الأمراض النفسية

اضطراب القلق.. وكيف نفرق بين التوتر العادي والمرضي قبل العلاج؟

يعاني الكثيرون من التوتر في المواقف الصعبة أحيانًا، وفي في ظروف لا تستحق في أحيان أخرى نادرة، إلا أن الوضع يختلف بالنظر إلى اضطراب القلق، الذي يجعل المصاب به ضحية لمشاعر التوتر والقلق أغلب فترات اليوم إن لم تكن جميعها، فما هي تفاصيل تلك الأزمة النفسية المزعجة؟

اضطراب القلق

يعرف اضطراب القلق بأنه أحد أشكال الأمراض النفسية والعقلية، حيث يعاني خلاله المريض من مشاعر مبالغة لا يمكن وصفها إلا بالسلبية، فيما تؤدي إلى إحساسه بالخوف تجاه كل الأمور المحيطة به، سواء كانت أحداثا يمر بها بالفعل أو كانت مستقبلية محاطة بغموض يبدو مزعجًا له.

يفرق الخبراء بين اضطراب القلق وبين القلق العادي، فبينما يعبر الأول عن حالة مرضية كما أوضحنا، تستحق الانتباه والعلاج دون تأجيل، فإن القلق نفسه وبالنسب الطبيعية لا يزيد عن كونه رد فعل تلقائيا يقوم به العقل من أجل التعامل مع التوتر من ناحية ولتنبيه صاحبه في أوقات الخطر من الناحية الأخرى.

يوضح خبراء علم النفس الأمر بالإشارة إلى أن مشاعر القلق التي تسيطر على الإنسان عند مواجهة أزمة ما في العمل أو قبيل دخول امتحان دراسي أو أثناء اتخاذ قرار مصيري تعد مقبولة تمامًا، فيما تظهر المشكلة الحقيقية عند المعاناة من اضطراب القلق، والذي يدفع صاحبه لتجنب الذهاب للعمل أو الجامعة أو حتى الالتقاء بالأصدقاء خوفًا من تزايد حدة الأزمة، ليكشف ذلك بوضوح عن الفرق بين القلق الطبيعي والقلق المرضي.

أنواع اضطرابات القلق

اضطراب القلق
أنواع اضطرابات القلق

ربما يمكن اعتبار اضطراب القلق المعنى الأكثر شمولًا لأزمة التوتر الدائم والمؤثر بالسلب على حياة المريض، إلا أن اضطرابات القلق تبدو متنوعة، لذا نكشف عن أبرزها في السطور التالية:

اضطراب القلق العام

هو اضطراب القلق في أكثر حالاته سوءا، نظرًا لأن الأعراض المصاحبة له دائمًا ما تظهر على المريض بصورة مفرطة، فيما تكتمل أركان الأزمة حينما يعجز الجميع عن العثور على أسباب حقيقية وراء هذا القلق المعمم.

نوبات الهلع

يشعر المريض خلال نوبات الهلع التي تشكل أحد اضطرابات القلق، بالخوف المفاجئ والشديد الذي يأتي معه ببعض الأعراض غير المرغوبة، مثل التعرق الشديد والتألم في الصدر، علاوة على سرعة نبضات القلق، بل ومن الوارد أن يعاني ضحية تلك النوبات بالإحساس المرعب بأنه يتعرض للاختناق أو أنه يمر بأزمة قلبية حادة.

الرهاب الاجتماعي

يعبر مصطلح الرهاب الاجتماعي عن أحد أشهر اضطرابات القلق التي يفشل ضحاياها في التعامل بصفة يومية مع البشر الآخرين، والسر في إحساسهم الدائم بالخوف والتشكك في النفس عند مواجهة المواقف الاجتماعية التقليدية، ما ينتج في العادة عن التخوف من أحكام الآخرين أو من القلق المبالغ من التعرض للسخرية أو الإهانة.

رهاب الخلاء

يمكن اعتبار رهاب الخلاء تحديدًا من ضمن اضطرابات القلق، حيث يضع ضحيته في مأزق حياتي متجدد، كونه يخشى التواجد في أي من الأماكن التي يشعر خلالها بأنه لن يجد المساعدة بأي شكل من الأشكال إن حدثت أزمة مفاجئة، لذا يسعى لتجنب ركوب الطائرات أو حتى المواصلات العامة، بل ومن الوارد أن يبدأ اضطراب القلق في السيطرة عليه لمجرد التزامه بالوقوف في صف طويل وسط حشد من البشر.

القلق من الانفصال

بينما ترتبط مشاعر الخوف والقلق من الانفصال المؤقت عن المحبين بالأطفال الصغار، فإن ملامح تلك الأزمة قد تصيب البالغين أيضًا ولكن بصورة مرضية، لتظهر في صورة اضطراب قلق الانفصال، الذي يجبر ضحيته على الشعور بالتوتر الشديد لمجرد تغيب شخص مقرب عن ناظريه، فيما تسيطر عليه مخاوف تعرض هذا الشخص للخطر آنذاك.

الخرس الانتقائي

يشكل اضطراب القلق من هذا النوع حالة خاصة لدى ضحيته، والذي غالبًا ما يكون في مرحلة الطفولة، حيث يمكنه التحدث بحرية وبصورة عادية تمامًا فقط أثناء وجوده وسط أفراد أسرته، فيما يبدو على العكس من ذلك غير قادر على التكلم خلف أسوار المدرسة، في اضطراب نفسي يعرف أيضًا باسم التباكم أو الصمت الانتقائي.

أشكال الرهاب المختلفة

يمكن وضع أشكال الرهاب المختلفة أسفل قائمة اضطرابات القلق، حيث يؤدي رهاب الأماكن المرتفعة والتي تبدو آمنة للجميع أو الخوف المرضي من حيوانات معينة رغم أنها لا تسبب أي أذى للبشر، إلى شعور ضحية الرهاب بالعجز في مواقف متنوعة ليلجأ إلى الهروب منها وعدم مواجهتها من الأساس.

أعراض اضطراب القلق

اضطراب القلق
أعراض اضطراب القلق

إن كانت اضطرابات القلق متنوعة الأشكال ومختلفة الأسماء والمصطلحات الطبية، فإن أعراض اضطراب القلق تبدو عامة في أغلب الأحيان، لتتمثل في:

  • الخوف الشديد المصاحب للتوتر المبالغ.
  • صعوبة التركيز أو الحفاظ على الثبات الانفعالي.
  • احتمالية العجز عن التنفس بصورة طبيعية.
  • المعاناة من صعوبات ملحوظة في النوم.
  • زيادة حدة الشعور بالخطر إلى درجة الهلع.
  • التعرق الزائد وربما برودة الأطراف والإحساس بالتنميل.
  • سرعة خفقان القلب وجفاف الفم.
  • الإصابة بالدوخة وربما الغثيان وتوتر العضلات.
  • التفكير المتكرر والمرضي في مشكلات حدثت دون القدرة على التحكم في العقل.
  • إمكانية تجنب الذهاب لبعض الأماكن أو مواجهة بعض الأشخاص خوفًا من ردود الفعل.

أسباب اضطراب القلق

اضطراب القلق
أسباب اضطراب القلق

لم يتوصل الخبراء بشكل مؤكد إلى أسباب معاناة شخص ما من اضطراب القلق، إلا أن هناك بعض العوامل التي قد تؤدي للإصابة بالقلق المرضي أو لزيادة فرص سيطرته على النفس، مثل:

العوامل الوراثية

يشير العلماء إلى أن الكثير من الأزمات النفسية وفي مقدمتها اضطراب القلق، قد تنتقل من جيل إلى الذي يليه داخل العائلات الواحدة، ليؤكد ذلك تدخل العوامل الوراثية في زيادة فرص المعاناة من القلق بصورته المرضية.

كيمياء المخ

إن كانت كيمياء المخ تبدو مسؤولة عن المشكلات النفسية التي يمر بها الإنسان بدرجة أو بأخرى، فإنها تبقى من ضمن عوامل المعاناة من اضطراب القلق، والسر في خلل يحدث حينها بالمخ، لتبدو السيطرة على مشاعر الخوف والتوتر من المستحيلات.

العوامل البيئية

يشمل ذلك كل التجارب السلبية التي مر بها الإنسان على مدار حياته، حيث يرتبط اضطراب القلق في كثير من الأحيان بأزمات الطفولة الحادة مثل التعرض للتجاهل أو الإيذاء النفسي بشكل عام أو الجسدي، كما يرتبط بحالات الوفاة للأشخاص المقربين أو حتى مجرد مشاهدة أعمال عنف سواء تعرض الشخص خلالها للأذى بشكل مباشر أو لا.

تعاطي الممنوعات

من الوارد أن تظهر ملامح اضطراب القلق جراء الوقوع تحت سيطرة عادة سيئة بدت مسلية من قبل، مثل تعاطي المواد المخدرة أو حتى شرب الكحوليات، لتصبح السيطرة على مشاعر التوتر من المهام المعقدة عند تجنب تلك العادات لوهلة.

بعض الأمراض العضوية

تؤدي بعض مشكلات القلب والرئة وكذلك الغدد إلى اختبار أعراض اضطراب القلق، أو ربما تتسبب في زيادة حدة تلك الأعراض أيضًا، ليبدو الأطباء وحدهم هم الأقدر على التفرقة بين أعراض كل أزمة والأخرى.

تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض العوامل الأخرى التي تزيد من فرص المعاناة من اضطراب القلق، مثل الإصابة بأمراض نفسية كالاكتئاب أو معاناة شخص مقرب من أزمة صحية مزمنة أو ربما نتيجة عوامل تبدو عادية على عكس الاعتقاد، مثل المعاناة من الخجل الزائد في الصغر أو عدم الثقة بالنفس في المراحل التالية.

تشخيص اضطراب القلق

يعتمد الأطباء عند تشخيص اضطراب القلق لدى مريض، على ملاحظة الأعراض التي يمر بها وعلى الاستفسار منه عن تاريخه الطبي، إذ لا توجد حتى الآن أي تحاليل يمكنها إثبات معاناة شخص ما من القلق المرضي من عدمها، فقط يمكن اللجوء إلى التحاليل في تلك الحالة من أجل التأكد من عدم إصابته بأي أزمة صحية أخرى هي سر ظهور أعراض القلق لديه.

يضطر الطبيب العام عند عدم ملاحظة أي أسباب عضوية وراء ظهور أعراض اضطراب القلق لدى المريض، إلى توجيهه للطبيب المختص، والذي عادة ما يكون طبيبا نفسيا، ليبدأ في استكشاف أعراض المريض من زاوية عقلية ونفسية، وبالاعتماد على إجابات ضحية الاضطراب نفسه.

يحتاج المريض في تلك الخطوة إلى الكشف عن الفترات الزمنية التي عانى خلالها من أعراض اضطراب القلق، كما يجب عليه إيضاح درجة حدة تلك الأعراض، قبل أن يكشف في كل الأحوال عن مدى تعارض أزمته مع قدرته على ممارسة أنشطة الحياة الروتينية، سواء داخل المنزل أو خارجه في مقر العمل أو الدراسة.

علاج اضطراب القلق

اضطراب القلق
علاج اضطراب القلق

يحتاج مرضى اضطرابات القلق في كثير من الأحيان، إلى اتباع طرق مختلفة لعلاج الأزمة لديهم، فما بين الحصول على بعض الأدوية العلاجية والخضوع لبعض الجلسات النفسية، ترتفع فرص علاج اضطراب القلق كما نوضح في السطور التالية:

العلاج الدوائي

تأتي أدوية العلاج النفسي لتكون من وسائل شفاء المرضى من القلق النفسي في بعض الأوقات، ولكن فقط عندما توصف تلك العلاجات بواسطة الأطباء المتخصصين، القادرين وحدهم على تحديدها بناء على الإيجابيات والسلبيات المرتبطة بالحصول عليها.

تتنوع أدوية علاج اضطراب القلق في كل الأحوال، ما بين مضادات الاكتئاب مثل البروزاك والبوبروبيون وأدوية فئة البنزوديازيبين المعروفة بمقاومة نوبات الهلع بنجاح، إضافة لأدوية حاصرات مستقبل بيتا التي تقلل من المشكلات العضوية المرتبطة بالقلق كسرعة نبضات القلب، وكذلك مضادات الذهان التي تقلل النسب البسيطة منها بعض أعراض الأزمة.

العلاج النفسي

هو العلاج المعتمد في الأساس على التحدث مع الطبيب النفسي، بشأن كيفية السيطرة على أعراض القلق المرضي، ما يحدث حينما ينجح المريض في فهم دور المشاعر في التأثير على السلوكيات، ليبدو أقرب إلى العلاج بدعم ومساندة الطبيب النفسي القادر على تحديد العلاج بعد الاستماع لأفكار ضحية اضطراب القلق لانتقاء المناسب لحالته.

تتعدد جلسات العلاج النفسي القادرة على تخفيف حدة اضطراب القلق، إلا أن جلسات العلاج المعرفي السلوكي تبدو هي الأكثر شهرة، كونها توفر للمريض فرصة تحويل الأفكار والسلوكيات السلبية والمحفزة للأزمة، إلى أخرى أكثر إيجابية يمكن التحكم فيها بل والاستفادة منها بمرور الوقت، لتصبح السيطرة على المواقف المقلقة أكثر سهولة، ويبدأ المريض في تحويل القلق المرضي لديه إلى وسيلة تحفيز من أجل التطور في الحياة وتجنب كل عوامل التوتر.

نصائح لمريض اضطراب القلق

اضطراب القلق
نصائح لمريض اضطراب القلق

يحتاج ضحية اضطرابات القلق بشكل عام إلى السير على الطرق العلمية التي يحددها الطبيب، لكنه يبقى أيضًا بحاجة إلى مساعدة نفسه بنفسه من أجل السيطرة أو التقليل من أعراض أزمته، ذلك عبر الخطوات التالية:

معرفة تفاصيل المرض

كلما أدرك المريض خبايا اضطراب القلق الذي يعاني منه، زادت فرصته في التحكم في مشكلته النفسية، ما يحدث عبر طرح كل الأسئلة التي تدور في الذهن على الطبيب المعالج، وكذلك من خلال الاطلاع على الطرق العلمية والموثوق فيها لعلاج قلقه، والمتاحة عبر الكتب أو المواقع الإلكترونية الطبية المختصة.

الالتزام بالعلاج

لا يوجد ما هو أسوأ لمريض اضطراب القلق من التوقف المفاجئ عن تناول الأدوية العلاجية ودون استشارة الطبيب، حيث يمكن لأعراض المرض أن تصبح أكثر حدة إن تم الاستغناء عن العلاجات الموصوفة في الوقت غير المناسب، أو بصورة غير تدريجية مثلما يحذر الأطباء دومًا، لذا ينصح بالسير على الخطوات العلاجية سواء كانت دوائية أو تمثلت في جلسات نفسية دون تهاون.

تجنب الكافيين والممنوعات

تؤدي مشروبات وأطعمة الكافيين مثل القهوة والشاي والمشروبات الغازية أو مشروبات الطاقة والشوكولاتة، إلى التأثير على المزاج العام، ما يكشف عن ضرورة التوقف عن الحصول على تلك المادة الشهيرة كونها تحفز أعراض اضطراب القلق في كثير من الأحيان، علمًا بأن الابتعاد عن المواد المخدرة والكحوليات هو أمر إلزامي وإلا زادت حدة الأزمة بصورة غير متوقعة.

ممارسة العادات الصحية

بينما ينصح بتجنب العادات الخاطئة كشرب الكحوليات والحصول على الكافيين، فإن الالتزام بالعادات الصحية التي تشمل ممارسة الرياضة وتناول العناصر الغذائية بانتظام، لها مفعول السحر في السيطرة على أعراض اضطراب القلق، كونها تساهم في إفراز المواد الكيميائية المختصة بتحسين المزاج وتقليل التوتر.

الانتباه للنوم الصحي

قد يجهل الكثيرون دور النوم في تحسين الحالة النفسية، إلا أن ارتباك ساعات النوم على أرض الواقع قد يتسبب في زيادة مشاعر القلق والتوتر بدرجة مبالغة، لذا ينصح بالنوم لعدد ساعات كافٍ في المساء، مع الحرص على الذهاب للفراش في مواعيد ثابتة والاستيقاظ في وقت مبكر قدر الإمكان.

تعلم الاسترخاء

سواء حرص ضحية اضطراب القلق على القيام بنشاطات التأمل مثل اليوجا أو على كتابة أفكاره السلبية على ورقة من أجل زيادة الوعي بها والنقاش بشأنها مع الطبيب المختص، فإنه يبقى قادرًا على تعويد نفسه على الاسترخاء في الوقت المناسب، ليبدو التحكم في أعراض الأزمة ممكنًا، وخاصة مع تلقي جلسات العلاج السلوكي المعرفي بشكل منتظم.

طلب المساعدة

هي الخطوة الأخيرة التي قد يتبعها المريض للخلاص من أزمته، من خلال تلقي المساندة من الأصدقاء المقربين الأكثر معرفة بتفاصيل مشكلته النفسية، والذين يمكنهم دعم ضحية اضطراب القلق في الوقت المناسب قبل تفاقم الأزمة، مع الوضع في الاعتبار أن الطبيب المختص هو الشخص الأنسب لتقديم المساعدة في كل الأحوال.

في الختام، يبقى ضحية اضطراب القلق بأشكاله المختلفة تحت سيطرة مشاعر توتر تبدو عادية، لكنها قد تؤثر على نشاطات حياته كافة، لذا ينصح المريض بسرعة علاج الأزمة وعدم تأجيل تلك الخطوة، فيما ينصح الأشخاص المقربون منه بمساندته قدر الإمكان، حتى يتجاوز محنته دون خسائر.

المصدر
طالع الموضوع الأصلي من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى