ثقافة ومعرفة

جزيرة ناورو.. دولة الأحلام التي دمرها سكانها

هل سمعت من قبل عن جزيرة ناورو؟ إنها تلك الجمهورية الصغيرة الواقعة في المحيط الهادئ، والتي تأثرت بمزيج مؤلم من الطمع وسوء الإدارة وعدم الكفاءة، لتتحول من جزيرة الأحلام إلى دولة مدمرة على يد شعبها.

جزيرة ناورو

تقع جزيرة ناورو تحديدا في وسط المحيط الهادئ، بين كل من أستراليا وهاواي، فيما لا تملك عاصمة محددة لها على الرغم من أنها جمهورية معترف بها، علما بأن مساحة أراضيها الكلية لا تتجاوز الـ21 كيلو مترا مربعا تقريبا.

لم تكن الجزيرة الصغيرة مطمعا لأحد على مدار سنوات طويلة، وحتى نهايات القرن الـ19، فبينما كانت تحظى الجزيرة بأهمية استراتيجية بسيطة نظرا لقربها من أستراليا، وأهمية جمالية أخرى بسبب روعة المناظر الطبيعية فيها وقلة أعداد سكانها، جاءت الصدفة لتكشف عن كنز مختبئ أسفل أراضي جزيرة ناورو الغامضة لتتبدل ملامحها سريعا.

كنز ناورو الخفي

بدأ الأمر فيما كان يبدو كيوم عمل عادي في مكتب سيدني المختص بشركات جزر المحيط الهادئ، في نهايات عام 1899، حيث لفت شيء شبيه بالحجر كان يستخدم لإبقاء باب المكتب مفتوحا، انتباه عالم الجيولوجيا ألبرت إليس، والذي ما إن سأل عنه حتى قال له العاملين هناك إنه حجر مختلف الشكل قادم من جزيرة ناورو، لكنه لم يقتنع بهذا التفسير وبحث عن سر هذا الشيء الغامض.

توصل ألبرت بعد فترة من البحث والتدقيق، إلى أن هذا الحجر المهمل أمام مكتب سيدني، هو عبارة عن قطعة خام عالية الجودة من معدن الفوسفات، ما كشف له عن احتمالية العثور على ثروة شديدة الضخامة عبر تتبع موقع استكشاف تلك القطعة.

أبحر عالم الجيولوجيا إلى جزيرة ناورو في سنة 1901، على أمل إيجاد الكنز الخفي أسفل أراضيها، ليفاجأ بأن حوالي 80% من الجزيرة الهادئة تحتوي على الفوسفات وبكميات ضخمة، ما كان بمثابة اكتشاف مذهل، بدل الكثير من الأمور بشأن الجزيرة الهادئة، التي لم تعد كذلك فيما بعد.

سنوات التعدين

تغير اسم شركة سيدني لجزر المحيط الهادئ، ليصبح شركة الفوسفات بالمحيط الهادئ، فيما بدأت التعاقدات تتم بين أطراف عدة من مختلف الجنسيات على أرض جزيرة ناورو، لاستغلال الكنز المكتشف حديثا، إذ تعاقدت ألمانيا في سنة 1905 على حقوق تعدين الجزيرة، ليصبح من الطبيعي أن تقوم ناورو بتصدير المئات بل الآلاف من أطنان الفوسفات للدول الأخرى.

صار العمل ليلا ونهارا على أرض ناورو من أجل استخلاص الفوسفات هو الشغل الشاغل للجميع هناك، ما علق عليه المصور روزاموند دوبسون لجريدة ناشيونال جيوجرافيك، قائلا: «تبدو حقول الفوسفات على أرض ناورو عبارة عن قطعة أرض كئيبة ومروعة، حيث تتعدد فيها القمم البركانية وكذلك الأعماق الكهفية الممتلئة بالشعاب المرجانية المحطمة تماما، فيما تلاحظ سلال جمع الفوسفات المهملة وكذلك العبوات الصدئة في كل مكان».

تمكنت أستراليا مع بداية الحرب العالمية الأولى من الاستحواذ على جزيرة ناورو من ألمانيا، لتستمر أعمال التعدين على قدم وساق لسنوات، حتى ظهر طامع جديد في الجزيرة وهي دولة اليابان، التي اقتحمت أراضيها لتسفك دماء الكثيرين، ويلقى ربع سكان الجزيرة حتفهم، ويتبقى منهم 600 مواطن فقط مع حلول عام 1945.

عادت الأمور لطبيعتها بمرور الوقت، حيث زادت كميات الفوسفات التي يتم تصديرها خارج جزيرة ناورو بصورة خيالية، حتى حصلت على استقلالها التام أخيرا في سنة 1968، ليصبح من حق حكومتها المشكلة وسكانها الأصليين استغلال كنزها كما يحلو لهم ودون مشاركته مع دول أخرى.

بداية النهاية

لم تكن سيطرة حكومة ناورو على زمام الأمور، إلا بداية النهاية لجزيرة الأحلام المتخمة بالكنوز، حيث تجاهل جميع المسؤولين والسكان هناك الحقيقة الصادمة، المتمثلة في قرب انتهاء كميات الفوسفات من البلاد، ليقوموا رغم ذلك بزيادة نسب التعدين والتصدير من أجل حصد الأموال السريعة.

تحقق للجميع هناك ما أرادوا، حيث عاشت الجزيرة في ثراء واضح لنحو عقدين من الزمان، فبالرغم من أن سكان البلاد لم ينعموا مثل المسؤولين بالمنازل المترفة، إلا أنهم استفادوا أيضا من عدم فرض الحكومة لأي ضرائب، ومن الحصول على رعاية طبية مجانية، شأنها شأن نظام التعليم المجاني والإلزامي هناك، لذا عاشوا أيضا في حالة قريبة من البذخ، إلا أن ذلك لم يستمر طويلا.

جاء قرب انتهاء الفوسفات ليوقظ المسؤولين في ناورو أخيرا من غفلتهم الطويلة، حيث حاولوا في بداية التسعينيات إنعاش الاقتصاد المعتمد بشكل أساسي على الفوسفات الذي أوشك على النفاد، عبر افتتاح أكثر من 400 فرع لبنوك عالمية، كما سمحوا للأجانب بالحصول على إقامة اقتصادية في البلاد مقابل المال، لتحصل الحكومة فعليا على ملايين الدولارات سنويا، لكنها حصدت أيضا سيلا من الأزمات الجانبية.

صارت أرض جزيرة ناورو ملاذا آمنا لجرائم فساد متنوعة كالتهرب الضريبي وغسيل الأموال، حيث أصبحت مرتعا للأثرياء الذين يرغبون في غسل مليارات من الدولارات سنويا، كل هذا أدى في النهاية إلى عجز الحكومة عن إيجاد البديل المناسب للفوسفات الذي انتهى وجوده فعليا مع السنوات الأولى من القرن الـ21.

عادت أستراليا لتولي مهام إدارة الجزيرة المدمرة، حيث عانى الجميع هناك من الفقر في غضون سنوات، فيما قلت الوظائف تماما وصارت الأرض غير مؤهلة حتى للزراعة بسبب المبالغة في عمليات التعدين، فتحولت الجنة إلى جحيم في أعين سكانها أنفسهم، والذين يشاركون المسؤولين دون شك جريمة تدمير ناورو، بعد أن أجهزوا على كميات الفوسفات دون تخطيط، وأنفقوا أموالهم ببذخ، لتعود أرض ناورو في النهاية إلى أسوأ ما كانت عليه قبل اكتشاف كنزها منذ قرون.

الكاتب
  • جزيرة ناورو.. دولة الأحلام التي دمرها سكانها

    محرر صحفي في موقع قل ودل، أبلغ من العمر 33 عاما. أكتب في مجالات متنوعة مثل الصحة والثقافة والرياضة والاقتصاد والفن، سبق لي العمل في موقع أموال ناس وموقع الجريدة. أحب الموسيقى والسينما وأتابع كرة القدم بشعف، إضافة إلى حب الكتابة منذ الصغر. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى