رياضة

«الأنجلوفوبيا».. ورحلة البحث عن سبب المعاداة للجمهور الإنجليزي

قبل يوم واحد من إعلان وصول المنتخب الإنجليزي لنهائي بطولة أمم أوروبا 2020، وأثناء مباراة نصف النهائي التي جمعت منتخبي إسبانيا وإيطاليا على ملعب ويمبلي، والتي انتهت بفوز الأخير بركلات الترجيح، كان جمهور إنجلترا يمارس عادته الأزلية المتمثلة في ترديد الأغنية الإنجليزية الشهيرة «It is Coming Home»، طمعًا في أن يصادفهم حسن الطالع هذه المرة بالوصول إلى النهائي الأول لمنتخبهم منذ العام 1966.

حالة عامة

تعليقًا على القصة أعلاه، غرّد الصحفي الإنجليزي «روري سميث» على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي تويتر، معربًا عن امتعاضه من ترديد جمهور إنجلترا للأغنية أثناء المباراة، خاصة وأن المنتخب الإنجليزي ليس طرفًا فيها، وبالتالي اعتبر ما حدث بمثابة تقليل من شأن المنتخبين العريقين على أرض الملعب وجمهورهما الذي حضر داخل ملعب المباراة.

في حين أبدى الإنجليزي الآخر «مايكل كوكس»، محلل «ذي أثليتيك» اعتراضه  على طرح سميث، لأنه رأى باختصار أن ملعب المباراة إنجليزي والجمهور الأكثر عددًا داخل الملعب كذلك، بالتالي فالمكان والزمان مناسبان لغناء الأغنية دون الحاجة لمراعاة الجماهير الأخرى، خاصة وأن إنجلترا كانت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى النهائي المرتقب.

بغض النظر عن مدى أخلاقية ما حدث من جمهور إنجلترا، وبغض النظر أيضًا عن الخلاف في الأفكار ما بين سميث وكوكس، وضع صحفي شاب يدعى «جو كريشنان» تعليقًا على نفس التغريدة، تضمن جملة واحدة وهي «لا عجب أن الجميع يكرهنا»،  هنا يمكن أن تنقلب هذه القصة رأسًا على عقب، لأننا تأكدنا أن حالة العداء مع الجمهور الإنجليزي ليست محض خيال، بل حقيقة يدركها جمهور إنجلترا نفسه.

إذن، علينا أن نطرح السؤال الأهم بذلك الخصوص، وهو لماذا يكره جمهور كرة القدم حول العالم جمهور إنجلترا بالتحديد؟

جمهور إنجلترا وتاريخ أسود

جمهور إنجلترا
عنف جمهور إنجلترا

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، قرر الصحفي الإنجليزي «سيمون بارنز»، أن يستعرض تاريخ جمهور إنجلترا الأسود مع العنف، من خلال سرده لعدد من القصص التي حضرها بنفسه أثناء عمله كمراسل يغطي أحداث بعض البطولات الكبرى، والتي استطاع من خلالها أن يتعرف أكثر على طبيعة الجمهور الإنجليزي.

يحكي بارنز أنه كان قد سافر لتغطية مباراة منتخب إنجلترا ضد تونس بكأس العالم 1998، والتي تلاها مباشرة القبض على نحو 50 مشجعًا إنجليزيًا، بعدما ملؤوا الطرق المؤدية لملعب «فيلودروم» ‑ملعب المباراة- وهم في حالة سكر جماعية يرددون بشكل جماعي جملة وحيدة وهي.. «نحن حيوانات، وفخورون بذلك».

طبقًا لرواية أخرى قصها الكاتب الأمريكي «بيل بوفرد» الذي نجح في التسلل لمدرج جمهور إنجلترا في بعض مباريات كأس العالم 1990 بإيطاليا، فالجمهور الإنجليزي عنيف جدًا، بل حتى أعنف من جماهير الأندية، التي تتسم أساسًا بمثل هذا السلوك، كما أنهم كانوا على استعداد تام لإلحاق الضرر بالآخرين، وظهرت عليهم علامات كراهية للأجانب، باختصار كانوا قوميين لكل بشكل قبيح، حيث إن المشجع بمجرد خروجه من إنجلترا لمشاهدة مباراة لمنتخب بلاده، فهو لا يزور جارًا، لكن يدخل أرضًا غريبة تتعرض قيمُه داخلها للتهديد.

يعود بارنز ويتساءل، هل الدافع من هذه التصرفات إظهار القومية، والأهم هل يكره الجميع جمهور إنجلترا لهذا السبب وحسب؟  علمًا بأنه يمتلك يقينًا شبه كامل بأن العالم بأسره يكره هذا الجمهور، لكنه يريد أن يعلم إذا ما كان السبب هو أعمال العنف، أم أن السبب في احتقار إنجلترا بشكل عام عالميًا يعود لتاريخها العسكري وسلوك اليمينيين المعادي للمجتمع؟

استعارات عسكرية

جمهور إنجلترا
احتفال بالفوز

وفقًا لوجهة نظر بارنز، فالسؤال الثاني هو الأصح، فبمراجعة أرشيف الصحف الإنجليزية بأعقاب أي مباراة للمنتخب، وجد أن المحررين يميلون دائمًا لاستخدام الاستعارات العسكرية مثل «أطلق لاعبنا رصاصة الرحمة عليهم»، «صمد دفاعنا أمام وابل من قذائفهم» وخلافه من المصطلحات التي حتى وإن كانت تستخدم بشكل عادي عالميًا، إلا أنها محببة لجمهور إنجلترا.

والسبب في ذلك الحب لهذه المصطلحات الرنانة هو أن جمهور إنجلترا ربما يكتسب منها قيمة إضافية، ويتخذها على محمل حرفي، فقد تجد الجمهور يحاول تذكير نظيره الألماني بخضوع ألمانيا النازية، ويجد في التقليل من الأرجنتين بسبب هزيمتهم أمام إنجلترا بحرب الفوكلاند مدعاة للفخر داخل ملعب كرة قدم.

البحث عن الذات

يعتقد أن السبب الحقيقي خلف كل تلك التصرفات التي تخرج عن فئة ليست بالقليلة من جمهور إنجلترا، هو عدم استطاعتهم تخطي حقيقة أن بالقرن الـ21 تعد إنجلترا دولة صغيرة مقارنة بما كانت عليه من قبل، حيث تقلص حجم الإمبراطورية ‑إن صح التعبير- بشكل غير مسبوق، بينما ترفض شريحة من الشعب والتي ينبثق منها فئة من مشجعي كرة القدم هذه الحقيقة.

فيكون رد الفعل الطبيعي هو محاولة الاستعلاء وفرض الأفضلية عنوة على الآخر، والآخر هنا تعود على كل من يمتلك أصولًا غير إنجليزية، فحسب «دانييل بوردي» أستاذ السياسة بجامعة برايتون، فحتى وإن كان الجميع من حقه مشاهدة كرة القدم الإنجليزية وخاصة مباريات المنتخب الوطني، إلا أن الجمهور المتعصب يأبى أن يشاركه الإنجليز الذين ينحدرون من أصول أخرى هذا الشرف.

أخيرًا وبربط كل هذه الخيوط مع بعضها البعض، وبالتأكيد على أن إنجلترا كدولة عامة تشكل عائقًا نفسيًا  يعرف بـ«الأنجلوفوبيا» لدى عديد الشعوب نظرًا لتاريخها العسكري الاستعماري، يمكننا بشكل ما الربط ما بين العداء مع إنجلترا كدولة وجمهور إنجلترا الذي يحضر مباريات كرة القدم، وقد يكون ذلك الربط مجحفًا نوعًا ما إذا ما تم إسقاطه على شعب كامل، لكن الواقع هو أن البشر عامة يتأثرون بالصورة الذهنية التي كونوها عن مجموعة ما من البشر.

وبما أن الوعي الجمعي العالمي يمتلك تصورًا بأن إنجلترا دولة استعمارية وأن جمهور إنجلترا حفنة من الفوضويين والسكارى، بالتالي لا مانع في أن نبصم على تعليق الشاب «جو كريشنان» مؤكدين أنه لا عجب أن الجميع يكرههم.

الكاتب
بواسطة
مصدر 2
المصدر
مصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى