علي بن الجهم.. الشاعر الذي ذم الخليفة فكافأه

علي بن الجهم، هو أحد أبرز الشعراء في عصره، حيث تميز بفصاحة لسان وقدرة على التعبير، ظهرت من خلال قصائده التي لم تخل من بعض الصدمات، مثلما حدث مع الخليفة الذي نعته بالكلب في شعره، كما نوضح عبر مسيرة هذا الشاعر المخضرم.

نشأة علي بن الجهم

ولد علي بن الجهم بن بدر بن مسعود بن أسيد، والذي عرف حينئذ بأبي الحسن، في عام 188هـ والموافق سنة 803، في بغداد العراقية، حيث تأتي أسرته في الأصل من قريش، ما يبدو أنه أثر في تكوينه وعشقه للشعر منذ الصغر.

نشأ علي بين أفراد أسرة يجمعهم الثراء وكذلك العلم والأدب، لذا كان لزاما على الطفل الصغير أن يذهب للكتاب من أجل تلقي العلم بانتظام، إلا أن نشاطه الواضح منذ نعومة أظفاره، والإزعاج الذي كان يسببه لوالده بالمنزل، دفع الأب إلى مطالبة معلمه بأن يحبسه لبعض الوقت في الكتاب كعقاب له، الأمر الذي دفع علي الصغير إلى كتابة أحد أول أشعاره، حيث قال:

يا أمتا أفديك من أم

أشكو إليك فظاظة الجهم

قد سرح الصبيان كلهم

وبقيت محسورا بلا جرم

وهي الأبيات البسيطة التي وإن أثرت في والدته وجعلتها تتوسط لأبيه من أجل تخفيف عقوبته، فإن الأهم من ذلك أنها كشفت عن موهبة شعرية فطرية لدى طفل كان لا يزال في مقتبل عمره.

نبوغ علي ابن الجهم

بدا نبوغ علي بن الجهم ظاهرا بشدة في مرحلة الشباب، حيث كان دائم التواجد في حلقات العلم للاطلاع على كل شيء متاح، ما بين فلسفة وأدب، ليصبح الشعر هو حلم حياته وخاصة بعد مقابلة أشهر الشعراء، ومن بينهم الشاعر الشهير أبو تمام، الذي صار صديقه فيما بعد.

لم يسع علي إلى التقرب من الخلفاء، إلا أن موهبته الشعرية هي ما عجلت بلقاء هؤلاء واحدا تلو الأخر، ليكشف لهم عن نبوغه الأدبي الذي لم يكن له مثيل، إذ كانت علاقته جيدة بالخليفة المأمون، وكذلك بالخليفة الواثق بالله والخليفة المعتصم الذي تولى في عهده ديوان المظالم، والخليفة المتوكل الذي له معه الكثير من المواقف الطريفة والحزينة أيضا، ربما أشهرها نعته بالكلب في مطلع قصيدته.

على بن الجهم والمتوكل

جاءت مقابلة الخليفة المتوكل مع ابن الجهم، عندما كان الشاعر اليافع ما زال هذا البدوي الصحراوي الذي وإن كان على علم واضح، إلا أنه كان لا يفرق بين الكلمات التي قد تذكر للخلفاء وقد لا تذكر، لذا قال فيه تلك القصيدة وسط مجلسه:

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمناك دلوا

من كبار الدلا كثير الذنوب

أثارت أبيات ابن الجهم حفيظة الجالسين مع الخليفة، حيث نعته فيها بالكلب في حفظ الود وبالتيس في مواجهة المخاطر وبالدلو المستخدم لنقل الماء، وهي الأمور التي لم تغضب المتوكل نفسه لأنه كان يدرك البيئة المختلفة التي حضر علي منها، فقربه منه وأعطاه دارا على شاطئ دجلة، ليعود الشاعر الشاب من جديد ويتلو قصيدته المعروفة عيون المها، والتي قال فيها:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعدن لي الشوق القديم ولم أكن

سلوت ولكن زدن جمرا على جمر

سلمن وأسلمن القلوب كأنما

تشك بأطراف المثقفة السمر

وقلن لنا نحن الأهلة إنما

تضيء لمن يسري بليل ولا تقري

فلا بذل إلا ما تزود ناظر

ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري

مقتل ابن الجهم

لم تستمر العلاقة الجيدة لفترة طويلة بين ابن الجهم والمتوكل، إذ تدخل أتباع الخليفة كثيرا ليفسدوا الأمور بينهما، ما تحقق بالفعل عندما أودعوا الشاعر البدوي في السجن، إلا أن استعطافه للمتوكل أخرجه منه لفترة من الوقت.

عاد ابن الجهم للسجن من جديد بعدما أكد أتباع المتوكل له أنه كتب فيه هجاء، ليقبع علي بمحبسه ويتعرض للنفي والصلب قبلما يعفو عنه المتوكل من جديد.

شعر ابن الجهم بالحزن بعدما تعرضت علاقته بالمتوكل لهذا الانكسار، فاتجه إلى مجالس الخمر، لكنه لم يستمر طويلا حتى أدرك الخطر الذي صار محيطا بالمسلمين متمثلا في الروم، لذا استجاب لدعوات الجهاد والقتال وسافر للشام لمواجهتهم في معارك شديدة الشراسة، لينتهي به الحال مقتولا في إحدى المواجهات، ويعود إلى بغداد محمولا على الأعناق.

رحل الشاعر المثير للجدل علي بن الجهم في عام 249هـ، في معركة حامية الوطيس بين الروم والمسلمين، ليودع الدنيا بعد أن كان الشاعر المرموق الذي استشهد خلال محاربة الأعداء.

مصدر طالع الموضوع الأصلي الأول من هنا طالع الموضوع الأصلي الثاني من هنا
DMCA.com Protection Status