انعدام الثقة.. والسؤال الذي لا يستطيع لاعبو الكرة الإجابة عنه

«الثقة هي كل شيء، لكن للأسف المدرب لا يمكنه منحها للاعب».. كانت تلك هي كلمات بيب غواريولا، مدرب مانشستر سيتي الإنجليزي، التي أعربت عن سعادته بتسجيل مدافعه الإنجليزي جون ستونز ثنائية ضد كريستال بالاس بالبريمييرليغ، عقب تذبذب مستوى الأخير لفترة طويلة دامت لقرابة العام الكامل، الأمر الذي اضطر بيب لتنحيته جانبا على بنك الاحتياط إلا نادرا.. هنا يجب علينا أن نسأل عددا من الأسئلة المنطقية بالتأكيد، ماذا فقد ستونز تحديدا؟ وكيف استرجعه؟

بداية؛ يمكننا اعتبار ذلك المصطلح الغامض ما هو إلا تبرير من مدير فني لانخفاض مستوى لاعبه الذي استقدمه بعد تغريم خزائن مستثمريه مبلغا وقدره، جعله ربما أحد أغلى مدافعي كرة القدم على الإطلاق. لكن المشكلة الحقيقية تكمن حين نبدأ في افتراض سوء النية كما فعلنا منذ لحظات ‑وهو رد فعل أكثر منطقية صراحة- لأن القصة في حد ذاتها تبدو أكبر من بيب، ستونز، مانشيستر سيتي وحتى معلق المباراة الذي انضم لقائمة مرددي نفس المصطلح رغبة منه في حشو البث المباشر بدلا من الصمت وتلك قصة أخرى ربما نناقشها فيما بعد.

لكن التكرار هو ما جعل الأمر مبتذلا، يوحي بأننا نبحث عن إبرة بكومة قش، شيء يشبه جزم البعض بوجود لهو خفي يعبث بمستقبل الرياضيين من آن لآخر حتى وإن كان الجميع يشك في وجوده من الأساس.

شلل تام

كان ستيفين وارنوك، ظهير ليفربول الأسبق، قد شعر للمرة الأولى بفقدان الثقة في نفسه كلاعب كرة قدم بالعام 2012، فطبقًا لروايته، كان فريقه «أستون فيلا» يسعى للفوز في مباراته الأولى خارج الديار بذلك الموسم أمام «سوانزي سيتي»، آنذاك، وبآخر دقائق اللقاء، لعب وارنوك كرة قصيرة لـ«ريتشارد دان»، تم قطعها وتسجيلها من قبل «ناثان داير» مهاجم الفريق المنافس.
انعدام الثقة
ستيفين وارنوك، لاعب بلاكبيرن روفرز الإنجليزي السابق.
وقتئذ، وصف ستيفين شعوره بالذنب لأنه ربما السبب الأول بل الوحيد للخسارة، حتى وإن كان يدرك جيدًا بأن تلك الأشياء تحدث عادة في كرة القدم، وأن لولا وجود الأخطاء لباتت اللعبة بلا أهداف. ربما رفض زملاء وارنوك تأنيبه على ذلك الخطأ الفج، كذلك مدربه، لكن المشكلة الحقيقية كانت في توقع اللاعب نفسه رد فعل مضاعف تجاه خطئه من قبل الجماهير.
ازداد الأمر سوءًا حينما تكرر خطأ اللاعب مجددا بعد ذلك بشهر واحد ضد «كوينز بارك رينجيرز»، لكن هذه المرة كان الخطأ عبارة عن تسجيل هدف بمرماه. في هذه اللحظة تحديدا أدرك وارنوك بأنه فقد ثقته بنفسه تماما. وأصيب بما أسماه عائقا نفسيا تجاه التعامل مع كرة القدم نفسها لفترة ليست بالقصيرة.
يخبرنا علم النفس بأن الرياضي تحت الضغط يتعرض لما يعرف بالشلل جراء الإفراط بالتركيز، وهي حيلة يلجأ إليها الجسم البشري أثناء لحظات الخوف من المستقبل، تجعله أكثر عرضة للفشل في التعامل مع مهام وظيفته بشكل ديناميكي، بل إنه وفي بعض الأحيان يتحول لمبتدئ، حتى وإن كان يمتلك من المهارات ما يؤهله للقيام بنفس المهام في أوقات أخرى بمنتهى السهولة.
هذا الشعور بالشلل يتقاطع مع خوف الرياضي نفسه من الخسارة، والأسوأ حين يكون هو السبب الرئيسي لها، لأنه وعلى عكس الشائع، لا يفكر اللاعب كثيرًا أثناء المباراة في توابع الفوز، بل يفعل تماما كما فعل وارنوك، يحدث نفسه خلال المباراة عن ردات فعل الجماهير الغاضبة المتوقعة حياله على منصات التواصل الاجتماعي، والتي غالبا ما يبحث معظمها على كبش فداء للتضحية به.

ماذا يمكننا أن نفعل؟

بما أننا غالبًا لن نتمكن من السيطرة على الجماهير، إذن لا بد من وجود طريقة ما للسيطرة على خوف اللاعب، لكن كيف؟ من أين يمكننا شراء هذه الثقة؟ وكم يبلغ ثمنها بالسوق العالمية؟

في ديسمبر 2020، حاول النجم الإنجليزي «آلان شيرار» تحليل أسباب فشل الألماني «تيمو فيرنر»، لاعب تشيلسي الإنجليزي، في التسجيل مع فريقه على الرغم من حصوله على عدد مهول من الفرص السانحة، إلا أنه وبشكل غريب يفشل.

بالطبع شارك شيرار الجميع اعترافه بأن فيرنر أيضًا يفتقد للثقة، لأنه وبشكل ما يشعر بالضغط نظرا لدفع البلوز رقما ضخما لاستقدامه من «لايبزغ» الألماني ووضعه كواجهة للمشروع الذي يسعى النادي لبنائه. رأى شيرار أن سوء مستوى اللاعب لا علاقة له بتكتيك مدربه، فالمدرب عادة لا يسجل، بل يضع اللاعب في موقع يجعله بالقرب من المرمى. لذا كانت «روشيتة» آلان للشاب اليافع هي مجموعة من الحيل النفسية التي قام بها نجم إنجلترا الأسبق من قبل أثناء مروره بمثل ما يمر به اللاعب، عبر تسديد الكرات أثناء التدريبات بمرمى خالٍ مثلا كي يشعر بذلك الشعور المحبب لأي مهاجم حين تهتز الشباك، وقتئذ، قد يستعيد جزءًا من ثقته بنفسه.

بنفس الصدد؛ اعترض «دان أبراهامز»، المختص بطب النفس الرياضي، على فرضية عدم قدرة المدرب على منح الثقة للاعبه بشكل جزئي، حيث اتفق بشكل مبدئي مع غوارديولا وشيرار، بأنه لا يمكن أن تمنح الثقة للاعب بملعقة سحرية لكنه يرى بأنه ما زال للمدرب دورً حيوي في مسألة استعادة اللاعب ثقته بنفسه.
انعدام الثقة
الإسباني بيب غوارديولا، والإنجليزي رحيم ستيرلينغ.

يرى أبراهامز بأن المدير الفني يمكنه بشكل ما تغيير الصورة الذهنية التي كونها اللاعب عن نفسه بلحظات الفشل عبر طريقة بديهية جدًا، بسؤال اللاعب الأسئلة الصحيحة حول رأيه في اللعبة نفسها، ومعرفة ما إذا كان يعاني أي مشكلات خارج إطار الملعب، وحتى مطالبته التعديل من تكنيكه الخاص أحيانا.

ربما يتمكن اللاعب في هذه الحالة من إيجاد الإجابة على بعض الأسئلة التي تدور في ذهنه أثناء وجوده على أرض الملعب. ولنزيدك من الشعر بيتا، وضع «داني كاولي»، المدير الفني الأسبق لـ«هيديرسفيلد» مسؤولية استعادة اللعب ثقته في نفسه على عاتق المدرب في المقام الأول، لأن في رأيه، يكمن عمل المدرب التقني في وضع الاستراتيجية الخاصة باللعب، والتي من خلالها يتدرب اللاعبون طوال الموسم على القيام بمهام محددة يسعى من خلالها المدرب تجنب أي لاعب السقوط في فخ الحل الفردي، الذي يتطلب الإفراط في التفكير أو اللجوء للارتجال الشخصي الذي قد يفشل أحيانا.

مرضى ناجحون

ربما لا تعلم من هو «غاري سبيد»، وللأمانة لم يكن غاري عظيمًا بما يكفي ليتم ذكره من الأساس، فقد كان فقط أحد أبناء جيل ممتاز من لاعبي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، كما قدم فترة جيدة مع فريق «بولتون» أيضًا، إذن لماذا التشويق؟

بالعودة لطب النفس الرياضي، كان «جميل قوريشي» أحد هؤلاء الذين يتم الاستعانة بهم للحد من الاضطرابات التي يعاني منها بعض لاعبي كرة القدم بالدوري الإنجليزي الممتاز، نظرًا لنجاحه العظيم مع المدرب «سام آلارديس» أثناء فترة تواجده مع بلاكبيرن.

في توضيح لمهمته مع اللاعبين يرى جميل بأن العائق النفسي يبدأ في التشكل داخل عقل اللاعب، معللا ذلك بكيفية تصور اللاعب لوضعه داخل الفريق ووضع فريقه داخل المسابقة، بالتالي تتأثر قرارات اللاعب لاإراديا وفقا لذلك التصور، ويقودنا ذلك في النهاية لمنتج نهائي يتلخص في انعدام الثقة. ويضيف جميل: «الأهم هو التفكير فيما يمكن أن نحققه وفقا لموقعنا الحالي بالجدول، بدلا من التفكير في الهبوط».

انعدام الثقة
الحاج ضيوف، نجم منتخب السنغال وليفربول الأسبق
كان غاري سبيد المخول بتسديد ضربات الجزاء أثناء فترته ببولتون، في حين يعتقد بأن السبب في إتقانه لتنفيذها ‑بغض النظر عن التكنيك- هو أنه لم يكن يفكر في عواقب الإهدار، لكن عوضا عن ذلك، كان يرسم سيناريوهات داخل عقله عن الطريقة التي سيحتفل بها إذا ما سجل الهدف. على عكس الشائع.

في الأغلب، يعاني كل الرياضيين من مد وجذر بالثقة، فترات من الصعود والهبوط، إلا أن هنالك البعض من يمكنهم السيطرة على ذلك الشعور وتقبله، بل تحوله لصالحهم. كان «الحاج ضيوف» أحد هؤلاء غير المكترثين، قد تعتقد بأنه مريض باللامبالاة، حيث لم يكن يكترث تماما بسوء مستواه داخل المباراة بأية لحظة، ولا لسوء مستواه أثناء التدريبات، بشكل ما كان يشعر كل المحيطين به بأنه يتعالى على زملائه، مدربه وحتى كرة القدم.

إلا أن الحقيقة هي أن ضيوف ‑حسب وصف أحد المختصين بطب النفس الرياضي- كان يعاني مما يعرف بانعدام الوعي الداخلي» حيث يرى المصاب به أحيانا الظروف المحيطة به بشكل مغاير عن الجميع، شيء أشبه بالفصام، بالفعل يبدو ذلك أمرًا سيئًا في العموم، لكنه قد يجعله يتجاوز فترات انخفاض مستواه دون أن يشعر حتى.

حقيقة، نعلم جيدًا بأننا لم نجب على السؤال الذي طرح في بداية الموضوع، ربما لأننا بالفعل لم نتوصل لإجابة قاطعة حول ما إذا كانت هنالك أسباب لانعدام الثقة، وحلول حقيقية لتجنب انعدامها، على العموم، تبدو الإجابة أبسط من البحث عنها، لأن جميعنا يعلم بأن أصابع البشر لا ولن تتشابه، كذلك انفعالات البشر تجاه المتغيرات التي تصيبهم، فحتى إن وضع غوارديولا إطارا تكتيكيا يمنح لاعبيه حلولا متعددة، وحتى إن استقطب تشيلسي طبيبا نفسيا يخبر فيرنر بأنه فقط يحتاج للوقت للتسجيل بغزارة، وبفرض أن كل لاعب أقدم على التفكير باحتفال قبل تسديد ركلة جزاء، سيظل كل شيء مرهون بالحالة محل النقاش. لا نمتلك عصا سحرية، نعتذر.

الكاتب

مصدر طالع المصدر الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status