ثقافة ومعرفة

زيلانديا.. قارة حقيقية أم أطلانتس جديدة؟

هنا على عمق 6560 قدما تحت الماء وبين أمواج المحيط الهادئ المتلاطمة، ستقف متسائلا بدهشة عن كيفية تكوين هذه القارة، وطبيعة الحياة عليها والكائنات التي عاشت بها يوما، ولكنك ستعجز عن إيجاد إجابة واضحة حول هذه الأسرار والألغاز المحيطة بـ«زيلانديا»، والتي لم يجد لها العلماء تفسيرا حتى الآن.. هنا تقبع ثامن قارات العالم التي استغرقت رحلة الوصول إليها 375 عاما.

قارة زيلانديا

كانت زيلانديا في الأصل جزءا من شبه قارة غوندوانا التي تشكلت منذ حوالي 550 مليون سنة، ومنذ حوالي 105 ملايين سنة انفصلت عنها زيلانديا لأسباب غير معلومة، وبسبب الضغوطات والتمدد الذي تعرضت له أصبح سمك قشرتها 20 كيلومترا فقط أي نصف سمك قشرة القارات والذي يبلغ 40 كيلومترا، مع ذلك صنفها علماء الجيولوجيا بأنها قارة بسبب أنواع الصخور التي عثر عليها هناك.

حيث تحتوي على صخور نارية ورسوبية ومتحولة كالغرانيت والحجر الجيري، وهي الصخور التي تتكون منها القشرة القارية، كما أدى تمددها أيضا إلى هبوطها للأسفل واندثار 94% منها تحت مياه البحر، مع ظهور بعض الجزر التي تخرج من أعماقها مثل نيوزيلندا، كما أنها جمعت بشكل أساسي كل الأراضي في نصف الكرة الجنوبي، واحتلت زاوية على الجانب الشرقي، وتحدها أيضا عدة مناطق أخرى بما في ذلك نصف غرب أنتاركتيكا ومنطقة شرق أستراليا بأكملها.

اكتشاف عبر التاريخ

يعود اكتشاف القارة إلى عام 1642 عندما كان الخبير البحار الهولندي هابيل تاسمان في مهمة بحرية لمحاربة شعب الماووري، هكذا أبحر تاسمان على متن سفينتين صغيرتين في 14 أغسطس من قاعدة شركته في جاكرتا، إندونيسيا، متجها إلى الغرب ثم الجنوب، ومنه إلى الشرق حتى انتهى به المطاف في الجزيرة الجنوبية لنيوزلندا، وبقي هناك عدة أسابيع واجه خلالها شعب الماووري المحليين ببسالة وشجاعة، ولكن المهمة الحقيقية بالنسبة لتاسمان لم تكن انتهت بالفعل، فبالرغم من أن هذا الجزء كان لا يزال غامضا بالنسبة للأوروبيين إلا أن تاسمان كان واحدا من الذين يملكون إيمانا واعتقادا قويا «يعود إلى العصر الروماني القديم» بأنه يجب أن تكون هناك كتلة ضخمة من الأرض في الجزء الجنوبي لتحقق لهم توازنا في قارتهم الشمالية.

إنها هناك!

وبناء على هذا الاعتقاد أصّر تاسمان على وجود قارة شاسعة في نصف الكرة الجنوبي وعقد العزم على إيجادها، الأمر الذي أثار دهشة وسخرية الجميع حتى إنهم اتهموه بالجنون، ولكنه لم يكترث لرأي أحد من أفراد طاقمه على متن السفينة، بل ترسخ لديه اعتقاد أقوى أثناء طريق عودته بأنه بالفعل اكتشف القارة الجنوبية العظيمة، وأخذ يشير بإصبعه صارخا «إنها تقع هناك».

زيلانديا

دراسات لم تكتمل

وبعد أكثر من قرن من اكتشاف تاسمان في نيوزيلاندا، تم إرسال صانع الخرائط البريطاني جيمس كوك في رحلة علمية إلى نصف الكرة الجنوبي في مهمة رسمية، وهي مراقبة مرور كوكب الزهرة بين الأرض والشمس من أجل حساب المسافة التي تبعدها الشمس، وقد حمل معه أيضا مظروفا مختوما جاءه الأمر بفتحه عند إكمال مهمته الأولى، وكان يحتوي على مهمة سرية للغاية وهي اكتشاف القارة الجنوبية، ولكنه لم يستطع إتمام مهمته على أكمل وجه حيث إن اكتشاف قارة كاملة يستدعي عملا شاقا وبحثا طويل.

وفي ذلك الوقت كانت أستراليا معروفة بالفعل للأوروبيين، ولكنهم فطنوا إلى أنها ليست القارة الأسطورية التي يبحثون عنها، هكذا قام عالم الطبيعة الإسكتلندي السير جيمس هيكتور برحلة لمسح سلسلة من الجزر قبالة الساحل الجنوبي لنيوزيلندا في عام 1895، وبعد دراسة جيولوجيتها توصل إلى أن نيوزيلندا هي بقايا سلسلة جبلية شكلت قمة منطقة قارية كبيرة مغمورة بالمياه وممتدة إلى أقصى الجنوب والشرق.

وبحسب ما توصل إليه الجيولوجيون في تعريف القارة بشكل عام حيث اتفقوا على أنها منطقة جيولوجية ذات ارتفاع عال، وبها مجموعة متنوعة من الصخور، مع وجود قشرة سميكة، استطاع السير جيمس أن يؤكد أنه جمع أول أدلة حقيقية عن وجود القارة الثامنة، وفي عام 1995 تعثرت جهود الجيولوجيون لاكتشاف القارة بسبب الصعوبات التي واجهتهم وكذلك التكلفة المادية الباهظة، ومع ذلك وصف بروس لوينديك «عالم الفيزياء الجيولوجية الأمريكي» هذه الكتلة الأرضية بأنها قارة وأطلق عليها اسم «زيلانديا».

إعلان القارة الثامنة

بحلول عام 2017  تصدر مجموعة من الجيولوجيين عناوين الصف والأخبار معلنين اكتشافهم قارة جديدة، وهي قارة زيلانديا التي تبلغ مساحتها الشاسعة 1.89 مليون ميل مربع أي «4.9 مليون كيلومتر مربع»، وهو ما يقارب حوالي 6 أضعاف مساحة مدغشقر، وعلى الرغم من أن الموسوعات العالمية والخرائط ومحركات البحث كانت مصرة على وجود 7 قارات فقط إلا أن  فريق الجيولوجيين أكد بثقة وجود خطأ ما وأن هناك 8 قارات وليست 7 فقط، الأمر الذي أكد أن هابيل تاسمان كان على حق منذ 375 عاما، وأن زيلانديا هي قارة حقيقية وليست أسطورية كما هو الحال مع «أطلانتس» التي ذكرها أفلاطون ولم تثبت بدليل قاطع.

لم يتمكن العلماء بعد من معرفة الكائنات التي كانت تعيش على سطح زيلانديا، وهل كانت قارة مغمورة منذ الأزل أم أنها كانت أرضا جافة؟ كذلك لم يتوصلوا إلى السر في تماسكها رغم رقة وضعف قشرتها الأرضية، وأسباب عدم تفككها إلى قارات صغيرة، والأمر الذي حيرهم أيضا هو الوقت الذي اندثرت فيه تحت الماء «بافتراض أنها كانت قارة جافة يابسة قبل غرقها»، حيث أجمع العلماء على أن الأجزاء البارزة فوق سطح المياه هي تلال وسلاسل جبال نشأت عن تصادم صفيحتين تكتونيتين.

والآن وبعد مرور 4 سنوات لا تزال التساؤلات والألغاز مطروحة أمام العلماء والباحثين والذين عجزوا عن إيجاد تفسير لها.

الكاتب

  • مؤلفة روايات، لي رواية بعنوان «سفراء الجان» قيد الطباعة. حاصلة على ليسانس آداب وتربية قسم اللغة الإنجليزية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى