د. أيمن عبدالعظيم يكتب: أحمد محجوب الرفاعي.. شيخ الفيوم الذي علم شيوخ الأزهر

تمهيد:

ليس عنوان (شيخ الفيوم الذي علم شيوخ الأزهر) عنوانًا دعائيًا يدفعك لأن تستزيد بقراءة المقال، وليس المقال صحفيًا يسعى إلى تسليط الأضواء على أحدهم هنا أو هناك، ولكنه عنوان صادقة يبين حقيقة، ومقال يستجلي الحقائق، فهذا الشيخ أحمد محجوب الرفاعي الفيومي، ولد بالفعل في محافظة الفيوم، وعلم حقًا كل شيوخ الأزهر وعلمائه في القاهرة، وأشهر الشيوخ في العالمين العربي والإسلامي.

هو شيخ الفيوم بلا شك، وشيخ الأزهر بلا منازع، أتقن كل فن من فنون العربية، ولمع اسمه في كل علم من علومها، كان نابغة عصره في علوم الثقافة العربية الإسلامية، فلا يخلو كتاب من كتب التراجم من ترجمة له موجزة أو مفصلة، وهو رائد مقدم عند أهل كل علم، وأستاذ في كل صنعة، ظاهرة فريدة مرَّ عليها الكتاب مرور الكرام، وما كان ينبغي لهم أن يمروا عليها مرور الكرام، بل كان ينبغي لهم أن يتوقفوا طويلا عند دراسة هذا الرجل.

جعلتُ من تراثِ الفيوم مشروعي العلمي الخاص، تأليفًا وتحقيقًا ودراسة وترجمة، وجعلت لذلك خطة منظمة لنشر هذه الأعمال، فلم تضطرب خطتي في نشرها إلا بأن صادفني ذكر هذا العالم الشيخ أحمد محجوب الرفاعي الفيومي الذي جعله الفقهاء إمامهم، وجعله النحاة أستاذهم، وجعلهم المحدثون سندهم، وجعله القراء شيخهم.

نشأته:

ولد الشيخ أحمد بن محجوب الفيومي في مديرية الفيوم، في قرية الصوافنة، سنة 1834م ــ 1250 هجرية ثم سافر إلى القاهرة مع عمته وهو وصغير القاهرة، فسكن مجاورًا للجامع الأزهر الشريف، قرأ القرآن الكريم بجامع المؤيد، ثم التحق بالأزهر طالبًا بين طلابه([1])، ولكن الأيام أثبتت أنه لم يكن مجرد طالب بين طلابه.

أساتذته:

تتلمذ الشيخ طالبًا في الأزهر الشريف محتفيًا بأساتذته الأعلام، مرتبطًا به أشد الارتباط، حتى قيل إنه كان يجلس  بين يدي شيخه الجليل العالم مصطفى المبلط المتوفى سنة 1867م ،، وتلقى منه علوم الحديث الشريف، وكان يجلس أمامه محسنًا الاستماع، حتى حفظ صحيح البخاري كاملا، وكان الشيخ المبلط رحمه الله يكثر من شرحه وقراءته([2]).

 وإذا كان شيخنا أحمد بن محجوب قد أخذ علوم الحديث الشريف عن المبلط فإنه نهل غيرها كثيرًا من العلوم عن أساتذته الأجلاء الآخرين الذين أخذ عنهم ،، كالشيخ محمَّد عليش والشيخ محمَّد الغلماوي والشيخ إبراهيم السقا ،، والشيخ أحمد الإسماعيلي والشيخ أحمد منة الله المالكي والشيخ محمَّد الأشموني والشيخ الدمنهوري والشيخ منصور كساب العدوي والشيخ أحمد كابوه العدوي.([3])                                     

الشيخ أحمد بن محجوب أستاذًا في الأزهر الشريف

وإزاء نبوغه وتفوقه في علوم الإسلام واللغة العربية، قررت إدارة الأزهر تعيينه أستاذًا في الأزهر الشريف، ظنًا من الإدارة وقتئذٍ أنه سيقوم بالتدريس في علم واحد من العلوم، ففاجأهم ببراعة فريدة في التدريس، كشف بها شيخنا عن علم غزيز لا يُوصف، ونشاط دائب.

أــ علوم الحديث الشريف:

 وكان طلاب كل علم يرونه أستاذهم الأول في هذا العلم الذي يطلبونه، فهؤلاء ــ على سبيل المثال ـ طلاب علوم الحديث، يؤكدون شهرته في قراءة كتب الأحاديث وشرحها، وعن ذلك بالتحديد يذكر الدكتور الدكتور أسامة الأزهري: في كتابه أسانيد المصريين: (وكان رحمه الله تعالى قائمًا بإقراء الحديث الشريف([4])، معنيًا بذلك، مشهورًا به، فقال عنه تلميذه: محمد البشير ظافر الأزهري:كان مواظبا على قراءة كتب الحديث كالموطأ والصحيحين والكتب الستة([5])

ب ــ علوم النحو والصرف:

 أما في علوم اللغة العربية، والنحو والصرف منها بخاصة، فقد لمع نجم شيخنا، حتى ذكر اسمه في كتب علماء النحو والصرف في العصر الحديث على رأس كل قائمة تضم علماء النحو والصرف في الأزهر الشريف، وكثر ذكره في كتب التراجم بوصفه (فقيهًا نحويًا من المالكية)([6]).

 ترجم له الدكتور إميل يعقوب في كتابه موسوعة اللغة العربية، ثم كتابه، المعجم المفصل في أقوال اللغويين العرب، ذاكرًا أهم مؤلفاته في علم النحو علم الصرف([7]).

 وكذلك عبدالحميد محمد الأنصاري في كتابه الطرة:عن توشيح لامية الأفعال لابن مالك، إذ يذكر أن من بين كتب الحواشي في الصرف النحو كتاب حاشية أحمد الرفاعي على كتاب بحرق الحضرمي الصغير، يقول عنه: فقيه مالكي من النحاة.([8])

ج ــ علوم الفقه:

أما في علم الفقه، والفقه المالكي بخاصة، فيضعه الشيخ محمد محمد مخلوف في كتابه ضمن الطبقة الثالثة من فقهاء المالكية قائلا عن: هو أبوالعباس أحمد بن محجوب الفيومي الرفاعي، وبه اشتهر، وهو العالم العلامة الفقيه المحقق الفهامة، كان مواظبًا على قراءة الحديث دؤوبًا على التدريس لا يعرف الكسل ولا الملل) ([9]) ولذلك وردت ترجمته في كثير من كتب تراجم علماء الفقه الإسلامي([10])

د ــ علوم القراءات:

 وبرع الشيخ أحمد محجوب الرفاعي كذلك في علوم القراءات، فقال عنه صاحب كتاب الأعلام الشرقية: «أحمد بن محجوب الرفاعي: أتقن التجويد، وعين شيخًا على المقارئ المصرية، وكان مولعا بختم القرآن الكريم، وكان عالما بارعا، إماما محققا، تقيا صالحا، مواظبا على الصلاة مع الجماعة، دؤوبًا على التدريس ونصح الخلق لا يعرف الكسل ولا الملل([11]) ولإتقانه فن التجويد والقراءات لقب بشيخ المقرئين([12]) وبقي ذكره طويلا بعد موته بوصفه شيخا على المقارئ المصرية، حتى إن معركة فكرية وقعت بين القراء حول جواز الجمع بين القراءات، دعا فيها أحد القراء شيخ المقارئ حينئذٍ إلى التأسي والاقتداء بالشيخ أحمد الرفاعي شيخ المقارئ الأسبق الذي لم يمنعه كثرة اشتغاله بالتدريس والإدارة عن الاستزادة في العلم، حيث إنه لما عين شيخا على المقارئ المصرية وجد بعض التلاميذ يحسن القراءات ويحفظ الشاطبية، فحفظ الشاطبية في سن كبير([13])

هـ ــ علوم التصوف:

 وفي التصوف أيضًا كان شيخنا علمًا من أعلام التصوف الإسلامي في العصر الحديث، وكان يلقب باسم سيدي أحمد محجوب الرفاعي، ونقلت عنه كثير من العبارات المأثورة في كتب شيوخ التصوف([14])

 

تلامذة الشيخ أحمد بن محجوب

إذا كان من الممكن أن نقدم عرضًا موجزًا لنشأة الشيخ أحمد محجوب وتعليمه وأساتذته وجهوده التدريسية ونبوغه العلمي فإنه من الصعب جدًا أن نقدم عرضًا موجزًا لتلاميذه، فالرجل عمل أستاذًا في الأزهر لمدة طويلة، ونبغ في علوم كثيرة، لذلك فإن تلاميذه أكثر من أن يذكرهم مقال أو تحصيهم دراسة مستقلة، وبخاصة أن تلاميذ الأزهر يفدون من كل حدب وصوب.

لكنَّ إشاراتٍ موجزةً نذكرها الآن في هذا المقال توضح شيئا مهمًا عن تلامذة الشيخ أحمد محجوب الرفاعي، فأحد تلامذته وهو الشيخ محمد ظافر يقول: (وكيفما قلبت طرفك في علماء الأزهر، لا تجد إلا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته، ويمكنك أن تستثني الشربيني والبشري، ثم تقول إن كل الأزهريين عيال عليه في العلم([15])

 وإذا كان الأستاذ الجليل يقوم به تلميذ نجيب فإن نظرة سريعة في أسماء تلاميذ شيخنا تبين لنا أنَّ «من بين تلامذته الشيخ محمَّد عبده شيخ الأزهر، والشيخ محمَّد بخيت مفتي الديار المصرية، والشيخ محمَّد أبوالفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في الفترة من 1907 ــ 1928، والشيخ محمَّد حسنين العدوي وكيل مشيخة الأزهر، والشيخ محمَّد النجدي الشرقاوي شيخ الشافعية، والشيخ محمَّد البشير، والشيخ محمد ظافر وغيرهم([16])

 وكذلك من تلامذته النابغين الشيخ يوسف الدجوي العلامة المفسر كان يروي الأحاديث والتفسير عن أستاذه الشيخ أبي العباس أحمد بن محجوب الفيومي([17]) ومن تلامذته الشيخ الجليل أحمد أبوخطوة([18])

 ومن تلاميذه الذين رووا عنه الحديث طه بن يوسف الشعبيني المصري يروي عن الشهاب أحمد بن محجوب الرفاعي عن مصطفى المبلط([19]) وكذلك «من تلامذته الشيخ أحمد نصر العدوي المالكي الذي كان يروي عن الشهاب أحمد بن محجوب الرفاعي صحيح مسلم سماعًا من لفظه حتى آخر كتاب النكاح وكذلك سمعت عليه كثيرًا من سنن أبي داوود([20]) وكذلك روى عنه الأحاديث كل من عبدالرحيم الأسيوطي الأسيوطي الجرجاوي، ويوسف بن محمد شلبي الشبرانجومي([21]) وكذلك من تلاميذه الشيخ أحمد مصطفى المراغي صاحب تفسير القرآن الكريم([22])

 أما تلاميذه في خارج القطر المصري فهم أكثر أيضًا من أن نحصيهم أو نذكرهم حتى في عجالة، ولكننا نكتفي هنا بما أكده بعض هؤلاء التلاميذ احتفاءً بشيخهم أحمد محجوب الرفاعي، فالعالم التونسي الكبير الشيخ محمد الكافي غادر الأزهر سنة 1899 بعد أن قرأ فيه عشر سنوات على يد علمائه الذين كان من أبرزهم الشيخ أحمد محجوب([23]) ومن تلامذته أيضًا الشيخ أبوشعيب الدوكالي العالم المغربي الشهير الذي تعلم على يد أحمد بن محجوب الرفاعي([24])

 

أعمال الشيخ أحمد بن محجوب في الأزهر الشريف

 قلنا إنه إزاء نبوغ أحمد بن محجوب طالبًا في الأزهر قررت إدارة الأزهر الشريف تعيينه مدرسًا في الأزهر، ظنًا من الإدارة وقتئذٍ أنه سيقوم بالتدريس في علم واحد من العلوم فحسب، ففاجأهم ببراعة فريدة في التدريس، كشف بها شيخنا عن علم غزيز لا يوصف، ونشاط دائب لا يُوقف.

 فلم يكن شيخنا مجرد شيخ بين شيوخ الأزهر، فمنذ اللحظة الأولى لعمله في الأزهر جذب الانتباه إلى جده ونشاطه، حتى وصفه إبراهيم رمزي في إشارة سريعة قائلا: «إن الشيخ أحمد بن محجوب الفيومي من قرية معصرة عرفة بالفيوم من كبار مدرسي الأزهر الشريف»([25]) أما عن اجتهاده في العمل، وإخلاصه للأزهر الشريف، فيعرض ذلك أحمد باشا تيمور في شيء من التفصيل قائلًا: «وكان من عادته ألا يقطع الإقراء طوال السنة، ولا يسامح في أوقات المسامحات، ولا يقعده عن الاشتغال عن التدريس إلا المرض، فقرأ الكتب المتداولة مرارا، ومهر فيها بسبب كثرة اشتغاله، حتى صار المستعصي منها عنده بمنزلة السهل عند غيره، وأتقن فن التجويد، فجعل شيخا على المقارئ مدة طويلة([26])

وإذا كانت كتب التراجم قد اختلفت في تحديد مدة عمله في الأزهر بين ثلاثين عامًا كاملة أو ثلاثة وخمسين عاما كاملة([27]) فإنها قد اتفقت جميعها على ذكر جده واجتهاده، وبين دأبه وإخلاصه. ولذلك لم تلبث إدارة الأزهر أن عينت عالمنا شيخًا لرواق الفيمة لفترة طويلة([28])

وبوصفه من كبار شيوخ المذهب المالكي فقد اختارت إدارة الأزهر شيخنا أحمد بن محجوب عضوا في اللجنة العلمية التي تمتحن الطلاب وتمنحهم درجة (العالمية) نائبا عن فقهاء المالكية، وكان أشهر هذه الامتحانات التي عقدتها هذه اللجنة امتحان العالمية الذي اجتازه الشيخ أحمد أبوخطوة([29]) وكذلك كان الشيخ أحمد الرفاعي عضوا في اللجنة العلمية التي امتحنت الشيخ محمد حسنين مخلوف ساعات طويلة في رسالته التي تقدم بها لنيل درجة العالمية([30]) كما كان عضوًا في لجنة الأزهر للتحقيق في المخالفات التي تقع من بعض المشايخ القراء([31]) وإزاء هذه الأعمال الإدارية الجليلة لم يلبث شيخنا أحمد محجوب الرفاعي أن عين عضوًا في مجلس إدارة الأزهر([32]) كما انتخب الشيخ أحمد محجوب عضوًا في اللجنة العليا التي تختبر المتقدمين للتدريس في الأزهر الشريف بعد التأكد من صلاحيتهم العلمية للتدريس([33])

 وعند قام الخديوي عباس حلمي الثاني بعزل شيخ الأزهر سليم البشري عن المشيخة قام الخديوي على الفور بترشيح أحمد بن محجوب الرفاعي شيخًا على الأزهر الشريف، وكاد الأمر يتم له لولا أنَّ عوارض اعترضت ذلك([34])

ألقابه وصفاته المشهورة

 حاز شيخنا  في مسيرته العلمية كثيرًا من الألقاب، وألقابه الكثيرة نقطة لا بد من تناولها، بشيء من التوضيح، لما في ذلك من بيان وإجلاء لهذه الألقاب وتفسير لأسبابها، بعض هذه الألقاب يتصل بشخصه، وبعضها الآخر يرتبط بمسيرته العلمية، فشيخنا اسمه أحمد بن محجوب، وكنيته أبو العباس، ولقب بالفيومي انتسابًا إلى الفيوم الواقعة جنوب غرب القاهرة، أما لقب (الرفاعي) فهي كلمة تصيب قارئها باللبس، وتذهب بها إلى الطريقة الرفاعية في التصوف، ولكن الرجل كان قد انتقل طفلا من الفيوم إلى القاهرة، ثم أقام شخصيته العلمية أستاذا في الأزهر دون ارتباط في نشأته الأولى بالطرق الصوفية، حتى إن كان يحظى بتقديرها الشديد، ولذلك فلا أطمئن لتفسير كلمة الرفاعي انتسابًا  منه إلى الطريقة الرفاعية الصوفية، وبخاصة أن أحد المؤرخين قد أكد أن «الفقيه المالكي المصري أحمد بن محجوب الرفاعي، يلقب بالرفاعي نسبة إلى الصحابي رفاعة بن زيد بن جذامة» ([35])

 أما ألقابه العلمية فهي متعددة تعدد  مجالات نبوغه في العلم، فهو ــ كما ذكرنا ــ (العالم العلامة المحقق الفهامة) عند علماء اللغة،  وهو الشيخ (الشهاب) عند علماء الحديث، وهو(الفقيه) عند علماء الفقه، وهو (شيخ المقارئ المصرية) عند رواد علم القراءات،  وأحيانا يلقبه البعض بـ (الماجد الهمام الشيخ) ([36])ولذلك كان جديرًا أن «تلقبه مجلة الأزهر بشيخ مشايخ الأزهر الشريف»([37])

الخديوي عباس حلمي الثاني والشيخ أحمد بن محجوب الرفاعي

 ولكن أحمد تيمور باشا قد اهتم كثيرًا بموضوع نية الخديوي عباس حلمي الثاني تعيين الشيخ أحمد محجوب الرفاعي شيخا للأزهر الأشريف، فيذكر هذا غير مرة، في كتابه أعلام الفكر الإسلام في العصر الحديث، وكذلك في بعض مقالاته التي نشرتها مجلة الرسالة([38])

 فلما عزلَ الشيخ سليمًا البشري عن الأزهر في 2 من ذي سنة 1320 هجرية وأراد الخديوي إرجاع الشيخ حسونة النواوي أو تنصيب الشيخ محمد بخيت، ولم يرض النظار، رشح المترجم واستدعاه، وأعلمه بانتخابه له، فعاد الشيخ إلى داره جزلا، وأشاع الأمر، وهيأ السكر لشراب المهنئين، والرمل الأصفر لفرشه بصحن الدار، وكاد الأمر يتم له، لولا أن بعض مبغضيه من المقربين للخديوي صرفه عن توليته، وذكر عنه هناتٍ الله أعلم بها، فعدل الخديوي عن تنصيبه، إلا أنه التمس لنفسه مخرجا من وعده الذي وعده به، فأعمل بعض المقربين الحيلة، واستدعوه بحضرة الخديوي، وسألوه عن قبوله للتولية، فقال لهم: نعم، ولاني مولاي وقبلتُ، فأخذوا يذكرون صعوبة مراس أهل الأزهر، والمشاق التي يعانيها شيخ الأزهر لإخضاعهم، ولمحوا له بأنهم لا يظنون أنه يقوى عليهم، فقال: ومن أهل الأزهر؟ أنا أدوسهم بقدمي، فقالوا: إنك ستكون مع الشيخ محمد عبده والشيخ عبدالكريم سلمان العضوين في مجلس إدارة الأزهر، فهل ترضى بأن يشاركاك في الإدارة؟ وكيف يكون شأنك معهما؟ فقال: كلا، لا أرضى بأن يشاركاني، بل أشترط لقبول التولية عزلهما، وهما عندي كافران لا يوثق بهما، فاستغرق الخديوي في الضحك، وقال: شرطك لا يمكن تنفيذه، ونحن نريحك من رئاسة الأزهر، ونعوضك عنها بشيء نجريه عليك من الأوقاف، فأسقط في يده، ورضي مرغمًا ثم صرفوه([39]).

 من الواضح في هذه القصة أن الشيخ كان على وشك أن يعين شيخا للأزهر الشريف، ويبدو أن أحمد تيمور باشا تأثر لذلك كثيرًا، وكان راضيا بأن يعين أحمد بن محجوب شيخًا للأزهر الشريف، فعرض تلك القصة ونشرها غير مرة، بل زاد على ذلك أن قال: «إن الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد سعى عند الخديوي عباس إلى عدم تعيين الشيخ أحمد بن محجوب وأن يعين مكانه الشيخ علي الببلاوي شيخًا للأزهر الشريف)([40])

الأيام الأخيرة من حياته

اجتمعت إذن على شيخنا عوارض الدهر، وخالفته الظروف بأن حرم من مشيخة الأزهر، وهو المستحق أن ينال المشيخة كاملة، إما لعلمه، وإما لإخلاصه للأزهر، وإما لطول سنوات تدريسه، وإما لجدارته في شؤون إدارة الأزهر، ولكن العوارض والمؤامرات التي واجهته كانت أكبر من أن يواجهها، فعاد إلى عمله الذي يحبه أستاذًا في الأزهر الشريف، سعيدًا بالعلم، راضيًا بالعمل، محبوبًا  مقدرًا من العلماء والطلاب، مفضلا الابتعاد عن كلام الناس.

ثم وقعت منه في أواخر أيامه زلة، قيل إنه تصرف في وقف بغير وجه شرعي، ولكن الله لطف به، فلم يقع منه بسبب ذلك غير فصله من المقارئ، وكثرت غمومه وهمومه لما لاكته الألسنة في هذه المسألة، فانقطع عن التدريس لمرض أصابه، إلى أن توفي بعد ظهر يوم الاثنين 18 صفر 1325 هجرية ودفن يوم الثلاثاء، وأذنوا له على المآذن كالعادة في موت كبار العلماء، عاش خمسًا وسبعين سنة، ودفن بالقاهرة([41]).

بعض مقولاته المأثورة

على الرغم من أنه قد مضت على وفاة شيخنا مدة تصل الآن إلى قرن وثلاثة عشر عامًا، إلا أن تراثه ما زال حيا بيننا في  عباراته المأثورة، أو في مؤلفاته المشهورة.

ويذكر علماء التصوف وشيوخه من العبارات المأثورة «عن أحمد محجوب الرفاعي رحمه الله تعالى الرحمة الواسعة، أنه كان يقول: لا يبلغ الفقير مقام الكمال حتى يصير يرضى أن يضاف إليه سائر النقائص التي في إخوانه، ويستر إخوانه رضا بعلم الله تبارك وتعالى، وإيثارا لهم على نفسه، وإن تأثر من حيث دين نقص المنقصين» ([42])

ويروي الفقهاء ورواد علم الحديث: (رحم الله الشيخ أحمد الرفاعي فإنه قال قولة عظيمة، تدل على مقام حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصه الكامل على اتباع سنته، قال: لو بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمرنا بقص الأعناق، لقصصناها اتباعا وامتثالا لأوامره صلى الله عليه وسلم)([43])

تراث الشيخ أحمد بن محجوب الرفاعي

 ترك الشيخ أحمد بن محجوب الرفاعي كثيرًا من المؤلفات، وما وصل إلينا منها يقع أكثره في علوم اللغة العربية من  نحو وصرف وبلاغة وعروض والعلوم الإسلامية من حديث وفقه([44])، وما وصل إلينا من مؤلفاته:

1ــ حاشية على شرح بحرق على لامية الأفعال لابن مالك([45])

2 ــ تقرير على المطول             3 ــ تقرير على السعد

4 ــ تقرير على الأشموني           5 ــ تقرير على جمع الجوامع في أصول الفقه لتاج الدين السبكي

6ــ حاشية على منظومة الصبان في العروض  7 ــ تقرير على المقولات

 وفوق هذه المؤلفات ترك لنا الشيخ من تراثه كثيرا من أعمال المراجعة والتدقيق، يأتي على قمتها، مشاركته في تدقيق ومراجعة الطبعة السلطانية للجامع الصحيح للإمام البخاري، وهي الطبعة التي أمر بها السلطان عبدالحميد الثاني، ونفذتها المطابع الأميرية المصرية سنة 1313 هجرية، فورد اسمه في مقدمة هذه الطبعة ممثلا عن علماء المالكية، بين ستة عشر عالمًا من علماء الأزهر الشريف دققوها وراجعوها وأعدوها للطباعة؛ استجابة للأمرالسلطاني، وهي أكثر الطبعات دقة ومراجعة، وعليها الاعتماد فيما تبعها من طبعات إلى يومنا هذا.

رحم الله الشيخ أحمد محجوب الرفاعي الفيومي، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل جهوده في خدمة العلم والدين في ميزان حسناته، رحم الله أحمد بن محجوب الرفاعي العلامة الفقيه، شيخ الفيوم الذي علم كل شيوخ الأزهر.

المراجع

[1]ــ د.يوسف المرعشلي: نثر الجواهر والدرر في علماء  القرن الرابع عشر، دار المعرفة، بيروت، المجلد الأول، سنة 2006 صـــ 164

[2]ــ    وانظر كذلك :أحمد الجابري: الدرس الحديثي المعاصر، صـــ 121إبراهيم شعبان المرشدي: المدثون في رحاب الأزهر الشريف، كشيدة للنشر والتوزيع، القاهرة، صـــ 92

[3]ــ محمد محمد مخلوف :كتاب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، دار الكتب العلمية بيروت، الجزء 1 صــ 586 وصـــ 587

[4]ـــ أحمد الجابري: المرجع السابق 121

[5]ــ أسامة الأزهري: أسانيد المصريين، دار الفقيه سنة 2014 صـــ 286 وانظر طبقات المالكية: اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب أهل المدينة، دار الآفاق العربية، القاهرة، سنة 2000 صــ 78

[6]ـــ انظر أبوالطيب مولود السريري السوسي: معجم الأصوليين، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 2002 صــ 109 وانظر كتاب: خير الدين الزركلي، معجم الأعلام، الجزء الأول، صــ 202

[7]ـــوهو نفسه في كتاب اميل نفسه: المعجم المفصل في أقوال اللغويين العرب الجزء 1 والجزء 2 وموسوعة اللغة العربية، الدكتور إميل يعقوب، الجزء الأول، دار الكتب العلمية، بيروت، صــ 260

[8]ـــ  الحسن ولد زين الشنقيطي: الطرة توشيح لامية الأفعال لابن مالك، بخياطة وترشيح محمد سالم ولد عدود، تحقيق عبد الحميد بن محمد الأنصاري، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 2018 صـــ 99

 

[9]ــ محمد محمد مخلوف :كتاب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، دار الكتب العلمية بيروت، الجزء 1 صــ 586 وصـــ 587

 

[10]ـــ  أبو الطيب مولود السريري السوسي: معجم الأصوليين – يحتوي على علماء أصول الفقه وأصحاب الآراء فيه والمؤلفين فيه، وقد وردت فيه ترجمة أحمد الرفاعي ص 107

 

[11]ــ زكي محمد مجاهد:الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية من 1301 هجرية إلى 1365 هجرية، الجزء الأول،  د.د.ن، القاهرة 1949 صـــ 264

[12]ـــ عبدالسلام بن محمد علمي: اللؤلؤة الفاشية في الرحلة الحجازية، وهي وقائع رحلة حج الإمام أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني عام 1321هجرية دار ابن حزم، القاهرة، 2010 صـــ 162

[13]ــ خليل محمد غنيم الجنايني: كتاب البرهان الوقاد في الرد على ابن الحداد صــــ 44

[14]ــ أبوالمواهب عبدالوهاب بن أحمد الشعراني: المنن الكبرى المسمى لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق، صـــ 323

 

[15]ـــ كتاب أسانيد المصريين صـــ 185 وكتاب اليواقيت الثمينة صـــ 63

[16]ــ وليد الزبيري: الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والنحو واللغة، دار الحكمة، لندن، 2003 صـــ 263

[17]ـــ  إمداد الفتاح في أسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح صــ 295

[18]ــ أحمد تيمور باشا: أعلام الفكر الإسلامي الحديث، صــــ 121     وانظر نثر الجواهر والدرر في علماء  القرن الرابع عشر د.يوسف المرعشلي دار المعرفة بيروت 2006 صــ 86              

[19]ـــ أحمد بن محمد بن الصديق: المعجم الوجيز للمستجيز، راجعه وصححه: أبوالفضل عبدالله الصديق، مكتبة القاهرة، 1994صــ 12

[20]ــ أحمد بن محمد بن الصديق:المرجع السابق صــ 5

[21]ـــ محمد ياسين بن محمد عيسى الفاداني: بلوغ الأماني في التعريف بشيوخ وأسانيد مسند العصر، دار قتيبة، القاهرة، سنة 1988 صـــ 186

[22]ــ فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي:  منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، الرياض، سنة 1983 صـــ 208

[23]ـــ محمد محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994الجزء الرابع، صــ 144 وانظر كذلك د.يوسف المرعشلي، كتاب نثر الجواهر والدرر في صـــ 1543

[24]ــ عبدالكريم فيلالي: التاريخ السياسي للمغرب الكبير، المجلد 9، صــــ123 سنة 2006

[25]ـــ إبراهيم رمزي: تاريخ الفيوم، مطبعة الفيوم، 1894م صــ

[26]ــأحمد تيمور باشا: أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، دار الآفاق العربية، القاهرة، سنة 2003صــــ 83

[27]ــ خير الدين الزركلي: الأعلام؛ قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دارا لعلم للملايين، بيروت لبنان، 1998 الجزء الأول، صـــ 202

[28]ــ عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين مؤسسة الرسالة، الجزء الثاني، القاهرة، 1993م صـــ 57

[29]ــ أحمد تيمور: من أعيان القرن الرابع عشر، مجلة الرسالة، عدد 54،  الصادر في 16 يوليو 1934م

[30]ــ محمد حسنين مخلوف العدوي: الحاشية الثانية على الجواهر المنتظمات في عقود المقولات، دار الكتب العلمية بيروت، 1971 صـــ 4

[31]ــ محمد المختار بن عابدين الشنقيطي: تبكيت المالكي الهاتك حجاب المذهب المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت، صـــ 89

[32]ــ  زكي مجاهد: الأعلام الشرقية، مرجع سابق، صـــ

[33] ــ جورج جندي: إسماعيل كما تصوره الوثائق الرسمية، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، سنة 1947، صـــ 128

[34]ــ أحمد تيمور: المرجع السابق،  صـــ 85

[35]ــ محمد عبد القادر بامطرف،  كتاب الجامع؛ جامع شمل أعلام المهاجرين المنتسبين إلى اليمن وقبائلهم، دار الرشيد للنشر، صــ 112

[36]ــ  عبدالحفيظ بن محمد الطاهر بن عبدالكبير الفاسي: معجم الشيوخ المسمى رياض الجنة، دار الكتب العلمية، بيروت، صـــ 62

[37]ــ مجلة الأزهر الشريف، المجلد 55 الأعداد(10_12) صـــ 1536

[38]ــ  أحمد تيمور باشا: مجلة الرسالة، سنة 1954

[39]ــ أحمد تيمور باشا: أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، دار الآفاق العربية، القاهرة، 2002صــ 107 وصــ 108

 

[40]ــ أحمد تيمور باشا: من أعيان القرن الرابع عشر، مجلة الرسالة، عدد 52 الصادر في 2 يوليو 1934

[41]ــ أحمد تيمور: أعلام الفكر الإسلامي الحديث، صــــ 109

[42]ــ أبوالمواهب عبدالوهاب بن أحمد الشعراني:المنن الكبرى المسمى لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق، صـــ 323

[43]ـــ محمد بن محمد بن الحسن الميموني، تعريف الأقران بأحكام سجود القرآن صــ 222 وانظر كذلك كتاب ضوء الشمس على حديث بني الإسلام على خمس، الجزء الأول صـــ 187

[44]ـــ كتاب: جامع الشروح والحواشي، جزء 2، عبد الله محمد حبشي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإمارات، صـــ 877 وانظر الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة صـــ 263 ــ 264 وانظر كذلك نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر وبذيله عقد الجوهر في علماء  صـــ 162

 

[45]  ــ هي أشهر مؤلفات الشيخ أحمد محجوب بين أعماله المنشورة، وهي حاشيته على شرح العلامة بحرق اليمني للامية الأفعال لابن مالك، وكان الشيخ أحمد بن محجوب قد أعدها للنشر، وقام بطباعتها بالفعل، ونشرتها المطبعة الوهابية في القاهرة سنة 1877م وجاءت في 78 صفحة  وظلت تطبع وتنشر في طبعات كثيرة آخرها أن نشرتها مطبعة مصطفى البابي سنة 1928 أي بعد وفاة الشيخ بأربعة عشر عاما

الكاتب

DMCA.com Protection Status