رياضة

هيجوايين آخرهم.. كيف تدمر “السوشال ميديا” مسيرة لاعب كرة القدم؟

خلال مقابلة حصرية مع موقع “جول” العالمي، آثر الأرجنتيني جونزالو هيجوايين أن يتحدَّث عن مسيرته الكروية التي أعلن انتهائها بأكتوبر 2022 من زاوية أخرى، رُبما أكثر سوداوية، لكنّها في الواقع تحمِل لُب الحقيقة. 

في ظروف أُخرى، ربما كان ليخرج اللاعب الذي سبق له وأن مثَّل أندية مثل ريال مدريد، يوفنتوس، تشيلسي ونابولي متحدثًا عن أرقامه وإنجازاته، لكن لأنه هيجوايين، الذي اقترن اسمه بالنكات؛ تحدّث عن الصعوبات التي واجهها مع كرة القدم، حيث كان ضحية لجيل من لاعبي كرة القدم الذين تزامنت مسيرتهم الرياضية مع صعود أسهُم وسائل التواصل الاجتماعي. 

دون أن يُصرح، ألمح جونزالو إلى إدراكه لحقيقة الصورة الذهنية التي يمتلكها قطاع عريض من جماهير كرة القدم عنه؛ كلاعب دائمًا ما كان مصدرًا لإحباط الجماهير، التي لم يكُن يوما لاعبهم المُفضَّل. ومع ذلك، لم تتوقف هذه الجماهير من استخدام اسمه؛ سواءًا لانتقاده، سبّه، أو حتى إهانة عائلته. وهو ما جعله يرى علاقته ب اللعبة التي أحبّها صغيرًا علاقة سامّة، ينبغي أن يضع حدًا لها بشكل نهائي. 

في الواقع، هيجوايين ليس أول من تنال الجماهير الغاضبة أو الكوميدية منه، وربما لن يكون الأخير. لكن السؤال: لأي مدى قد تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على مسيرة لاعبي كرة القدم؟ 

وسيم مجهول 

كرة القدم

قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي، كان تعامل الرياضيين مع الانتقادات اللاذعة مقتصرًا على مكانين لا ثالث لهما. إما ملعب المباراة، حيث تعبِّر الجماهير عن غضبها من لاعب ما عبر استخدام كل الوسائل المتاحة بدءًا بالألفاظ النابية، وصولًا لرفع لافتات مهينة. أو صندوق البريد الخاص بمنزل اللاعب، الذي لطالما احتوى على رسائل من مجهولين، تتضمن نفس المحتوى أعلاه. 

في الواقع، على الرغم من قسوة الانتقادات عمومًا على أي مؤدٍ لأي عمل، خاصة وإن لم يكن الانتقاد بغرض المصلحة، كان التعامل مع مثل هذه التصرفات سهلًا؛ لجأ بعض اللاعبين إلى سد آذانهم بالمناديل الورقية تجنبًا لسماع هتافات الجماهير المسيئة، فضلًا عن تجنبهم فتح صناديق البريد الخاصة بهم. هكذا تجنّب اللاعبون الدخول في صراعات مع الجماهير. لكن في الوقت الحالي، أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا. 

بوصول وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح اللاعبون أقل قدرة على التعامل مع انتقادات الجماهير الغاضبة؛ ليس لأنها انتقاداتٍ، لكن لأنها ببساطة لا تتوقَّف، والأهَم أنّها قد لا تكون انتقاداتٍ من الأساس، بل تفريغ لشحنات من الغضب على هيئة سباب أو إهانة أو حتى نكات، تبثها مجموعة من الحسابات المجهولة بالنسبة للاعبين بديهيًا. 

المشكلة الحقيقية تكمُن في عدم استطاعة جموع الجماهير تفهُّم تأثير مثل تلك التصرفات على اللاعبين، والنادي الذي يشجعونه بالتبعية. 

أثر الفراشة 

لقد ابتعدت عن وسائل التواصل الاجتماعي منذ وقت طويل ولكن الأمر صعب لأن جميع أصدقائك وأفراد عائلتك يقرؤونها. إنهم لا يريدون أن يروا أحد ذويهم يُذبح، لذا فالأمر صعب، لأنني  كنت أمر بوقت عصيب نفسيا. 

فيل جونز، لاعب مانشستر يونايتد عن الانتقادات. 

في الواقع، ربما يجب على الجماهير أن تتفهَّم أن السخرية من اللاعبين قد لا تفيد في أي شيء سوى تقليص ثقة اللاعب في نفسه، ما قد ينعكس سلبًا على نتائج الفريق. 

طبقا لعلماء النفس، فحتى وإن قرر اللاعب تجاهل كونه مثار سخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، سيظل منشغلًا بما يُكتب عنه دون أن يعي ذلك. وهذا ما قد يجعله عرضة للإصابة بالإرهاق الذهني، الذي يؤثر على مستويات الطاقة لدى اللاعب، وينعكس في النهاية على أدائه داخل أرض الملعب. 

“عند الإرهاق الذهني، قد لا يتمكن الرياضيون المرهقون من توقُّع تحركات الخصم أو الزملاء، مما يؤثر على دقة اتخاذ القرار. وبالتالي، يبدو أن الإرهاق الذهني يؤثر سلبًا على طريقة اختيار اللاعبين لأفعالهم التكتيكية أثناء المباريات”. 

“بينما أثبتت أبحاث أخرى، استنادًا إلى مقابلات مع نخبة من الرياضيين الأستراليين، أن الإرهاق الذهني يمكن أن يؤثر سلبًا على أداء اللاعب بطرق أخرى، بما في ذلك انخفاض الحافز والحماس والاهتمام الأقل بالتفاصيل”. 

شين انجل، محرر جارديان البريطانية.

أمر واقع 

في حين يبدو أننا ندور داخل نفس الحلقة المفرغة إلى ما لا نهاية؛ عملًا بمبدأ “الجمهور مُحق”، المدفوع بتملُّق المسؤولين للقطاع الذي أخذ على عاتقه تمويل هذه الصناعة، ربما يكمُن الحَل فعلًا في تقليل تعرُّض اللاعبين لهذه المواقف قد المستطاع، إما عن طريق الانقطاع عن وسائل التواصل الاجتماعي، أو استخدام بعض شركات وسائل التواصل لتقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل حجب الرسائل المسيئة للشخصيات العامّة. هذا الاستسلام ينبُع من حقيقة استحالة تحجيم الجماهير المسيئة.  

طبقا للدكتور وسيم أحمد، المهتم بالرياضة وسلوكيات الجماهير على منصات الرقمية، اتضح باستخدام تقنية تسمى “تحليل المشاعر” لترتيب المشاركات من السلبية إلى الإيجابية، أن جميع الرياضيين تقريبًا تعرضوا لمستوى معين من الإساءة، بما في ذلك انتقاد أدائهم المهني وكذلك الإهانات الشخصية. 

حقيقةً لم يتوقَّف الأمر عند حد تفريغ الجماهير لشحنات الغضب التي بداخلها، لكن الإساءة تحولت بشكل ما لنمط تشجيع تم استحداثه مؤخرًا، والتي لا تعتبرها شريحة لا بأس بها من الجماهير إهانات مقصودة، لكن إضفاء لروح الكوميديا على وصلات “التحفيل” بين جماهير كرة القدم. 

في مقاله: داخل عالم كرة القدم المحير على تويتر، حاول سيمون ترينور، محرر موقع “When Saturday Comes”، تتبع سلوكيات الجماهير على منصات التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر. 

كرة القدم
فيل جونز، لاعب مانشستر يونايتد الإنجليزي.

افتتح سيمون مقاله بجملة مُعبرة، قائلا: خلق عصر المزاح على وسائل التواصل الاجتماعي بين المشجعين المتنافسين لهجته الخاصة، حيث اللاعبون المنتهون، والهوس بسوق الانتقالات. 

تكمُن روعة هذا الوصف في ملائمته للوضع الحالي؛ لأن الجماهير المتعطشة لكل ما هو جديد قد لا تكُف عن التغريد حول أي شيء قبل أو بعد انتهاء المباريات. بالتالي تحولت منصات التواصل من مجرد مساحات لمشاركة الرأي إلى مكانٍ يتسم بالتكرار، القسوة، والانفصال تمامًا عن جوهر كرة القدم، التي لطالما تمحورت حول الهوية، الدراما والمنافسة. 

بالتالي نحن أمام أمر واقع، لا يمكن أن نتجاهله، لكن ربما يكمن الحل في كيفية التعامل معه قدر المستطاع. 

كانت إحدى استراتيجيات التعامل هي لجوء أندية مثل ليفربول الإنجليزي لتوظيف أحد المعالجين النفسيين لمساعدة اللاعبين على التعامل مع الإساءات بمختلف أنواعها والشهرة المفاجئة وغيرها من التجارب التي قد يختبرها اللاعب المحترف. 

التصيد لبعض لاعبي كرة القدم سيئًا، لا يمكن تجنبه؛ لأن  ومعظم اللاعبين الشباب يمتلكون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. 

مصدر من داخل نادي ليفربول الإنجليزي لصحيفة ديلي ميل. 

 

في النهاية، قد يبقى الحال كما هو عليه؛ لاعبون أثرياء لكن ضحايا، وجماهير خلطت ما بين نقد العمل العام والإساءة. 

المصادر: 

 

١- جونزالو هيجوايين: مسيرة دمرتها مواقع التواصل الاجتماعي. 

 

٢- جونزالو هيجوايين وعالم كرة القدم السام (مقابلة). 

٣- وسائل التواصل تعرض اللاعبين لانتقادات وإساءات لا يمكن تحملها. 

٤- تفقد وسائل التواصل قد يؤثر على قرارات اللاعبين داخل الملعب. 

5- ليفربول يوظّف معالجًا نفسيًا للاعبيه. 

6- داخل عالم كرة المحير على تويتر. 

7- لماذا يتم استهداف الرياضيين؟ 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى