زياد فؤاد يكتب: حديقة النبي آدمين.. الأستاذ!

“فين سبحتك يا حج؟” هذه العبارة التاريخية من فيلم رصيف نمرة خمسة.. كانت تلك العبارة ترن في أذني كلما جالست أستاذ منتصر لاستمع له، وكلما شاهدته يصلي في خشوع!

أستاذ منتصر.. لا يمكن أن أكتب عنه وأدعوه متجردا من وصف أستاذ.. هو أستاذ منتصر، والأستاذية ليست لقبا، ولا هي مجرد تقدير لمكانته أو عمره، ولكنها صفة أصيلة لأستاذ ومعلم وملهم.. وفي الوقت نفسه أستاذ الأساتذة في فن التلون والتماهي والسير في ركاب الأنظمة ومعارضتها ومعارضة تعاليم نفسه بنفسه في الوقت نفسه.

البعض قد يرى في اعتباره استاذا وملهما ومعلما يتعارض مع كونه متلونا، وواقع الأمر أن في هذا ارتباك فكري لا يختلف عن الارتباك الذي يصيب كل من يتعامل مع أستاذ منتصر.

فالأساتذة تتعلم منهم ولا تحاكيهم أو تقلدهم.. الأساتذة يضيفون لخبراتك ولا يعبؤون أوعية فارغة.. الأساتذة تستفيد منهم حتى لو لم تتفق مع ما يفعلون.. والأهم أنه لا التلاميذ ولا الأساتذة ملائكة.. ولا هم بشياطين.. هم بنو آدم.. فصيلة بني الإنس عندما تختلط أفعالها بأفعال الشيطان.. فيكون الناتج إنسان..

صدفة وضعتني أمام أستاذ منتصر، وصارت صداقة مهنية وثيقة.. صداقة في أساسها نفعية من تلميذ ساعٍ للاستفادة مهنيا من أستاذ جليل، وأستاذ يحتاج لخليل وسمير، وفي هذا القالب من الصداقة يكون التلميذ منصتا موافقا على كل تناقضات الأستاذ، لا يعارضه جهرا ولا يقاطع علمه حتى إن اختلف معه.

كنت أذهب لبيته يوميا كي أنهل من علمه، سهرتنا كانت تبدأ مع انتصاف الليل، يحتسي الخمر بكميات، وأسامره أثناء الشرب، ولأنني لا أشرب، وفي الوقت نفسه لا يجب أن أشعره أنني معترض على ما يفعل، كنت أتحجج بأنني تلميذ يريد الإنصات، والخمر قد يقلل من استيعابي لعلمه.. وكانت حجتي ترضي غروره.

كانت بشرته البيضاء تتأجج بحمرة الدم من تأثير الكحول، ويثقل لسانه مع دخول الفجر، ولكن حكايات المواقف التي مر بها، وتصرفه فيها كانت تنهمر دون تلعثم، وكلما استشعرت بدء وعيه في الغياب، أنكشه بمزحة أو حكاية مضحكة، تعيد له انتباهه.. وعندما يعلو صوت آذان الفجر، يمسك معصمي بقوة، ويدعوني للصلاة!

كنت أتحجج بكثير من الأكاذيب، أوحيت له أنني غير مقتنع بالصلاة وتعاليمها، هربا من الصلاة خلف مخمور، وكان له حق الإمامة من جميع النواحي، لم يكن يعترض على معتقداتي، ولكن يلقي لي بمحاضرات عن الدين وأهمية الصلاة، بلسان ثقيل ووعي غير حاضر بعد أن ينتهي من صلاته!

لم أمل يوما من مجالسة أستاذ منتصر، كنت أرى كيف يقنع كل الأطراف المتناقضة، يعارض الجميع جهرا نهارا ويصادقهم ليلا.. يتشاجر مع أحدهم فيقطعه تقطيعا، ثم إن التقيا، تكون الأحضان والاشتياق عنوان علاقة حميمية لم يوترها الشجار ولم يؤثر فيها التقطيع!

يحدثني ليلا عن قيمة شريكة عمره التي اعتبرها صديقة قبل أن تكون زوجة، وهو مرتبط بفتاة أصغر منه عمرا وتزوجها سرا على زوجته!

يعلمني الحياة والإخلاص وقيمة الدين والتدين والعلاقات الحياتية، خلال ارتشافه للخمر بنهم.. عرفت من لسانه وتعلمت القيم والمبادئ والاتساق مع النفس، وأنا اتابع انتهاكه للقيم وحالة التضاد الكامل بين ما ينطقه وما يفعله.. عرفت من دروسه الصراط المستقيم وأنا أرى صراطه الأعوج الملتوي.. ارتشفت علمه وخبرته.. ولم أرتشف خمره.. ولن يكون إماما لصلاتي!

احصل على آخر الأخبار والمستجدات مباشرة على جهازك

هذا الموقع يستخدم الكوكيز لتحسين تجربة المستخدم. نحن نفترض أنك موافق على هذا، لكن يمكنك الرفض إذا أردت. أوافق اقرأ المزيد