصفه ابن خلدون في مقدمته فقال: «قيد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره» أما بالنسبة لمشايخه فإن مسيرة ابن حيان العلمية حافلة بنخبة من الفقهاء والمحدثين، وحتى الأدباء والنحويين، فقد تتلمذ على يد الفقيه المحدث «عصر بن حسن أبي حفص»، والذي أخذ عنه علم الحديث وما يتطلبه من علوم كعلم الجرح والتعديل، ومعرفة طبقات المحدثين، كما أخذ في اللغة والأدب على العالم اللغوي، والأديب أبي علاء البغدادي، الذي سمع منه كتاب النصوص سنة 399، وكان له أثر بالغ في تعزيز أسلوبه الأدبي، وصياغة كتبه التاريخية بلغة أدبية راقية، كما تتلمذ على يد أبي يزيد المصري.

لقد كان لثقافة ابن حيان واطلاعه الواسع على ما مرت به الأندلس من أحداث ووقائع منذ أول الفتح سنة (91هـ/711م) وحتى عصر ملوك الطوائف دور هام فيما تناوله في مؤلفاته التاريخية، فقد عالج قضايا متعددة، حتى أجمع معظم الذين ترجموا له على أنه إمام المؤرخين في الأندلس وحامل رايتهم، فقد خلف من بعده آثارا تفوق الخمسين مؤلفا أو ما يقاربها، إلا أن معظمها فُقد، ولم يتبق منها إلا ما يعرف بالتاريخ الكبير لابن حيان، أولها «المقتبس في تاريخ الأندلس» وهو أشهرها، وكتاب «المتين»، وكتاب «البطشة الكبرى»، وكتاب «أخبار الدولة العامرية»، وكتاب «في تراجم الصحابة»، وكتاب «تاريخ فقهاء قرطبة».

وإن الذي يتتبع كتب ابن حيان بالتفهم والدراسة ليجدها تقتصر في تدوين أخبارها على تاريخ الأندلس أو الدولتين المغرب والأندلس لا غير، فلم يعلم أنه دون تاريخ أي دولة من دول العالم.

مؤلفات ابن حيان القرطبي

كتاب المقتبس

ابن حيان القرطبي
ابن حيان القرطبي

يعتبر من أعظم الكتب التي أرخت لتاريخ الأندلس منذ الفتح الأول سنة (91هـ/711م) إلى غاية نهاية الخلافة الحكم المستنصر سنة (966هـ/976م)، اعتمد فيه على الجمع بين الرواية والدراية، وأخذه من المدونات التاريخية السابقة، وعنوانه خير دليل على ذلك.

وأكد علماء التاريخ أنه يؤرخ فيه لزمن الفتنة العامرية (339هـ/1008م)، واعتبروا كتابه (الدولة العامرية) موصولًا به، وكتاب المقتبس تاريخ قائم على ذكر ترتيب تسلسلي بأعوام الحكم، ابتداء من أول ولاتهم إلى آخرهم وهو يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ثم ملوك الإمارة الأموية، ابتدأ بعبد الرحمن الداخل إلى عبد الرحمن الناصر إلى الحكم المستنصر.

وقد ضاعت أغلب أجزاء الكتاب العشرة، ولم يصل إلا جزأين الجزء الأول: يضم التأريخ للحوادث التي جرت في إمارة الحكم بن هاشم (180هـ-206هـ/796م-822م) و25 سنة من إمارة ابنه عبد الرحمن الأوسط (206هـ-232هـ/822م-847م)، وتضم 60 لوحة تصف الأحداث وقتها.

الجزء الثاني: ويضم التأريخ للحوادث التي جرت خلال السنوات الأخيرة من إمارة عبد الرحمن الأوسط (232هـ-238هـ/846م-852م)، ومعظم إمارة محمد بن عبد الرحمن (238هـ-273هـ/852م-886م)، ، وتضم 95 لوحة.

 

كتاب المتين

كذلك من أعظم الكتب التي أرخت لتاريخ الأندلس، يبدأ تاريخه منذ بداية أحداث الفتنة البربرية التي اندلعت في الأندلس سنة (399هـ/1008م) وينتهي تأريخه تقريبا قبل وفاة ابن حيان بسنوات نحو سنة (463هـ/1071م)، أي أنه كتاب يؤرخ في مجمله للفترة التي تسمى لدى المؤرخين «بعصر ملوك الطوائف»، اعتمد في تدوين تأريخه هذا على الوثائق والمكتبات وما شاهده عيانا، وتألف هذا الكتاب من ستين مجلدًا، ولم يصل من الستين إلا ما نجده عددا متفرقا بين عدة كتب منها:

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنشريني، وكتاب الصلة لابن شكوال، وترتيب المدارك للقاضي بن عياض.

 

كتاب أخبار الدولة العامرية المنسوخة بالفتنة البربرية

لا يقل كتاب الدولة العامرية شأنا عن باقي كتب ابن حيان، فقد خصه بتأريخ لفترة حكم المنصور بن أبي عامر الشهير بالحاجب المنصور، أي الفترة المنحصرة بين ولاية هاشم المؤيد للخلافة سنة (366هـ/976م)، وثورة محمد بن هشام الفهري على العامريين سنة (399هـ/1008م)، ويتكون هذا المؤلف من مئة مجلد كما ذكر ذلك ابن الخطيب.

 

كتاب البطشة الكبرى

يتضمن تفاصيل قيام دولة بني جهور في قرطبة وسقوطها، وغدر المعتمد بن عباد واستيلائه على قرطبة، ونفيه لهم سنة (462هـ/1070م) حين استنجدوا به لإنقاذهم من غزو المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة.

 

منهجية الكتابة التاريخية عند ابن حيان القرطبي

كان يستهل ابن حيان أخبار كل سنة بأهم الأحداث التي جرت خلالها، غزوات وحروب وأخبار الخارجين على الإمارة، وما حدث فيها من تغييرات في الوظائف سواء بالولاية أو العزل.

أما بالنسبة للمنهج الموضوعي، فتجد ذلك واضحا في كتابيه المقتبس والمتين، ففي المقتبس يقسم كتابه إلى عدد من الموضوعات، كل منها مرتبط بعصر الأمير الذي يتحدث عنه، حيث يتخذ من عصور الأمراء أساسًا للتقسيم، فيبدأ بعرض الأحداث المحيطة بتولي لعصر الأمراء، ثم يعرض لبعض الأعمال المعمارية في عهدهم، ثم يذكر نوابهم على كافة الوظائف التابعة للدولة.

اتسم أسلوب ابن حيان بالسهولة، والوضوح، والتعبير الدقيق عن الحقائق، وقوة التدليل، وامتاز بترابط الفكرة، وتغير المفردات والتراكيب العربية السليمة، وتخلص من قيود السجع ومحسنات البديع المتكلفة، وتدلنا كتاباته التاريخية على أدبه الرفيع وأنه صاحب أسلوب سلس، ومعبر سهل وبعيد عن التكلف اللفظي

كان ابن حيان في تفسيره للأحداث التاريخية كثيرا ما يعول على العقل والمنطق معتمدا عليهما أشد الاعتماد.

مصدر المصدر1 مصدر2 مصدر3
DMCA.com Protection Status