ثقافة ومعرفة

حرب القرم.. ولماذا تحالفت الدول العظمى مع العثمانيين ضد روسيا؟

ربما سمعت يومًا عن شبه جزيرة القرم الواقعة في إقليم أوكرانيا، التي تطل على البحر الأسود والبحر المتوسط، والتي كانت موطنًا للتتار المسلمين، هناك حيث نشبت حرب ضارية سميت بحرب القرم بين الدولة العثمانية وبريطانيا العظمى وفرنسا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، وكان ذلك في القرن الـ19 الميلادي أكتوبر 1853 – فبراير 1856.

تُعتبر حرب القرم التي قامت بين الجيوش الروسيَّة والدولة العثمانية من أهمِّ الحروب التي خاضها المسلمون في التاريخ الحديث؛ اعتبرها بعض المؤرخين بداية لحرب عالمية مصغرة، فقد تأزمت فيها العلاقات الدولية، وتغيَّرت التحالفات بين الدول، فقد كانت فيها إنجلترا وفرنسا تحارب بجوار الدولة العثمانيَّة ضدَّ أطماع روسيا.

حرب القرم.. ولماذا تحالفت الدول العظمى مع العثمانيين ضد روسيا؟

ما أسباب نشوب حرب القرم؟

كانت مملكة القرم المسلمة تابعة للحكم العثماني، وقد وصفها البعض بأنها أندلس المسلمين في غرب أوروبا، وكانت تمتلك موقعًا استراتيجيا على الحدود الجنوبية للإمبراطورية الروسية، وقد اختلف المؤرِّخون حول أسباب نشوب حرب القرم، ولكن الأرجح أن أهمِّ هذه الأسباب هي الخلافات الدينيَّة.

كان القيصر الروسي نيقولا الأول متعصبا دينيا، ويدرك أن توسعات الدولة العثمانية ضد أطماع روسيا في منطقة البلقان، لذلك حرصت روسيا على السيطرة على مملكة القرم، وقد ذكر المؤرخون أن العديد من القياصرة الروس دأبوا على الأخذ بالنصيحة أو المشروع الذي قدمه مستشار الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية ميخائيل فارانتسوف، عن وجوب إخضاع تتار القرم للدولة الروسية ثم السيطرة عليها كاملًا من خلال خطوات مفصلة، وإلا ستبقى مصدر خطر على الأراضي الروسية.

السبب الآخر لحرب القرم كان الخلاف بين روسيا وفرنسا حول امتيازات الكنائس الأرثوذكسية الروسية والكاثوليكية في الأماكن المقدسة في فلسطين التابعة للدولة العثمانية في ذلك الوقت.

ويبقى هناك سبب آخر مهم هو مطامع الدول العظمى، وسعيها المستمر لإضعاف الدولة العثمانية والسيطرة على أجزاء منها، وتقسيمها فيما بينها، عبر إشعال فتيل صراعات وإقحامها في حروب طاحنة تنهكها.

أحداث حرب القرم

طالب الروس بممارسة الحماية على الرعايا الأرثوذكس للسلطان العثماني، ورفض السلطان العثماني المطالب الروسية، فقطعت روسيا علاقتها الدبلوماسية مع الدولة العثمانية وأصدرت مذكرة، مهدِّدةً فيها باحتلال منطقة تسمى الأفلاق في رومانيا «والاشيا» التابعة للحكم العثماني وقتها إذا لم تغير الدولة العثمانية موقفها، ورفضت الدولة العثمانية المذكِّرة، فتقدَّمت الجيوش الروسية واحتلت إقليم الأفلاق.

عقدت مؤتمر النمسا للصلح بين الدولتين في فيينا في أغسطس 1853م، ولكنَّ المؤتمر فشل ولم يتفق أي من الطرفين على شيء، وطلب السلطان العثماني من روسيا إخلاء إقليم الأفلاق لكن روسيا ضربت بطلب السلطان عرض الحائط، فعبرت الجيوش العثمانية بقيادة عمر باشا نهر الدانوب في 21 صفر 1269هـ – 23 نوفمبر 1853م، وبعد معركة كبيرة انتصرت الجيوش العثمانية، وتوقَّف القتال على الجبهتين بسبب الشتاء وتساقط الثلوج.

حرب القرم

دخول دول الحلفاء إنجلترا وفرنسا

  • تدخّلت بريطانيا في الحرب لصالح الدولة العثمانية، بعد أن دمر الأسطول الروسي سربًا تركيًا في سينوب بالبحر الأسود.
  •  دخل الأسطولان البريطاني والفرنسي إلى البحر الأسود في 3 يناير 1854، لحماية النقل التركي.
  • عرضت فرنسا على روسيا الصلح وانسحاب الأسطولين الفرنسي والإنجليزي مقابل إخلاء ولاية الأفلاق، غير أنَّ القيصر الروسي رفض الصلح.
  • أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على روسيا، لإرضاء النمسا ولتجنب دخول هذا البلد أيضًا في الحرب، قامت روسيا بإخلاء إمارات الأفلاق، ثم احتلتها النمسا في أغسطس 1854.
  • أنزل الحلفاء القوات في شبه جزيرة القرم الروسية، على الشاطئ الشمالي للبحر الأسود، وبدؤوا حصارًا استمر لمدة عام لقلعة سيفاستوبول الروسية وحدثت اشتباكات كبيرة بالقرب من نهر ألما.
  • انتشر مرض الكوليرا في صفوف الجيش الروسي.
  • هددت النمسا بالانضمام إلى الحلفاء، فقبلت روسيا شروط السلام الأولية في 1 فبراير 1856، وعقدت معاهدة باريس التسوية النهائية من 25 فبراير إلى 30 مارس.
  • نتيجة لمعاهدة باريس ضمنت الدولة العثمانية سلامتها، وأجبرت روسيا على الاستسلام.

نتائج حرب القرم

انتهت الحرب لصالح الدولة العثمانية ولم تعد روسيا تشكل تهديدا بحريا عليها، وعادت بعض الولايات ‑اسميا- للدولة العثمانية، وكان هذا ظاهر الأمر، إلَّا أنَّ الحقيقة لا تبدو دائما كما تظهر لنا، إذ كان الفائز الحقيقي والمنتصر الأكبر هي الدول الأوروبية، التي دبّرت المكائد لإضعاف الدولة العثمانية وإنهاكها حتى تبقى تحت سيطرتها، ولضم أجزاء من ممتلكات الدولة العثمانية لصالح الدول الأوروبية؛ تمهيدا للاستيلاء عليها بالكامل بعد سقوطها.

الكاتب


  • ماجستير في التاريخ، ليسانس آداب من جامعة القاهرة، حاصلة على دبلوم تربوي ودبلوم المعلومات والتوثيق، كاتبة في عدد من المواقع والصحف، من هوايتها القراءة والكتابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى