ثقافة ومعرفة

زنوبيا.. الملكة المحاربة التي كسرت شوكة الإمبراطورية الرومانية

وقف القائد أوريليان بين حشوده من جنود الإمبراطورية البيزنطية يتطلع إلى معسكر الأعداء، يراقب باهتمام تلك المرأة المتحدية التي تتنقل بين فرسان تدمر وتلقي الأوامر هنا وهناك، وفكر بعمق في خطة يكسر بها شوكتها وينهي بها المعركة ليستعيد ما سلب منه، وكان يدرك يقينا أنها لم تكن امرأة عادية، إنها خليط من الجمال والحكمة والذكاء وشدة البأس والقيادة، لقد كانت الملكة زنوبيا.

ربما تكون زنوبيا هي الأنثى الوحيدة التي استطاعت بعبقريتها الفائقة النفاذ من فترات التراخي والذل، المفروضتين على جنسها من الإناث في ذلك الوقت..

المؤرخ البريطاني «إدوارد جيبون»

زنوبيا

بالآرامية «بات زباي» أي بنت زباي، باليونانية «سبتيما زنوبيا»، وباللاتينية «أوريليا زنوبيا»، كما عرفت من قبل العرب باسم «زينب»، جميعها أسماء تعود إلى «زنوبيا» ملكة تدمر التي ولدت فيها، والتي قادت مع زوجها حملة العصيان على الإمبراطورية الرومانية وتمكنوا خلالها من السيطرة على ثلاثة أرباع سوريا.

مقالات متعلقة

اسمها الأصلي «بت زباي» وهو الاسم الذي أطلقه عليها الرومان حيث يعني في لغتهم قوة المشتري، أما والدتها فكان نسبها يعود إلى سلالة كليوباترا، وقد كان للملكة زنوبيا تاريخ وذكريات لا تحصى ولا تعد مع مصر، حيث ترعرعت ودرست في مدينة الإسكندرية، ولكنها لم تكن دراسة من النوع الاعتيادي، فقد كانت زنوبيا عاشقة للتاريخ بجميع تفاصيله وكل ما يتعلق به من قريب أو بعيد، وهو ما دفعها لدراسة تاريخ الإغريق والرومان كاملا، الأمر الذي بلور بداخلها حبها ورغبتها الجامحة في الوصول للسلطة والمجد، واللذين شكلا لها هاجسا منذ نعومة أظفارها.

زواج وطموح

هكذا نستطيع القول إنها استحقت بجدارة أن تكون زوجة لملك تدمر ورئيس المشرق أذينة، ذي النفوذ الواسع وصاحب السلطة من منطقة الأناضول إلى حدود شمال أفريقيا، والذي دافع باستماتة عن تدمر ضد الفرس.

كما نستطيع القول إنها كانت محقة عندما ربطت فرصتها لتحقيق طموحها بزواجها منه، إذ كان تتويجها كزوجة له بمثابة رباط مقدس جمعهما على أهداف واحدة، ومكنها من حضور اجتماعات ومجالس الشيوخ أولا، ثم اعتلاءها عرش الحكم ‑بعد وفاة زوجها غدرا، والذي كان حافزا قويا لها لفرض سيطرتها في الحكم وقيادتها للحروب، ولا ننسى أيضا أعمال العمارة والبناء التي أشرفت عليها، والآثار التي لا تزال من أبرز معالم تدمر حتى يومنا هذا، وكانت تكريسا لرغبة زنوبيا القائدة في رسم خريطة مجد وسلطة عظمى لمدينتها تدمر.

زنوبيا

خلاف حول الأصل

لأن الإمبراطورة زنوبيا لم تكن امرأة عادية فقد تعرضت قصة حياتها للعديد من التكهنات، بل وكتبت عنها العديد من السير الذاتية الرومانية، ومنها ما يشير إلى أنها من أصل غير عربي ولكنها قد ارتبطت ارتباطا وثيقا ببطالمة مصر وكليوباترا، بينما يعتقد المؤرخون الشرقيون مثل الطبري الفارسي أن زنوبيا لم تكن يونانية الأصل كما يدعي البعض بل من أصل عربي، وهو ما اتفق عليه الكثير من المؤرخين المعاصرين الذين أجمعوا على أن نسبها ينحدر من سلالة عائلة بالميرين أصحاب النفوذ والسلطة في تدمر.

كما يوجد أيضا خلاف حول نشأتها ودراستها واللغات التي تعلمتها، ولكن يعتقد أن ما كتبه المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون في القرن الـ18 هو الأقرب إلى الصحة، حيث كان من أكثر المؤرخين اهتماما بجمع المعلومات عن سيرتها الذاتية، وهو ما أكسبه القدرة على كتابة أوصاف تفصيلية عنها في كتابه تاريخ تدهور وسقوط الإمبراطورية الرومانية المكون من 6 مجلدات، والذي أشاد فيه بعبقرية الملكة زنوبيا وجمالها وفطنتها وأعمالها البطولية، بالإضافة إلى ما تحلت به من صفات الرجال الشجعان، وتفوقها الدراسي الذي جعلها تتقن اللغة اللاتينية، اليونانية، السريانية، والمصرية بمنتهى الطلاقة.

عنفوان امرأة

بحلول عام 267 تم الإيقاع بالملك أذينة، بعد أن طالته يد الغدر والخيانة من قبل أحد أقربائه الذي تكالب عليه هو وبعض الثائرين، والذين قضوا عليه وعلى ابنه والحرس أجمعين أثناء عودتهم من أحد الحروب في اللاذقية، وهي الخديعة التي عرفت بمؤامرة القصر.

هكذا حانت اللحظة الحاسمة التي كانت تنتظرها زنوبيا لتنقض على الحكم بصفتها الوصية على طفلها وهب اللات الذي كان لا يزال طفلا، وأعلنت نفسها وصية على العرش كخطوة أولى سمحت لها بالاستيلاء على أغلب المناطق في الشرق والتي سلبت مؤخرا من الفرس.

استطاعت زنوبيا أن تستغل ذكاءها جيدا في السيطرة على الإمبراطورية الرومانية التي كانت تمر بأضعف لحظاتها على مر العصور، وتمكنت شيئا فشيئا بفضل حكمتها ونصائح مستشاريها من تحييد الفرس في الشرق، وضم العديد من الدول المجاورة متضمنة سوريا ومعظم مناطق الأناضول (تركيا الحديثة).

ولم تتوقف زنوبيا عند هذا الحد بل استمرت في فرض سيطرتها كمهر جامح لا يستطيع أحد إيقافه، وقامت بإرسال قواتها إلى مصر واستولت على الإسكندرية في عام 269، ومع بداية العام الجديد كانت قد سيطرت على مصر تماما بشتى ثرواتها، والحبوب التي كانت توفرها وترسلها إلى روما، مما حقق هدفها أخيرا وجعل تدمر إمبراطورية مساوية لروما لا يجرؤ أي شخص على إيقافها أو تدميرها.

زنوبيا

حصار وتربص

ولأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، فلم يكن من السهل أن يستمر هذا التحدي العلني للسلطة الرومانية من قبل الملكة زنوبيا، خاصة بعد تولي الإمبراطور التالي لروما أوريليان، والذي مثل نوعا مختلفا جدا من خصومها، حيث امتلك نظاما عسكريا صارما ساعده في الانتصار على أعدائه من القوط، وإعادة الحكم الروماني في مقاطعات بلاد الغال، بريتانيا، وهيسبانيا، ولكنه رغم ذلك لم يستطع كبح رغبته العارمة في مواجهة الملكة زنوبيا والقضاء عليها، بعد أن استطاعت جذب انتباهه بقوتها المتنامية وشجاعتها التي فاقت شجاعة خصومه من الرجال.

ورغم جميع الضغوط التي تعرضت لها الملكة زنوبيا والحصار الذي أقامه أوريليان على تدمر، إلا أنها كانت واثقة من الانتصار، ومن قوة فرسانها والرماة الذين تم تدريبهم على أكمل وجه للتصدي لجحافل الجنود، حتى إنها وضعت خطة بديلة في حالة عدم انتصارها، وهي أن يستسلم الرومان للجوع والمناخ الصحراوي القاسي المحيط بهم من جميع الاتجاهات، وبناء عليه أرسلت إلى أوريليان بخطاب يحمل في طياته الكثير من التحدي، قائلة: «من زنوبيا ملكة الشرق إلى أوريليان، أنت تطالبني بالاستسلام وهو الأمر المستحيل بالنسبة لي، قم بمراجعة التاريخ لتعلم أن كليوباترا فضلت أن تموت ملكة بدلا من البقاء على قيد الحياة، مهما بلغت أعلى المراتب».

لكل جواد كبوة

تزايدت رغبة أوريليان في القضاء على زنوبيا، خاصة بعد خطابها الذي أثار غضبه ودهشته في آن واحد، وبمرور الأيام وتحديدا بالقرب من أنطاكية «أرض الهزيمة»، استطاع أوريليان الانتقام من الملكة زنوبيا، حيث كثف جهوده للاستيلاء على المدينة وواجه ببسالة جيشها المكون من 70.000 جندي، انسحبوا وتراجعوا إلى تدمر بعد معارك طاحنة انتهت بهزيمتهم، وبهذا يمكن إعلان سنة 272 عام النصر بالنسبة لـ أوريليان، حيث استطاع أخيرا الوصول إلى أسوار المدينة واستعادة جميع الأراضي، كما حقق أيضا رغبته الأصلية وهي الإمساك بالملكة زنوبيا عند نهر الفرات، عند محاولتها اليائسة في الفرار شرقا إلى بلاد فارس.

زنوبيا

كيف ماتت زنوبيا؟

كما هو الحال في حياتها ونسبها كان الخلاف أيضا حول وفاتها، حيث تقول بعض المصادر العربية إنها انتحرت لتفادي الأسر، وتزعم بعض المصادر الرومانية أن أوريليان الذي لم يكن لديه الرغبة في قتلها جلبها كأسيرة إلى روما.

كما تروي بعض المصادر أن رأسها قطع في الأسر، وتروي أخرى أنها تزوجت من سيناتور روماني وعاشت حياتها كسيدة رومانية حتى توفيت أو انتحرت، وأيا ما كانت النهاية ومهما كان مصيرها، فقد استحوذت زنوبيا على خيال أجيال من الكتاب والشعراء، مفتونين بمآثر هذه الملكة القوية التي تحدت الإمبراطورية الرومانية بأسرها، وسلبتها أرضها ورفضت الإذعان والاستسلام.

الكاتب

  • مؤلفة روايات، لي رواية بعنوان «سفراء الجان» قيد الطباعة. حاصلة على ليسانس آداب وتربية قسم اللغة الإنجليزية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications