الأمراض النفسية

اضطراب الشخصية الاعتمادية.. وكيفية تحرير الكبار من عقلية الصغار

تتنوع اضطرابات الشخصية متعددة الأعراض ومختلفة العلاجات، فيما يبدو اضطراب الشخصية الاعتمادية أحد أكثرها انتشارًا، بسمات تجمع بين الرغبة في الاعتماد على الآخرين وإرضائهم في نفس الوقت، ليصبح المصاب أشبه بطفل صغير يعيش في جسد شخص بالغ. 

اضطراب الشخصية الاعتمادية

يصنف اضطراب الشخصية الاعتمادية كأحد أبرز اضطرابات القلق الشخصية، والذي لا يفرق بين رجال ونساء حين يصيب أحدهم، فيما تظهر أعراضه المزعجة مع بداية مرحلة البلوغ والنضوج، أو ربما مع دخول الإنسان في مرحلة تكوين العلاقات الأكثر عمقًا.

يعاني المصاب باضطراب الشخصية الاعتمادية من عدم القدرة على البقاء في عزلة، ولو لبعض الدقائق، حيث تتملكه حينها مشاعر القلق والتوتر، في ظل حاجته الدائمة لوجود شخص أو أكثر من أجل منحه الدعم والنصيحة وربما الراحة والاطمئنان.

يرى خبراء علم النفس أنه على الرغم من افتقاد الكثير من البشر ومن مختلف الشخصيات للأمان النفسي والعاطفي، فإن الشخص الذي يعاني من اضطراب الشخصية الاعتمادية؛ تحديدًا يختلف عن غيره، باعتباره لا يجد أي وسيلة للشعور بهذا الأمان بخلاف سماع كلمات التأكيد والدعم ممن حوله.

أعراض اضطراب الشخصية الاعتمادية

اضطراب الشخصية الاعتمادية
أعراض اضطراب الشخصية الاعتمادية

تكشف السطور السابقة عن جانب خطير من أعراض اضطراب الشخصية الاعتمادية، لكنه ليس الجانب الوحيد دون شك كما تكشف العلامات التالية:

الميل للخضوع

يمكن وصف الشخصية الاعتمادية بأنها أكثر الأشخاص ميلًا للخضوع لأفكار وقرارات الآخرين، إذ تبدو كأنها لا تجد أزمة في سماع وتنفيذ وجهات نظر الآخرين، بل وتحرص من الأساس على أن تكون كل خطواتها محددة مسبقًا من جانب الأهل والأصدقاء.

القلق عند الوحدة

إن كان الاعتماد على الآخرين هو السلوك المحبب للشخصية الاعتمادية، فإن الوحدة تعتبر هي العدو الأبرز لمن يعاني من هذا الاضطراب، حيث يفتقد حينها الشخص الذي يتخذ القرارات بدلًا منه ويحيطه بكلمات الدعم والتأكيد على أنه يسير في الطريق الصحيح، ليعاني كثيرًا على الصعيد النفسي.

الألم عند النقد

ليست الوحدة فقط ما يسبب الألم النفسي لكل من يعاني من اضطراب الشخصية الاعتمادية، بل يؤدي سماع كلمات النقد إلى إصابة الشخص الاعتمادي بالقلق الناتج عن الغضب والمؤدي للمزيد منه، والسر في اهتمام صاحب هذا الاضطراب وبشكل مرضي بآراء الآخرين عنه، علاوة على عدم تمتعه بالثقة في النفس بالشكل الكافي لاستقبال الانتقادات بصدر رحب.

ضعف الثقة بالنفس

تقودنا النقطة السابقة إلى أحد أبرز أسباب معاناة البعض من اضطراب الشخصية الاعتمادية، حيث يتلخص في ضعف الثقة بالنفس، وهو أمر سلبي يبقى مدعومًا بمشاعر العجز التي تصاحب تلك الشخصية حينما تبقى في معزلٍ عن الآخرين، وعدم قدرتها حينها على اتخذ أبسط القرارات.

هاجس الرفض

لا يوجد شك في أن المعاناة من اضطراب الشخصية الاعتمادية تدفع المصاب إلى الوقوع تحت سيطرة هاجس التعرض للرفض، إذ يبدو أحيانًا وكأن شغله الشاغل يدور حول كيفية إرضاء الأشخاص المقربين أو غير المقربين حتى، لكي يتجنب احتمالية الرفض من أحدهم.

التشاؤم

مع سيطرة هاجس الرفض على عقلية الشخص الذي يعاني من اضطراب الشخصية الاعتمادية، فإنه يبقى متشائمًا بشدة تجاه مستقبله الغامض الذي يشهد عاجلًا أم آجلًا التعرض للرفض، الأمر الطبيعي الذي قد يتعرض له الجميع لكنه يؤثر سلبًا وبشدة على طريقة تفكير تلك الشخصية غير الواثقة.

السلبية الشديدة

ليس المقصود هنا التشاؤم والميل للأفكار السلبية كما كشفت النقطة السابقة، بل التعامل بسلبية تامة مع مواقف الحياة التي يتعرض لها، حيث يرى حينها أن عدم القيام بأي رد فعل عند المرور بأي اختبار حياتي، يضمن له فرصة تلقي الدعم والمساعدة من الأشخاص المقربين منه، وهو الهدف الأسمى لتلك الشخصية.

أسباب تكوين الشخصية الاعتمادية

اضطراب الشخصية الاعتمادية
أسباب تكوين الشخصية الاعتمادية

يعتبر اكتشاف السبب المؤكد وراء معاناة شخص ما من اضطراب الشخصية الاعتمادية، من الأمور المعقدة على أعتى الخبراء، إلا أن هناك بعض العوامل المجتمعة التي قد تساهم في هذه الأزمة، مثل:

  • المرور بتجارب عدة يتعرض فيها الشخص للإهمال، وخاصة في سنوات العمر المبكرة.
  • التعرض للإيذاء بشكل مباشر وسواء كان يتم بصورة نفسية أو جسدية، من جانب الأب أو الأم.
  • الانغماس لفترات طويلة في علاقة عاطفية أو زوجية أو إنسانية بشكل عام مؤذية نفسيًا.
  • التنشئة على يد أبوين يحرصان على حماية الأبناء بصورة مبالغة.
  • الخضوع لسلوكيات تربوية يتمتع فيها الأبوين بالسلطة الكاملة التي لا تحتمل النقاش.
  • معاناة الأسرة من تاريخ طبي طويل مع اضطرابات القلق.

ربما يبدو من الصعب التحكم في أسباب المعاناة من هذا الاضطراب، لكن المرور بصاحب الأزمة إلى بر الأمان لا يعتبر مستحيلًا، عند معرفة كيفية علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية بصورة علمية.

كيفية علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية

اضطراب الشخصية الاعتمادية
كيفية علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية

يحتاج الطبيب في البداية إلى التأكد من أن الأعراض المرضية ليس لها علاقة بأزمة عضوية، قبل أن يسعى إلى تخفيف وطأة تلك الأعراض وبالتالي علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية ولو بشكل جزئي، عبر طريقين لا ثالث لهما.

علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية بالجلسات

يخضع الشخص في تلك الحالة إلى مجموعة من جلسات العلاج بالتحليل النفسي، حيث يرى من خلالها الصورة الكاملة لأزمته النفسية، قبل أن يتعلم بمرور الوقت كيفية بناء العلاقات الصحية مع البشر الآخرين، في ظل تدعيم ثقته بنفسه أيضًا، وبالاعتماد على بعض من جلسات العلاج المعرفي السلوكي.

يهدف الطبيب النفسي كذلك أثناء علاج الشخصية الاعتمادية، إلى زيادة استقلاليتها والسيطرة على نمط حياتها الاعتمادي، لذا يبدو تحديد مدة قصيرة بأهداف واضحة من أجل علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية مطلوبًا، حتى لا يجد الطبيب مريضه قد تخلص من اعتماده على الآخرين ليركز أعراض مرضه الممثلة في الاعتماد، على المعالج نفسه.

كيفية علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية بالأدوية

على الرغم من أن الأدوية العلاجية تبدو واحدة من الخيارات الأولية، التي يلجأ إليه الأطباء عند علاج الاضطرابات والأمراض النفسية، فإن العكس يصبح هو الصحيح عند محاولة علاج اضطرابات الشخصية وبخاصةً اضطراب الشخصية الاعتمادية، في ظل عدم وجود علاج دوائي مخصص لتلك النوعية من الأزمات.

من الوارد أن يلجأ الطبيب النفسي إلى العلاجات الدوائية، حينما يعاني المريض من الاكتئاب علاوة على اضطرابه الأساسي، أو عندما يصبح غير قادر تمامًا على تحمل القلق الناجم عن شخصيته الاعتمادية، والذي يؤدي به إلى المرور بنوبات الهلع المخيفة.

يضع الأطباء في الاعتبار دومًا أن الحصول على الأدوية المضادة للاكتئاب قد تصبح من عادات الشخصية الاعتمادية، لذا فهو يبقى حريصًا على عدم وصفها للمريض لفترات طويلة، وبنفس درجة حرصه على علاجه في أسرع وقت.

كيفية علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية عبر الأشخاص المقربين

اضطراب الشخصية الاعتمادية
كيفية علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية

من الوارد أن يساهم أفراد الأسرة والأصدقاء والأشخاص المقربون من الشخصية الاعتمادية في علاجها بدرجة أو بأخرى، حيث يبدأ طريق الشفاء مع النجاح في دفع المريض لزيارة الطبيب النفسي، وخاصة وأنه يجد تلك الخطوة شديدة التعقيد، تخوفًا من فقدان حبيب أو استحالة الحصول على القبول من الأشخاص المحيطين.

كذلك تصبح فرص علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية مرتفعة للغاية، حينما يساهم الأشخاص المقربون من المريض في تحفيزه على اتخاذ القرارات بنفسه، مع تعويده على القيام بالمهام المنزلية، في ظل الحرص على ترك المهام والقرارات له، وعدم مساعدته إلا بحدود يكشف عنها الطبيب المعالج.

بينما تعد الوقاية خير من العلاج، فإن تجنب الإصابة باضطراب الشخصية الاعتمادية يبقى ممكنًا ولو بنسبة بسيطة، إن حرص الأبوان ومنذ نعومة أظافر الطفل على منحه مساحة من الحرية لاتخاذ القرارات، مثل تحديد بعض الوجبات التي يرغب في تناولها واختيار نوعية الملابس التي يحب أن يرتديها وربما الأفلام التي يمكن للأسرة مشاهدتها في نهاية الأسبوع.

مضاعفات اضطراب الشخصية الاعتمادية

يعد السير على خطوات علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية مطلوبًا دون شك، ليس فقط من أجل تحسين جودة حياة المريض، بل كذلك لحمايته من خطر الإصابة بمضاعفات مزعجة تالية:

المعاناة من اضطرابات القلق

يمهد اضطراب الشخصية الاعتمادية الطريق للكثير من الاضطرابات النفسية الأخرى، حيث تسهل حينها إصابة المريض باضطراب الشخصية الوسواسية واضطراب الهلع، علاوة على اضطراب شخصية آخر لا يقل خطورة عن سابقيه ويعرف باسم اضطراب الشخصية التجنبية.

الإصابة بالاكتئاب

لا تعد فرص الإصابة بالاكتئاب كذلك قليلة، عند الفشل في علاج الشخصية الاعتمادية على يد طبيب مختص، حيث يعجز المريض دون شك في إرضاء الجميع بل ويصبح كالعبء الثقيل على المحيطين به، ليعاني حينها من العزلة التي تشكل نهاية العالم بالنسبة إليه، إلى جانب إصابته بالرهاب مختلف الأنواع.

الإدمان

قد يجد المريض راحته النفسية في الحصول على الممنوعات وعلى رأسها المواد المخدرة، إلا أن تلك الوسيلة تعتبر من وسائل الراحة المؤقتة وقصيرة الأجل، ولم لا وهي تضع المريض بسهولة شديدة خلف أسوار الإدمان، الذي يمثل بداية النهاية لمريض لم يسع للعلاج قبل تفاقم الأزمة.

في كل الأحوال، تبقى سرعة العلاج هي الضامن الوحيد من أجل منع تدهور حالة اضطراب الشخصية الاعتمادية، حينها تتحسن الأمور تدريجيًا، ليزيح المريض من على كاهله هاجس الخوف من الوحدة، ومن على كاهل الأشخاص المحيطين به حمل الاعتماد عليهم، ويتحرر أخيرًا من عقلية الطفل التي سكنت جسده البالغ لسنوات.

الكاتب
  • اضطراب الشخصية الاعتمادية.. وكيفية تحرير الكبار من عقلية الصغار

    محرر صحفي في موقع قل ودل، أبلغ من العمر 33 عاما. أكتب في مجالات متنوعة مثل الصحة والثقافة والرياضة والاقتصاد والفن، سبق لي العمل في موقع أموال ناس وموقع الجريدة. أحب الموسيقى والسينما وأتابع كرة القدم بشعف، إضافة إلى حب الكتابة منذ الصغر. 

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications