ثقافة ومعرفة

حاتم الأصم.. لقمان الأمة الذي اشتهر بالحكمة والورع

حاتم الأصم، هو الزاهد التقي أحد علماء السنة والجماعة، الذي عرف بالورع والتقشف والحكمة الشديدة، لذا أطلق عليه لقمان الأمة، فما هي قصة الأصم الذي له من القصص والأقوال ما يذيب القلوب؟

قصة حاتم الأصم

ولد أبو عبد الرحمن حاتم بن عنوان، المعروف بحاتم الأصم، في مدينة بلخ التابعة الآن إلى أفغانستان، في القرن الثاني من الهجرة، حيث تتلمذ على يد أحد أئمة السنة والجماعة الكبار في هذا الوقت، وهو شقيق البلخي، فيما صار صديقه الذي تعلم منه الكثير فيما بعد.

يعتبر الأصم من كبار مشايخ خراسان القديمة، حيث كان أستاذا لعدد من أعلام الدين حينئذ، ومن بينهم عالم التصوف السني الذي عرف بالزاهد الكبير، الإمام أحمد بن خضرويه، فيما تنقل الأصم بين عدد من الدول والمدن، حتى شد الرحال إلى بغداد في مرة، لتقوده الأيام إلى مقابلة رابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي، الإمام أحمد بن حنبل.

سر تسميته بالأصم

على الرغم من أن حاتم الأصم لم يعان طوال حياته من الصمم أو من ضعف السمع حتى، إلا أنه أطلق عليه هذا الاسم بسبب موقف شهير، يكشف عن مدى تمتع هذا الإمام الحكيم بدماثة الأخلاق وحسن التصرف.

يحكى عن شيخ الصوفية، أبا علي الدقاق النيسابوري، أن إمرأة كانت تسأل حاتم في أمر، فخرج منها صوت ريح دون أن تقصد، فشعرت بالخجل الشديد، إلا أنها ما أن عادت وأكملت حديثها مع حاتم، حتى وجدته لا يسمعها جيدا، ليأمرها بأن ترفع صوتها قليلا، حينها سكن ما بها ظنا أنه يعاني من الصمم، ليلقب منذ حينها بالأصم رغم أنه ادعى الأمر فقط ليريح بال السائلة.

مواقف من حياة حاتم الأصم

تمتلئ حياة حاتم الأصم بالقصص التي تكشف من ناحية عن تعلقه الشديد بالإيمان، وحكمته وورعه وتوكله على الله، فيما تكشف لنا من ناحية أخرى عن مدى تمتع أبنائه بنفس الأخلاق، وتحديدا ابنته التي حكي عنها واحدة من أشهر القصص عن الأصم.

في إحدى السنوات كان حاتم يشعر بالشوق الشديد إلى زيارة بيت الله من أجل الحج، إلا أنه كان لا يملك لا نفقته الخاصة من أجل الانتقال، ولا نفقة أسرته التي يفترض بها أن تكمل مدة تتجاوز الشهر من دونه.

رأت ابنة حاتم الصغيرة والدها مهموما بسبب ضيق ذات اليد الذي يمنعه من إتمام الحج، فلما علمت بذلك طالبته بالحج وقالت له: «يرزقك الله»، فسألها عن كيفية توفير النفقة لهم، فعادت وقالت له: «يرزقنا الله»، حينها ترك الأصم الأمر للأم، التي بدت قانعة بعد أن قالت لها الابنة: «ليس والدنا هو من يرزقنا، بل الرزاق هو الله، فلندع والدنا يخرج إلى الحج».

ذهب حاتم بالفعل إلى الحج خلف القافلة لأنه لم يكن يملك نفقة الإنضمام لهم، حتى فوجئ الجميع خلال الرحلة إلى مكة بأن أمير القافلة قد تعرض للدغة عقرب، حينها لم يتمكن أحد من نجدة الأمير الذي صار بين الحياة والموت، حتى طالبوا الأصم بأن يرقي الأمير، الذي شفي بالفعل من سم العقرب بعد الرقية، ليقرر الأمير تحمل نفقة ذهاب وعودة الإمام التقي، ويدرك حاتم معنى كلمات ابنته عندما قالت له يرزقك الله.

أما في بيت حاتم، فقد عانى من الفقر وقلة الطعام والشراب، وبدأ الجميع يلقي باللوم على الابنة التي طالبت والدها بالحج، حتى أتى يوم وجدوا فيه أحد أتباع أمير البلدة يطرق الباب، طالبا بأن يأتوه بالمياه للأمير الذي كان يمر بالصدفة من أمام منزلهم بعد أنهى رحلة صيد انقطع عنه المياه خلالها وشعر بالعطش الشديد.

شرب الأمير من ماء منزل حاتم العذب فشعر بالرضا، وسأل أتباعه من يكون صاحب البيت، فلما أجابوه بأنه حاتم الأصم الرجل الصالح، الذي سافر للحج رغم نقص الأموال، قام الأمير بخلع حزامه المرصع بالدرر والجواهر ليلقيه أمام المنزل، مطالبا من يحترمه من أتباعه بتقليده، لتفاجأ أسرة الأصم بأنها بين ليلة وضحاها صارت من الأثرياء، ليدرك الجميع معنى كلمات الابنة عندما قالت لوالدها يرزقنا الله.

في هذا الوقت شعر الجميع بالسعادة إلا أنهم فوجئوا بالابنة تبكي، فلما سألتها والدتها عن السر، قالت: «نظر إلينا هذا الأمير وهو مجرد مخلوق ببعض من الشفقة، فأغنانا، فكيف لو نظر إلينا الله تعالى».

أقوال حاتم الأصم

لحاتم العديد من الأقوال التي أثرت في نفوس المحيطين به، حيث سأله أتباعه يوما عن الذي بني عليه توكله، فقال: على أمور أربعة، علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي، وأن عملي لن يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا أستحي منه».

كذلك من أقوال حاتم الأصم: «رأيت كل الناس لهم أعداء، إلا أن من اغتابني ليس عدوي ولا من أخذ مني شيء هو عدوي، بل من أمرني بمعصية وكنت في طاعة هو إبليس وجنوده الذين أحاربهم، فهم أعدائي».

كذلك قال أبو تراب أنه سمع حاتم يقول يوما: «المؤمن لا يغيب عن خمسة، الله، والقضاء، والرزق، والموت، والشيطان».

في النهاية، رحل حاتم الأصم عن الدنيا في سنة 237ه، بعدما صار من أعلام الورق والتقوى في القرن الـ3 الهجري، ليغيب عن عالمنا ويبقى ما روي عنه من حكم ومواعظ.

الكاتب
  • حاتم الأصم.. لقمان الأمة الذي اشتهر بالحكمة والورع

    محرر صحفي في موقع قل ودل، أبلغ من العمر 33 عاما. أكتب في مجالات متنوعة مثل الصحة والثقافة والرياضة والاقتصاد والفن، سبق لي العمل في موقع أموال ناس وموقع الجريدة. أحب الموسيقى والسينما وأتابع كرة القدم بشعف، إضافة إلى حب الكتابة منذ الصغر. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى