المباراة الأكثر إلهاماً في تاريخ كرة القدم

ماذا لو أخبرناك بأنك على موعد للقاء منافس لا تقوى على  مجاراته؟ غالبًا سيبدأ عقلك في استرجاع كل الأحداث التي انتصر فيها أحد المغمورين، أما إذا كنت من هؤلاء المتيمين بكرة القدم، إذن فلن تحتاج لمراجعة عديد الأشرطة المصورة لاستنتاج طريقك المثالي لعبور المهمة الصعبة، فقط يكفي أن تذهب إلى منصة المقاطع المصورة «يوتيوب» وتشاهد كيف قهرت الكاميرون بطل العالم تحت أنظار دييجو أرماندو مارادونا.

لماذا نعشق قصص الصعود من العدم؟

تخبرنا بعض الدراسات الأكاديمية بما لا نستطيع التعبير عنه بالكلمات، ففي الأغلب حين لا نكون طرفا معنيا بالفوز أو الخسارة نتحيز بشكل شبه كامل للطرف الضعيف، لذلك وضعت بضعة تصورات لأسباب المحاباة تلك.

طبقا لنظرية الباحث «ناداف جولدشميدت» نحن نريد أن يصيب صاحب القوة الغاشمة سوء الحظ، ليس لأننا نكرهه، لكن لأننا نريد أن يتغير الواقع بشكل ما، وينجح شخص آخر، بالتالي نتيجة نهائية غير متوقعة، ممتعة للمزيد من الدقة. بالفعل مقارعة الاحتمالات والتغلب عليها أمر شيق، لا يحدث كثيرًا، وبما أن كل ما هو ممنوع مرغوب، لذا وبإسقاط حديثنا على عالم الرياضة، ففوز الفريق الأضعف يشعر مشجعيه بسعادة مضاعفة مقارنة بسعادة مشجعي الفريق الأقوى منطقيا، غالبًا لأن المنطق لا يجلب السعادة، بيد أن المفاجآت تستطيع فعل ذلك.

كاميرون 90.. حيث لا آمال معقودة على الأسود

كان منتخب الكاميرون حاملا للقب إفريقيا 88 التي أقيمت بالمغرب، عقب تفوقه على نظيره النيجيري في النهائي بهدف «إيمانويل جيروم كوندي»، مدافع «كانون ياوندي» الكاميروني، في بطولة شهدت تألق النجم «روجيه ميلا» صاحب الرقصة الأشهر في تاريخ كأس العالم بعد ذلك.

المباراة الأكثر إلهاماً في تاريخ كرة القدم

كانت الأسود أليفة عالميًا قبل ذلك التاريخ، فلم يكن قد سبق لها تمثيل إفريقيا بكأس العالم سوى في مناسبة وحيدة بالعام 1982، انتهت من الدور الأول بثلاثة تعادلات مخيبة أمام كل من بيرو، بولندا وإيطاليا على الترتيب، لتعود البعثة إلى أرض الوطن خالية الوفاض، بلا أية مؤشرات على نيتهم للمحاربة على حظوظهم.

على كل، امتلكت الكاميرون جيلا جيدًا بنهاية الثمانينيات، تمكن من اجتياز مرحلة التصفيات النهائية المؤهلة لكأس العالم 90 بإيطاليا، ضمن مجموعة صعبة ضمت كلا من منتخبات نيجيريا، أنجولا والجابون، فكان العبور قيصريا، بـ9 نقاط من أصل 18 متاحة، بفارق نقطتين فقط عن الوصيف نيجيريا.

إلى هنا، بدا الإنجاز تاريخيا، فالصعود إلى كأس العالم في حد ذاته شيء مشرف، تتطاحن عليه منتخبات إفريقيا، والتي غالبًا ما تذهب وتعود إلى الأوطان دون تقديم جديد يذكر إلا باستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة.

لم تكن التوقعات مرتفعة فور إعلان نتيجة القرعة النهائية لدور مجموعات كأس العالم 90، فقد قاد الحظ الكاميرون للعب في مجموعة تضم حامل اللقب السابق «الأرجنتين»، رومانيا والاتحاد السوفييتي. إذن فالحل المنطقي بالنظر للمعطيات هو تقديم أداء مشرف لا أكثر أو أقل، لأن حتى ترتيب المباريات نفسه لم يلعب في مصلحة ممثل إفريقيا، فعليك أولا أن تواجه مارادونا العظيم ورفاقه، ثم رومانيا بقيادة النجم جورج هاجي، من ثم تلاعب الروس في مباراة أغلب الظن ستكون تحصيل حاصل.

لم تحمل قائمة الأسود في المقابل أيا من الأسماء الرنانة بالمفهوم العالمي، بالفعل كان روجيه ميلا نجمٌا لكن بعمر الـ38، بينما كان ماكيناكي (25 عامًا) نجم مالاجا آنذاك هو الأخطر على الجناح، في حين توقع البعض أن يبزغ نجم فرانسوا أومام بيك لاعب استاد رين الفرنسي بهذا المحفل، دون أن ننسى حارس إسبانيول توماس إنكونو كذلك.

لأن الأحلام خلقت لتحقق

«كنا نكره أسئلة الصحفيين حول عادات الطعام الخاصة بنا، كانوا يظنون بأننا نأكل القردة»

 

فرانسوا أومام بيك، مهاجم الكاميرون

علينا مبدأيا أن نوضح لك الصورة كاملة، كانت مواجهة الأرجنتين بمباراة الافتتاح أشبه بمشاجرة بين شخصين أحدهما يمتلك مدفعا، والآخر يحمل عصا. وقتئذ كان مارادونا بأوج عطائه، متوجًا بلقب كأس العالم 1986 بمكسيكو سيتي، كما سبق له حمل لقب الكالتشيو بنفس البلد الذي تقام على أرضه الكأس العالمية رفقة نادي الجنوب نابولي، لكن المواجهة لم تكن ضد البيبي دي أورو وحسب، بل أمام نجوم بحجم بروتشاجا، جويوكوتشايا الحارس الأسطوري، وكانيجيا المهاجم الفذ، الذين سبق لهم جميعا اللعب على أعلى مستوى ممكن بكرة القدم، بل التألق أيضا به.

أطلق «ميتشيل فوترو» صافرة البداية، وكأنه أذن لبداية ملحمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن وجب تنبيهك بأن تتذكر ذلك الاسم جيدًا، لأننا سنضطر للعودة إليه مجددًا.

خلال ساعة من اللعب، لم تنجح محاولات دييجو وزملائه في الوصول لشباك الطرف المهزوم نظريا قبل بداية اللقاء. وكأن مواجهة بطل العالم وحدها لا تكفي، وفي قرار عبثي، قرر فوترو أن يشهر بطاقة حمراء في وجه الظهير «كانا بيك» بعد مخالفة لا يمكن أن توصف سوى بالعادية والتي تستحق إنذارا على أقصى تقدير، بعد عرقلته لكانيجيا الذي كان ما زال بعيدًا عن أي موقع خطير بالملعب.

المباراة الأكثر إلهاماً في تاريخ كرة القدم

ربما تأثر قرار الحكم آنذاك بطريقة لعب الكاميرون العنيفة، لكن ومع توصيات مسبقة بتطبيق عقوبات صارمة تجاه التدخلات القوية التي اشتهر بها الأفارقة نسبيا في ذلك التوقيت، رأى سيب بلاتر، سكرتير الفيفا، بأن الحكم اتخذ قرارا صائبا لمنع حدوث إصابات لأحد اللاعبين.

هنا يمكننا القول إن كل شيء انتهى، لكن ولأن ما حدث كان أشبه بالحلم لم تمر سوى 6 دقائق، قبل أن يقفز أومام بيك، مستفيدا من سوء تشتيت الدفاع الأرجنتيني لمخالفة على حدود منطقة جزائه، ليقفز بقدمه إلى حدود صدر المدافع سينسيني، الذي بدا متفاجئا يراقب الرقم 7 على ظهر المهاجم الذي ظل معلقا بالهواء، قبل أن تسكن رأسيته شباك جويوكوتشيا الذي صُدم في الأغلب من ارتقاء بيك، ليخطئ التعامل مع الكرة التي سكنت منتصف مرماه بالدقيقة 67 تحديدا. مضت الـ23 دقيقة المتبقية بأعجوبة، فقد فشل مارادونا ومن خلفه كتيبة كاملة من النجوم من اختراق الشباك الخضراء.

لكن كيف يفشل مارادونا؟

«لا أظن بأنهم كانوا يريدون تحطيمنا بحثا عن الفوز»

دييجو مارادونا

 

فشل مارادونا في قيادة الأرجنتين للفوز كان غريبا بعض الشيء، لكن بعض النظريات تشير إلى أن الضغط الجماهيري بسان سيرو كان له فعل السحر بجانب مجهودات عناصر الكاميرون طبعا، لأن الجمهور الحاضر كان يؤازر الكاميرون، ويسب مارادونا ونابولي، طبقا للتقليد المتعارف عليه بهذه البقعة من إيطاليا، التي تكره النادي الجنوبي ونجمه المدلل بشدة.

إذن لم يكن اللعب الخشن وحده هو السبب في فوز الكاميرون، حتى وإن قام المدافع «ماسينج» بتدخل آخر أكثر قسوة بحق كانيجيا استوجب حصوله على بطاقة حمراء ثانية بالدقيقة الـ89، بل إن الفريق الذي ضحى كثيرًا وهزم الاحتمالات توج بفوز مستحق، باعتراف مارادونا نفسه.

«عند العودة لدوالا، اضطر قائد الطائرة التي أعادتنا للكاميرون أن يؤخر الهبوط، لأن الجماهير التي أرادت تحيتنا كان تتدفق للمطار بغزارة، الأمر الذي جعل الهبوط داخل المطار مستحيلا».

يرى أومام بيك بأن تلك المباراة وحدها وبغض النظر عن ما قدمه ذلك الجيل الأسطوري للكاميرون من مباريات مماثلة ضد خصوم أقوياء كانت الأفضل، فحتى وإن فازت الكاميرون على كولومبيا بدور الـ16 بعد ذلك، وحتى بعد العرض التاريخي الذي انتهى بالخسارة أمام إنجلترا في ربع النهائي بنفس النسخة، إلا أن ما بذل أمام الأرجنتين لا يقارن، فقد هزم بطل العالم ضد فريق لعب لحوالي النصف ساعة وهو منقوص العدد.

حقيقة لم يفشل مارادونا، فقد وصلت الأرجنتين للنهائي قبل أن تهزم من ألمانيا الغربية وتحرم من الاحتفاظ باللقب. لكن ما حدث بـ90 دقيقة خاضها ممثل إفريقيا  ضد وصيف العالم أكد بأنه ما زالت هنالك مساحة لتحقيق الأحلام، طالما ظلت معقودة بأقدام 11 مقاتلا على أرض الملعب.

الكاتب

مصدر طالع المصدر الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status