الأمراض النفسية

القلق النفسي.. وكيف تظهر أعراضه على العقل والجسد أيضا؟

هل تشعر بالتوتر الزائد دون أسباب واضحة وربما على مدار اليوم كاملًا؟ ربما تعاني إذن من القلق النفسي الذي يجعل من مشاعر التوتر العادية أشبه بالوحش الذي يفسد حياة ضحيته يومًا بعد الآخر، ليتطلب معرفة العلاج عقب إدراك الأعراض واستكشاف الأسباب، كما نوضح في السطور التالية.

القلق النفسي

يصف خبراء علم النفس القلق باعتباره شعورا طبيعيا يتولد لدى الشخص السوي عند خوض تجربة تدعو للتوتر، ما يختلف عن القلق النفسي الذي يعبر عن أزمة ذهنية لدى المرء، حيث تصبح كل المشاعر السلبية المرتبطة بالتوتر العادي مضاعفة، لتظهر في صورة خوف وقلق مبالغ لأتفه الأسباب.

يعرف خبراء الرابطة الأمريكية لعلم النفس القلق بشكل عام بأنه كل المشاعر التي تتسم بالتوتر ويلاحظ فيها تصاعد الأفكار المقلقة وربما بعض الأعراض الجسدية المزعجة ومن بينها ارتفاع ضغط الدم، الأمر الذي يصبح أكثر قسوة حينما يبدو القلق مرضيًا، والذي ما أن يسيطر على عقول ضحاياه، حتى يغير من مجرى حياتهم بأكثر من صورة.

يرى الخبراء أن اضطرابات القلق تبدو شديدة التنوع، فما بين نوبات الهلع والخرس الانتقائي، وكذلك القلق من الانفصال والرهاب الاجتماعي، تبدو الأزمة متنوعة التفاصيل، لتظهر أعراضها في 3 صور مختلفة، عقلية وسلوكية وجسدية، وتبدو في جميع الأحوال مهددة لفرص نجاح المريض في حياته.

أعراض القلق النفسي الذهنية

القلق النفسي
أعراض القلق النفسي الذهنية

تشمل تلك الأعراض كل عوامل المعاناة التي تظهر على الصعيد الذهني للمريض، بحيث تبقى مسيطرة على عقله وتظهر في تلك الصور التالية:

الخوف المبالغ

يعاني ضحية القلق النفسي من حالة ملحوظة من الخوف المبالغ، والذي يصل به إلى حد الإصابة بالهلع من بعض المواقف المحددة، ما يكشف عن اعتبار نوبات الهلع من ضمن اضطرابات القلق، كونها تدفع المريض أحيانًا إلى تجنب المواقف الاجتماعية أو حتى المواقف التقليدية التي تشهد تحديات صعبة على ضحية القلق رغم أنها بسيطة تمامًا لدى الأصحاء.

الأفكار المكررة

يقع مريض القلق النفسي تحت سيطرة أفكار متكررة تبدو ثابتة بلا أي تغيير، حيث تتسم تلك الأفكار دون شك بالسلبية الشديدة، فيما يمكنها أحيانًا أن تظهر في صورة لقطات سريعة لتجارب قاسية مر بها ضحيتها، لتبدو مؤثرة فيه بالسلب وتستحق إذن التدخل الطبي من أجل علاجها.

الهوس

تعد أفكار المريض الخارجة عن سيطرته أو التي تجعله أشبه بالشخص المهووس بها، من بين أعراض معاناته من القلق النفسي، إذ يعجز في تلك الحالة عن التحكم فيما يجول في خاطره، ليبدو مستسلمًا لها وغير قادر على مواجهتها دون مساندة من الآخرين، الأمر الذي يضر بنشاطات حياته كافة.

الكوابيس

من الوارد أن تظهر أعراض القلق النفسي العقلية في صورة أحلام مزعجة، يمكن وصفها بالكوابيس المؤثرة على تفكيره، وكذلك على درجة استغراقه في النوم ودرجة الراحة والاسترخاء التي يحصل عليها في نهاية المطاف، لتبدو تلك هي الأخرى من ضمن أعراض القلق النفسي.

أعراض القلق النفسي السلوكية

تؤدي أعراض القلق النفسي العقلية أو الذهنية إلى ظهور أعراض أخرى في صورة سلوكيات غير مفهومة للأشخاص المحيطين بالمريض، لكنها تبدو منطقية بالنسبة إليه، حيث تتمثل في:

التجنب

يميل ضحية القلق النفسي في كثير من الأحيان إلى تجنب المواقف التي قد تحفز لديه مشاعر التوتر الزائد عن الحد، إن كان يعاني على سبيل المثال من الرهاب الاجتماعي فإنه يختار بمحض إرادته الانعزال عن المواقف التي تشهد التجمعات البشرية، وهكذا يصبح في حالة دائمة من التجنب لكل ما يزعجه.

عدم الثبات

تبقى حالة الاتزان التي تعبر عن الشخصية السوية، بعيدة كل البعد عن صفات الشخص الذي يعاني من القلق النفسي، حيث يبدو دائمًا في حالة من التوتر والارتباك، تظهر على ملامحه وكذلك على حركات جسده القلقة، علمًا بأنها تصبح أكثر ضررًا به حينها تؤدي إلى قيامه بسلوكيات ليست في صالحه، سواء على صعيد العمل أو الدراسة، أو من ناحية علاقاته الاجتماعية التي تصبح مهددة هي الأخرى بالفشل.

الميل للطقوس

ليس المقصود هنا الطقوس الدينية أو الروحانية، بل السلوكيات الروتينية التي اعتاد المريض ممارستها اعتقادًا بأنها تعود عليه بالنفع، مثال على ذلك حينما يعاني الشخص من بعض أشكال اضطراب الوسواس القهري، فإنه يحتاج من أجل الشعور بالراحة والطمأنينة المؤقتة إلى أن يغسل يديه عشرات المرات خلال اليوم الواحد، رغم عدم جدوى ذلك على أرض الواقع دون شك، لتبدو تلك الطقوس المكررة من أعراض القلق النفسي السلوكية.

أعراض القلق النفسي الجسدية

القلق النفسي
أعراض القلق النفسي الجسدية

إن كانت أعراض القلق النفسي الذهنية تسيطر على عقل المريض لتظهر في وقت لاحق في صورة أعراض سلوكية، فإن الجسد نفسه قد يكشف عن علامات المرض النفسي بوضوح، في تلك الأشكال التالية:

صعوبة التنفس

يعاني ضحية القلق النفسي من أشكال مختلفة من صعوبات التنفس، حيث يبدو في بعض الأوقات وكأنه يأخذ نفسه بدرجة ما من التعقيد، فيما تزداد الأمور سوءا حينما يمر بنوبات الهلع التي تجعل عملية التنفس الطبيعية أشبه بالتحدي الصعب، ما يحتاج إلى معرفة كيفية التحكم في هذا الوضع القاسي عبر طرق علمية يحددها الأطباء.

مشكلات الأطراف

بإمكان أطراف الجسم أن توضح بعضا من علامات القلق النفسي، حيث يشمل ذلك على سبيل المثال برودة اليدين، أو على العكس من ذلك تعرق اليد الشديد، فيما يمكن للقلق أن يظهر في بعض الأحيان في صورة تنميل مزعج سواء باليدين أو بالقدمين، علمًا بأن توتر عضلات الجسم بشكل عام يعبر أحيانًا عن القلق المرضي.

الخفقان والغثيان والجفاف

أحيانًا ما تصبح آثار القلق النفسي وخيمة على بعض أعضاء الجسم، ذلك حينما تدفع القلب إلى الخفقان الزائد عن الحد الطبيعي، لتصبح نبضاته متسارعة بشكل يدعو لمزيد من القلق والتوتر، الأمر الذي يظهر كذلك على الفم ولكن في صورة جفاف شديد ومزعج للمريض، علمًا أن المعاناة من الغثيان تصاحبه في تلك الظروف أيضًا.

كيفية ملاحظة القلق النفسي لدى الأطفال

يؤكد خبراء علم النفس أن المشكلات المتعلقة أو المرتبطة بالقلق النفسي لدى الأطفال الصغار لها 4 سمات رئيسية، لا يمكن لأحدها أن يغيب عن المشهد، وهي:

  • الخوف والتوتر الزائد الذي يمنع الطفل من الاستمتاع بحياته، أو حتى ممارسة النشاطات المطالب بها.
  • ظهور ملامح الارتباك والحيرة على الطفل وكذلك أفراد أسرته.
  • عدم إمكانية علاج القلق المصاحب للطفل عبر استخدام العبارات المنطقية لمواجهة مخاوفه.
  • احتمالية تجاوز الأزمة عبر الحصول على العلاج المناسب من قبل الأطباء، وهي السمة الأخيرة التي تفتح أبواب الأمل دومًا في علاج أزمات القلق لدى الأطفال الصغار مهما بدت معقدة من وجهة نظر أفراد أسرتهم.

ماذا يحدث عند تجاهل علاج القلق النفسي لدى الأطفال؟

القلق النفسي
ماذا يحدث عند تجاهل القلق النفسي لدى الأطفال؟

إن كان علاج القلق النفسي لدى الأطفال ممكنًا كما ذكرنا من قبل، عبر العرض على الأطباء المتخصصين والسير على الخطوات العلمية التي وضعها الباحثون منذ عشرات السنين، فإن النتائج تبدو وخيمة عند تجاهل أعراض الأزمة لدى الطفل الصغير، حيث تتمثل في:

تراجع المستوى الدراسي

تظهر ملامح القلق النفسي على الطفل الصغير عادة في مدى تدهور مستواه الدراسي، فيما يصل الأمر إلى حد العجز بصورة شبه تامة عن التعلم والتطور دراسيًا، حينما يتجاهل أفراد أسرة الطفل بقصد أو بدون قصد معاناته النفسية، ليصبح تخطي السنوات الدراسية بنجاح تحديًا صعبًا عليه، بل ربما يصبح الذهاب للمدرسة والالتزام بحضور الصفوف الدراسية نفسه من الأمور المعقدة بالنسبة إليه حينها.

تأثر العلاقات الأسرية

تشهد علاقة الطفل ضحية القلق النفسي بأفراد أسرته الكثير من الأزمات، حينما تبدأ الأزمة النفسية في السيطرة عليه لفترات طويلة دون علاج، حيث يحمل الطفل ببساطة بعض المشاعر السلبية تجاه كل من يحيط به من بشر حتى إن كانوا أكثر المقربين منه، فيما يميل إلى العزلة يومًا بعد الآخر بعيدًا عن أفراد العائلة، خاصة إن بدا ضحية للقلق الاجتماعي.

ضعف المهارات الاجتماعية

تؤدي نقاط الضعف السابقة، مضاف إليها القلق النفسي المسيطر على الطفل الصغير، إلى ضعف قدراته على الصعيد الاجتماعي، كونه يميل أكثر إلى تجنب المواقف التي يحتشد فيها البشر، إما خوفًا من ظهور أعراض أزمته بصورة واضحة ومن ثم التعرض للإحراج أو التوبيخ، أو لشعوره بعدم القدرة على الانسجام مع من حوله.

المعاناة من أمراض نفسية معقدة

تصل الأمور إلى المرحلة الأسوأ حينما يؤدي تجاهل القلق النفسي لدى الطفل، إلى معاناته في السنوات اللاحقة من أمراض عقلية ونفسية وربما جسدية أكثر خطورة، ليؤثر ذلك سلبًا على فرص نجاحه مع تخطي مرحلة الطفولة والمراهقة، ويصبح الالتزام في العمل أو في الزواج مستبعدًا.

لماذا يعاني البشر من القلق النفسي؟

ربما فشل العلماء أنفسهم في الإجابة عن هذا التساؤل المتداول، نظرًا لصعوبة تحديد العوامل المؤكدة وراء سيطرة القلق النفسي على ضحاياه، إلا أن ذلك لم يمنعهم من التوصل لبعض الترجيحات المنطقية التي تفسر بدرجة أو بأخرى أسباب القلق المرضي، مثل:

  • الجينات الوراثية التي تؤدي لانتقال القلق النفسي والكثير من الاضطرابات النفسية الأخرى من أجيال لأخرى داخل نفس الأسرة.
  • الخلل في كيمياء المخ والذي ينتج أحيانًا عن المرور بظروف قاسية لفترات طويلة، لتسيطر على مزاج المريض الذي يصبح ضحية القلق النفسي فيما بعد.
  • الصدمات النفسية والتجارب الصعبة التي غالبًا ما تحفز القلق النفسي للمريض إن عاني منها خلال مرحلة الطفولة.
  • بعض السمات الشخصية مثل الخجل الزائد والانطوائية والميل لتجنب المواقف غير المعتادة أو الأشخاص الغرباء.

خطوات علاج القلق النفسي

القلق النفسي
علاج القلق النفسي

يحتاج ضحية القلق النفسي دومًا إلى اتباع خطوات علمية وضعها الخبراء والمتخصصون، من أجل السيطرة على الأزمة قبل تفاقمها، فيما تتلخص في:

التشخيص

هي الخطوة الأولى التي تمهد للعلاج الآمن للمريض، حيث يخضع لفحوصات من نوع خاص، لا تشمل التحاليل المعتادة عند المعاناة من أمراض عضوية، لكنها تتمثل في إخبار الأطباء بكل الأعراض التي يمر بها علاوة على درجة حدتها ومدى تكرارها، قبل الإفصاح عن درجة تأثيرها على حياته سواء من الناحية الاجتماعية أو العاطفية أو العملية والدراسية.

يتطلب الأمر عند التأكد من عدم معاناة المريض من أي مشكلات عضوية تحفز لديه الأعراض النفسية المعروفة، العرض على طبيب نفسي مختص، حتى يبدأ في التعمق في أعراض المرض مع معرفة التاريخ الطبي للمريض وإن كان هناك مرض نفسي قد سيطر مسبقًا على بعض أفراد أسرته، قبل بدء وصف العلاج.

العلاج الدوائي

يتفق الخبراء على عدم قدرة الأدوية العلاجية على علاج القلق النفسي بصورة جذرية، إلا أنها تبقى مؤهلة للتحكم في الأعراض وتقليلها بدرجة أو بأخرى، فيما تشمل مضادات القلق المعروفة بسرعة تأثيرها ولكن بسرعة اعتياد المريض عليها، ومضادات الاكتئاب التي تغير من كيمياء المخ بصورة إيجابية لتؤثر بأفضل صورة على مزاجه العام وتسهل من علاج أزمته.

كذلك تشمل الأدوية العلاجية بعض أدوية حاصرات مستقبل بيتا، والتي تستخدم عادة في علاج ارتفاعات ضغط الدم، لكن أطباء علم النفس يلجؤون إليها من أجل السيطرة على أعراض القلق النفسي الجسدية، مثل سرعة نبضات القلب وكذلك التنميل والرعشة ببعض مناطق الجسم.

العلاج النفسي

بقدر أهمية العلاج الدوائي في السيطرة على أعراض القلق النفسي، تأتي ضرورة اتباع العلاج النفسي القائم على مد المريض بكم من المعلومات التي تحسن من رؤيته لأعراضه وأزمته بشكل عام، والمعتمد كذلك على تعويده على التعامل مع مشاعره بصورة أكثر حكمة للتحكم في قلقه دون جهد.

يمكن للأطباء الاعتماد على العلاج المعرفي السلوكي الذي يؤهل المريض لملاحظة أعراضه المرضية في الوقت المناسب، وقبل أن تسيطر على سلوكياته، كما يلجأ الأطباء أيضًا إلى تقنية علاجية أخرى تعرف باسم العلاج بالتعرض، حيث تشهد إلزام المريض بمواجهة مخاوفه بشكل مباشر، ولكن في مناخ آمن تمامًا، كي يتجاوز محنته النفسية في وقت قصير.

هل يمكننا الوقاية من القلق النفسي؟

القلق النفسي
هل يمكننا الوقاية من القلق النفسي؟

يرى الباحثون والخبراء أن الوقاية من القلق النفسي تبدو غير واردة، إلا أن اتباع بعض الخطوات قد يساهم في تقليل فرص المعاناة من أعراضها، أو على الأقل التحكم فيها قدر الإمكان، مثل:

تجنب العادات السيئة

يشمل ذلك الابتعاد عن كل العادات المحفزة للقلق والتوتر، بداية من السهر حتى الصباح وارتباك ساعات النوم والاستيقاظ، ومرورًا بالوقوع تحت سيطرة مشروبات الكافيين وغيرها من المنبهات، ونهاية بالتحول إلى أحد ضحايا الإدمان، وسواء كان إدمان المواد المخدرة أو المشروبات الكحولية التي تؤثر سلبًا على الحالة النفسية للإنسان.

اتباع العادات الصحية

ينصح على الجانب الآخر باتباع العادات الإيجابية التي تزيد من الاستقرار النفسي وتقلل من فرص التعرض لمشاعر القلق النفسي المدمرة، حيث يتمثل ذلك في ممارسة الرياضة ولو لبضع دقائق على مدار الأسبوع، مع تناول الأكلات الصحية وغير الصناعية، وتجنب الإفراط في الطعام.

الحصول على الدعم

إن كان اتباع العادات الصحية وتجنب السلبية منها يضمن إلى حد كبير تقليل فرص التعرض للقلق النفسي، فإن الأمر يصبح أكثر سهولة حينما يحصل المرء على الدعم المطلوب في الوقت المناسب وقبل تفاقم الأزمات، حيث تؤدي استشارة الأطباء فور التعرض لأي صدمات نفسية إلى التخفيف من حدتها، بعكس ما يحدث عند ترك الأمور تخرج عن السيطرة، لتصبح مثل كرة الثلج التي تكبر حجما بمرور الوقت.

في الختام، يبقى اختبار أعراض القلق النفسي واردًا لأي شخص في أي مكان، المطلوب فقط هو سرعة الانتباه لأعراضه المزعجة، قبل التوجه فورًا للمتخصصين لاتباع خطوات علمية، تؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى علاج الأزمة قدر المستطاع.

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى