آراء ومساهمات

حبيبة عوض تكتب: فراق

يوم تقليدي آخر أجلس على المكتب ألفظ أفكاري للورق وأظن لو كان بمقدوره المغادرة لغادرني كما غادر من يمكنه الحراك، أستفرغ الأفكار كمن أكل كثيرًا وعليه التخلص من الزوائد كي لا يمرض، هكذا أنا لكن أظن أنني مرضت بالفعل لكنها تأبى الرحمة مفارقتي وتأبى عتق روحي وجسدي العليلين.

هذه النسمات تعيقني أجهل مصدرها تداعب أصابعي وظهري ومفاصلي تدخل وتخرج من صدري بكل يسر وسهولة، أأنا شفاف أم أنه شبح؟ سأختار الخيار الثاني، أحب الأوراق وهي تتطاير على مكتبي المزدحم بالكثير منها وعلبة الحبر والريشة التي أكتب بها لا أعلم مصدرها لكني أود شكره، وكان هناك غراب يقف على شرفتي كل يوم كان رفيقا وكنت أحدثه والقمر يوميًا أرفض أن الغراب هجرني أريد الإيمان أن هذه الريشة السوداء هي ريشة الغراب صديقي ولقد أهداني جزءًا منه وسيعود لأنه يفتقدني كما يفترض به أن يفعل.

أشعر بروحه من هذه الريشة الجميلة يبدي ردات فعل على ترهاتي المكتوبة هذه وهذا المصباح على الحائط وضوؤه المصفر المتذبذب من قال إني لا أملك الأصدقاء ومن قال إن تذبذب الضوء عشوائي؟ لدي ثلاثة أصدقاء أوفياء لن يرحلوا، الغراب والعنكبوت في زاوية الحائط أعلى رأسي، والشبح المجهول الذي يسكن هذا المكتب، النسمات العشوائية وتذبذب الضوء والأوراق المتطايرة ما هي إلا طريقته لقول: لاحظني أنا هنا، أو لعله يريدني أن أهابه أو أنه رأى أن حياتي بها من الملل ما يكفي شعوبًا ويفيض، فقرر إضافة بعض الحركة والإثارة لكن أيها الشبح أنا رجل في منتصف الثلاثينات هزيل البنية شعري يتخلله الرمادي قليلًا وما زلت وحيدًا، ما زلت أجلس هنا كل ليلة أسرد للأوراق والقمر آلامي ومخاوفي السرمدية أنا، رجل ترهبه الوحدة لكنها كل ما يحدث له لذا فأنت لست هنا لتقتلني هذا ما أريده ولم يحصل ما أريده قط، عشت لأرى جميع ما حاربت لأجله يؤخذ مني ببطء مفاجئ وصادم وأنت صديقي الثالث وسأشاركك.

أرفض فكرة الوحدة وأرفض العالم لأنه يرفضني وكأن رفضي له أهمية كأنه سيرد لي كرامتي المنسحقة تحت أقدام العالم وسكانه كأن العالم يراني أو يكترث لما أرى، قل لي أيها الشبح أتراني أم سكنت هنا لأنك حسبت المكان فارغًا؟ غرابي الجميل اسمح لي أن أحدثك قليلًا اشتقت إلى عينيك ومنقارك الأسود وجناحيك، كنتُ كقميصي هذا أبيض ناصع أبيض من سحابة صيفية ومن بلاط القصر الملكي كنتُ أنقى من خوف أم على وليدها الوحيد أنقى من حب جندي يرى وجه حبيبته في وجوه الأعداء فيغمض عينيه ويبكي ويقبل بالخسارة كنت أنظف وأنقى من كل هذا، واليوم أنا مثقل بالخيبات كالجندي عندما عاد ووجد أن لحبيبته طفلا ليس أباه كالسحابة في الشتاء تمطر لأيام وأيام ولا يوقفها أي توسلات أو دعاء كالأم عندما تكتشف أن وليدها لم يولد قط وأنه سكنها هي لا المنزل.

هزل جسدي كثيرًا مع ذلك زاد وزني ليتني كتلك السحابة أستطيع أن أمطر حتى الدموع هجرتني، أحدث ما أملك منك أيها الغراب والنجوم وشبحي أحدق في البيانو في الجهة الأخرى من الغرفة لساعات يعلم الإله كم من الوقت مر وأنا منتظر حرارة عينيه المتوجهة نحوي متسائلة عما أفعل هي ما دفعني للانتظار، اعزف لي أيها الشبح فلتعزف خيبتي وحزنك لن أطردك فأنت الوحيد من قبل بي رفيقًا أخبرني ما اسمك وقصتك وكيف انتهت أم أنها لم تنتهِ بعد؟

ما أعلمه أن قصتي انتهت تعلم أن القصة مستمرة عندما يكون هناك أحداث وأنا كما ترى خال من الأحداث حتى السيئة منها أنا لم أعد هنا مثلك تمامًا، ربما وجودك طاغ على وجودي أنا لكن تستطيع رؤية ماضي بين طيات جلدي أليس كذلك؟ جميع ذكرياتي وتفاصيل حياتي طبعوا على وجهي وجسدي بطريقة برايل، تحسسني فلتقرأني لا أعدك بأنك ستجد شيئًا مفيدًا لكنك ستجد شيئا ما حتما فقد كنت يومًا نغمًا في وتر.. وهل لي جناحان؟ كلي أمل أن يكون لي جناحان لكنه أمل الأطفال أن سانتا حقيقي، أعتذر لسؤالي العبثي لكن لطالما آمنت أن لي جناحين ورفضت الإنكار لكن مؤخرًا فقدت الإيمان بكل ما تمسكت به حتى الموت، أعتقد أني أتخلى عن الأشياء قبل أن تتخلى عني كوسيلة دفاع رائعة ألا تظن هذا؟

قل لي هل للآلئ المطر تطرق نافذتي مستنجدة بي من برد الشتاء وتخاف السقوط يروعها الارتطام بالأرض القاسية أم أنني عاطفي بائس يجمل الأشياء لكيلا تبدو مشوهة في عقله أو ربما كرهت السماء وجودي كسائر المخلوقات فرمتني بشيء رقيق كالماء بقوة جعلت حتى أرق الأشياء أقسى من الصخر، حتى نافذتي ترتعد تكاد تتحطم المسكينة فما بالك بقلبي لكن لا يمكنني رفض صراخ الاستنجاد لوقت طويل لهذا الماء يغرق الأرضية، أغلق النافذة فقط حين أكتب لا أريد للورق هجري والتحليق بعيدا، فلتعزف يا رفيقي الوحيد اعزف لي النار في صدري والخواء في رأسك أكاد أسمع صوت البيانو لن أنظر لكيلا تستحِي وتتوقف، لكنك هنا الشيء الوحيد الذي صدقته كان حقيقة، اعزف يا رفيقي لا تتوقف خفتت نيران المصباح قليلًا الظلال تتمايل على زهرة الصبار خاصتي وزميلاتها الزهور، نعتتني إحداها يومًا بالصبارة التي لن يحتضنها أحد ولن يسقيها أحد لذا أتيت بصبارة وجعلت لها أصدقاء وأحتضنها كل يوم وأزيل شوكها بعيدا عنها لكيلا أجرحها وأسقيها يوميا، إنه لمن المروع أن يقاسي مخلوق ما أقاسيه.

تهب النسمات على كتفي أتواسيني أيها الشبح هذه ليست دموع لست أبكي أعدك.. ألهذا الحد أنا مثير للشفقة أم أن الصوت والضوء من نسج عقلي المريض وأنت جالس في الزاوية تراقب بحزن حالي لا يهم إن كنت أنا الفاعل والمفعول به المهم أني أشعر بشيء، أخبرني أيها الشبح كيف تبدو الألوان لم أغادر منزلي منذ مدة كل ما أراه من الألوان هو لون الشتاء والخشب في منزلي ومكتبي وأوراقي المصفرة وحبري الأسود ونار التدفئة التي لا تدفئ إلا خشبها المحترق لا أتذكر كيف كانت الألوان الأخرى لا أذكر لها مذاقا، بدأت ألاحظ أن هذا الشتاء طويل جدا سبعة أشهر وتسع ليال وثلاث ساعات من الجليد والصخور المتساقطة على نافذتي بمنجنيق السماء أعلم أنها سبعة أشهر لأن حبيبتي هجرتني في أول يوم شتاء، تبع الجليد رحيلها لعل الشتاء داخلي وعيناي مشوهتان لعل طقسي يرفض الربيع وسمائي ترفض سماء العالم كما رفضتني فلتعزف أيها الشبح ولأحترق أنا بهدوء.

كنت أود وبشدة صياغة شعوري على مفاتيح البيانو كما تفعل الآن قل لي أيها الشبح كيف أعزف البهتان والخذلان والوحدة وتسول الأمل لأنه مل من إصراري وطردني أجلس على بابه يوميا عله يفتح ويرق قلبه لكنه لا يفعل أبدأ كيف أعزف الفراغ الثقيل في صدري كيف لي وصف الحزن الذي يسكن نصف روحي ويلتهمني يومًا تلو الآخر هل أستطيع عزف الزحام القابع في عقلي وأفكاري المتلاطمة في مد وجزر لا قمر لهما وهل يمكن لمفاتيح رقيقة عذبة كمفاتيح البيانو تحمل هذا وتحويله لشيء جميل كعزفك هذا؟

أتمنى لو كنت تبغًا رخيصا حتى أو مغشوشًا يشعلني صاحبي بكبرياء وقلب حزين وينفخ غضبه وحزنه وبعض ذكرياته وجزءا مني وقد أصبح كل هذا وأنا دخان أشتعل لغضبه لا لشيء آخر وأنتهي في دقائق معدودة بأحزانه وأحزاني ويدهسني ليطفئ ما أشعله في، لكنني هنا مع شبح يجلس في الجانب الآخر من الغرفة يعزف لي شيئا عذبا جميلا يجعل عقلي يبتسم لكن الحزن يغطيني من رأسي حتى أخمص قدمي والوحدة تقف بسكين على رقبتي ستسحبه في أي وقت، أنتظر موتي دائما سيكون مع سبق الإصرار والترصد ولن أقاوم يبدو أنني سأموت بعد دقائق شكرا للغراب الذي منحني شيئا منه ولو كان منح شفقة بعد هروبه من ثرثرتي الثقيلة كل الشكر والامتنان للشبح الذي اتضح أنه ملك الموت قرر أخيرا تخليصي من سجني ومني وتخليص العالم مني.

فلتفرحوا يا سكان العالم سينتهي الشتاء بعد دقائق أنا مصدر الجليد والصقيع والعواصف أعتذر بشدة، كان العزف رائعا لطالما كنت أهاب اللحظة التي سأسعد فيها ظننت أني سأموت فور دخول هذا المخدر جسدي وقد كان ظني صحيحا للمرة الثانية العزف وشعور الأنس حتى صبارتي كانت ترقص رأيتها تتمايل، شعوري أن أحدا بجانبي أروع من أن يصدقه عقلي وها أنا أموت في أول لحظة شعرت فيها بالأمان والسعادة في حياتي، فتح الأمل بابه لي مبتسما لكنني لن أدخل، ليس اليوم، قبلت بي متأخرا جدا أيها الأمل لكن في النهاية لن أموت وحيدا كما ظننت نهايتي ستكون شكرا أنك تركتني أنهي وداعي للعالم وأوراق الأشجار والرياح وحبات الرمال والشواطئ والأشجار وجميع الطيور والقمر والنجوم والشلالات والأنهار والأسماك أودع جميع المخلوقات إلا البشر، قم بعملك أنا جاهز وقد كان العالم جاهزا لوداعي منذ زمن بعيد كانت كراهية متبادلة أيها العالم القبيح.

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Please rotate your device
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications