ثقافة ومعرفة

رغبة في العدالة.. لماذا ننسى ولكن أحيانًا لا نسامح؟

غالبا بعد تعرضك لموقف صعب على يد أحد الأشخاص الذي كنت تظُن أنه آخر من يمكنه إيذاؤك، تشعر وكأن الكوكب بأسره يرغب في أن يخفض من وطأة حزنك، تجد أبويك يطالبانك بأن تنسى الموقف السيئ، بل تتجاوزه بأن تسامح من آذاك، وبطريقة مثيرة، تجد كل ما يحيط بك يدعوك لنفس الفكرة، برامج التلفاز، منشورات فيسبوك، تغريدات تويتر وحديث مقتضب مع غريب شاركته نفس وسيلة المواصلات.

الجميع يؤكد أنه يجب عليك أن تنسى الأذى الذي سببه لك الخطأ، ثم تسامح من أخطأ في حقك، في الأغلب لا تجذبك هذه الفكرة وإن كانت هادئة وحكيمة، فهل نحمل بداخلنا ما يدفعنا للحفاظ على الضغينة والرغبة في الانتقام تجاه من أضرّونا من قبل؟

تاريخ موروث

تخبرنا دكتور بيني سبيكينز، عالمة الآثار بجامعة يورك، بأن محاولات أجدادنا القدامى عبر الزمن للحفاظ على الحقد والضغينة تجاه بعضهم البعض هي السبب الأول والرئيسي في تشكيل الحضارات بمعناها المفهوم حاليا.

فسرت سبيكينز افتراضها ذلك بأنه قبل حاولي 100 ألف عام، كان البشر يعيشون بمجموعات متناهية الصغر، تقتات على الصيد وجني الثمار، أثناء فترة ما يعرف بمحاولات الإنسان للنجاة، لكن فجأة، وبعدما قلت الموارد، لجأ الإنسان القديم لحل الزراعة، التي آلت بدورها إلى تقاطع البشر وتشاركهم الأدوار من نفس منطلق النجاة.

هنا تحديدًا أضحى على الإنسان أن يتقبل فكرة الاعتماد على غيره من أجل أن يبقى على قيد الحياة، لأن الحياة أصبحت سلسلة متصلة ببعضها البعض، وعمل كل فرد بداخلها ما هو إلا ترس واحد داخل الماكينة. في هذه الأثناء، ظهرت الخيانة، بالتالي الرغبة الفطرية للانتقام من الخائن ومعاقبته.

«إذا كانت هنالك مجموعة من البشر تريد إلحاق الضرر بك، غالبًا ستلجأ لحل الهروب نحو مكان حتى وإن كنت تجهل ما أنت مقبل عليه».

-دكتور بيني سبيكينز

بالفعل كان ذلك أثرًا سلبيا على الموروث التاريخي الذي انتقل إلى الأبناء، والذي أصّل فكرة عدم الثقة في المجتمع المحيط، والرغبة الحثيثة في الابتعاد عن الأشخاص السيئين، لكنه في نفس الوقت، وبسبب نفس الرغبة في الابتعاد، جعل الإنسان يحاول أن يبتعد قدر الإمكان عن مناطق التجمُّع التي قد تعرضه للتصرفات التي يكره، بالتالي خاطر وذهب نحو أراضٍ جديدة، فاكتشف الأمريكتين مثلا.

توازٍ

«بوجود الضغينة قائمة، نشعر ‑نحن الأشخاص الذين تمت الإساءة لهم- بأننا على الأقل نعرف من نحن، بالفعل يحمل الأمر وقعا سيئا علينا، وقد يبدو شعورا كريها، لكن على الأقل يحافظ على فكرة الحق والصلابة بداخلنا».

-نانسي كولير، المختصة بعلم النفس.

غالبا يشعر من تمت الإساءة له بأنه ضحية، يحتاج لمن يسمعه، وأحيانا لمن يقتص له، ببساطة يرغب دون تصريح حتى بأن تقام العدالة على الأرض، حيث يعاقب من يخطئ على قدر خطئه.

أضافت كولير بأنه أثناء محاولات العلماء التأكد من فكرة دور الضحية في ترسيخ مبدأ عدم الغفران تجاه أي مخطئ، تم ضبط تجربة على عينة من البشر، حيث تم إنشاء لعبة ما، تعامل بداخلها فئة ما بشكل سيئ للغاية بل وتتعرض للظلم، وفي نهاية اللعبة تتم مكافأة الفريق المنافس بجوائز ضخمة، ما يثير شعور الفئة الأولى بالشفقة تجاه نفسه.

وجد الباحثون أن من شعروا بالظلم لديهم ميل للعب دور الضحية اجتماعيا، كما أنهم أكثر عرضة للموافقة على الانتقام عبر سرقة الجوائز التي تحصل عليها الفائز داخل التجربة، إرساءً لما يروه عدالة غابت.

بنفس الصدد، نشرت دراسة بجامعة لندن، حاول من خلالها فريق البحث الوصول لحقيقة تعاطف مجموعة عشوائية من البشر تجاه البعض الآخر، وجاءت النتائج بأن معظم الرجال يتجنبون إظهار التعاطف مع المخطئ، بل إنهم أكثر عرضة للحث على معاقبته بالحجم المناسب لفعله.

بالعودة مرة أخيرة لسؤالنا، فنحن ننسى في الأغلب لأن ذاكرة البشر مصممة بديهيا لتستوعب قدرًا محددًا من الذكريات، التي تطغى ‑في الأغلب- الجيدة منها على السيئة. لكننا لا نسامح أحيانًا لأنه فور أن تستدعي ذاكرتنا الانتقائية موقفا سيئا تعرضنا له، يتم تحفيز الرغبة في الانتقام التي ذكرت أعلاه، لأنه وبما أن الضغينة قائمة، تظل هنالك فرصة لإرساء مبدأ العدالة عبر الانتقام، حينها فقط قد ننسى، وإلا نظل عالقين داخل الشعور بالظلم.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى