ثقافة ومعرفة

حرب الوردتين.. «صراع العروش» الحقيقي على التاج البريطاني

قبل قرون من الحرب الأهلية الإنجليزية، مزقت البلاد سلسلة أخرى من الصراعات المريرة بمنتصف القرن الـ15، عرفت باسم حرب الوردتين، وكانت عبارة عن صراعات للانفراد بالعرش، مدفوعة بالمنافسات العائلية الشرسة، التي آلت إلى موت الآلاف واختفاء بعض السلالات.

ما هي حرب الوردتين؟

أخذت حروب الورود اسمها من الرموز الشعارية للفصائل المتنافسة؛ الوردة الحمراء لمنزل «لانكستر» والوردة البيضاء لمنزل «يورك»، في حين كان كلا الفصيلين في الواقع منبثقا عن فصيلة «بلانتاجينيت»، التي أسسها نجلا «إدوارد الثالث» ملك إنجلترا بالقرن الرابع عشر.

وبعد نحو قرنٍ من الزمن، وفي عهد الملك «هنري السادس» تحولت المناوشات ما بين الفصيلين على الحُكم، إلى قتال دامٍ وعنف لم تشهده هذه المنطقة من قبل.  

اقرأ أيضًا: حرب الفوكلاند.. وكيف لعبت «تاتشر» على وتر القومية لكسب المعركة

أسباب حرب الوردتين؟ 

حرب الوردتين

اشتهرت فترة حكم الملك هنري السادس بالضعف، بالإضافة إلى معاناته مع نوبات الجنون، التي جعلته بشكل ما منفصلا عن الواقع في كثير من الأوقات، ما أدى إلى نشأة صراع حقيقي بين اثنين من مستشاريه؛ «ريتشارد»، دوق يورك، و«إدموند بوفرت»، دوق سومرست.

يورك ضد سومرست

كان ريتشارد، دوق يورك، رجلًا ثريًا للغاية، ومن هذا المنطلق، زعم أنه الأحق بعرش إنجلترا، خاصةً وأن الملك يعاني من اضطرابات عقلية، وهو ما تحقق له عندما مرّ الملك بتجربة سيئة مع اضطرابه العقلي، جعلته ينفرد تمامًا بالحُكم، حيث كان أول قراراته، وضع دوق سومرست في السجن.

وفي وقت لاحق، عاد الملك هنري لصوابه، وأدى انتعاش هنري السادس في وقت لاحق إلى انعكاس في ثروات يورك وإعادة سومرست إلى مكان نفوذ بجانب الملك.

معركة «سانت ألبانز»

وصلت التوترات إلى ذروتها في عام 1455، عندما اشتبك دوق يورك وقواته مع سكان لانكاستريين في معركة «سانت ألبانز» الأولى، التي تعتبر البداية الحقيقية لحرب الوردتين.

كانت مناوشة فوضوية وسريعة شهدت مقتل دوق سومرست نفسه، بالتالي أكد دوق يورك المنتصر موقعه في بلاط الملك، لكن إراقة الدماء في سانت ألبانز كانت تعني أن التنافس بين الفصيلتين أصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى.

زوجة الملك

شهدت إنجلترا فترة من السلام المضطرب بعد هذه المعركة، لأن زوجة هنري السادس، «مارجريت أنجو»، كانت تميل لفصيل لانكستر ضد يورك، حيث اعتبرت وصول دوق يورك لسُدّة الحكم تهديدًا صارخًا لصعود ابنها الأمير إدوارد للعرش.

بالتالي، شهد العداء بين الجانبين اندلاع المزيد من المعارك ومن ضمنها انتصار كبير لسكان يورك في معركة «نورثهامبتون» في عام 1460، والتي شهدت القبض على الملك هنري السادس نفسه.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكُن دوق يورك جاهزًا بشكل كامل لتوّلي مقاليد الحكم، فتم التفاوض على أن يعود الملك هنري السادس للحكم مجددًا، بشرط أن يخلفه دوق يورك، وهذا يعني أن نجل هنري ومارجريت، الأمير إدوارد، قد حُرم من الميراث.

لم تتقبل مارجريت وأتباعها من منزل لانكستر هذا الاتفاق، وحشدت قواتها الخاصة، مدعومةً من العاهل الإسكتلندي، وبعد شهرين فقط من حصوله على ملكيته المستقبلية، قُتل دوق يورك في معركة «ويكفيلد»، وتم تعليق رأسه على مسمار، مرتديًا تاجًا ورقيًا.

صعود إدوارد الرابع

حرب الوردتين
إدوارد الرابع.

في 1461، انتقل إدوارد الرابع إلى لندن، حيث أُعلن ملكًا، لكن قبل ذلك كان عليه أن يفرض سيطرته كاملةً على البلاد، ما استدعى تورطه في معركة ضد داعميه السابقين من لانكستر، وهو ما حدث حين حقق انتصارًا عسكريًا ضدهم في أحد أكبر معارك حرب الوردتين، والتي عرفت باسم معركة «توتون».

يُعتقد أن معركة توتون، كانت أكبر معركة على الأراضي الإنجليزية، حيث شهدت تورط القوات في ساعات من القتال اليدوي وسط عاصفة ثلجية، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، وانتهت بتتويج إدوارد الرابع في وقت لاحق من نفس العام ملكًا لإنجلترا كاملةً.

اقرأ أيضًا: ماري أنطوانيت.. الملكة المكروهة التي قادت فرنسا إلى الثورة

حرب الوردتين التي لا تنتهي

لم يكن تتويج إدوارد الرابع ملكًا لإنجلترا إعلانا لنهاية حرب الوردتين، فعلى الرغم من تأمينه عرشه في هذه الفترة، إلا أن أحد أهم مستشاريه أراد منه أن يتزوّج من أميرة فرنسية، لكن إدوارد كان قد تزوّج سرًا من سيدة تدعى «إليزابيث» من عائلة «وودفيل»، التي تعتبر من عامة الشعب.

الزواج في حد ذاته لم يكن مشكلة رئيسية، لكن صعود نفوذ عائلة وودفيل داخل البلاط الملكي أحبط معاوني الملك الجديد، ما جعلهم يتحالفون مع أعداء الماضي متمثلين في «مارجريت أنجو» ‑والدة الملك- التي استقرت في فرنسا، بغية الحد من تنامي نفوذ عائلة وودفيل.

وفي عام 1470، حشدت القوات المتحالفة ضد الملك، وخُلع إدوارد الرابع من الحكم، وأعيد تنصيب هنري السادس ملكًا للبلاد.

إخماد التهديدات

لم يرتض إدوارد الرابع بخلعه من العرش، بعد أن تذوّق طعم السلطة، فحشد جيشًا بعد ذلك بعام واحد لغزو إنجلترا، لتستمر سلسلة معارك حرب الوردتين، بانتصار جديد له، في معركة «توكيسبيري»، التي انتهت بقتل إدوارد ‑نجل الملك هنري ومارجريت أنجلو- ووفاة هنري نفسه بعد أسابيع قليلة في برج لندن، ويشير بعض المؤرخين إلى أن مسألة قتل الملك هنري السادس كانت مدبرةً من أجل إخماد أي ثورة متوقعة.

نهاية حرب الوردتين

حرب الوردتين
هنري تيودور، المعروف بـ«هنري السابع».

استمرت معارك حرب الوردتين لعقد آخر من الزمن، لكنها أصبحت أكثر عدائية مع وفاة إدوارد الرابع في 1483، وتوقع خلافة نجله «إدوارد الخامس» لعرشه.

لكن الصبي لم يتوج قط وبدلاً من ذلك، بدأت القصص تدور حول أن والده يجمع زوجتين، مما أدى إلى اعتبار إدوارد الخامس فجأة ملكا غير شرعي.

نتيجة لذلك، كان الشخص الذي وصل إلى السلطة بالفعل هو «ريتشارد الثالث» شقيق إدوارد الرابع، واختفى «إدوارد الخامس» وشقيقه الأصغر «ريتشارد شروزبري»، اللذان كانا يقيمان في برج لندن استعدادًا لتتويج إدوارد الملغى، في ظروف غامضة، ويُعرف هذا التاريخ باسم «الأمراء في البرج» المحكوم عليهم بالفناء، ويُعتقد عمومًا أنهم قُتلوا بناءً على أوامر ريتشارد.

اقرأ أيضًا: المحارب «رولو» وعلاقة الفايكنج الغامضة بملوك إنجلترا

ورود تيودور

اعتبر الكثيرون ريتشارد الثالث مغتصبًا للعرش، وانقطعت فترة ولايته مع صعود «هنري تيودور»، وهو عضو في سلالة لانكاستر نشأ في المنفى في فرنسا، والذي تعهد بتوحيد عائلتي لانكاستر ويورك بالزواج من إليزابيث يورك (ابنة إدوارد الرابع).

وفي معركة «بوسورث فيلد» عام 1485، هزمت قواته قوات ريتشارد الثالث، الذي أصبح آخر ملك إنجليزي يموت في حرب الوردتين.

انتهت حرب الوردتين بهذه المواجهة، وأصبح هنري تيودور يعرف بـ«هنري السابع»، حيث قام بالجمع ما بين الورود الحمراء والبيضاء من لانكستر ويورك لتشكيل شعار جديد؛ شعار ورود تيودور.

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى