ثقافة ومعرفة

قرية هوجواي.. حيث ينعم مرضى الخرف بحياة مثالية

على بعد 20 كيلومترا خارج أمستردام، يعيش سكان هوجواي حياتهم مثل كل سكان هولندا، حيث يتبضعون من البقالات، يذهبون للسينما، ويلتقون بأصدقائهم، باختصار ينعمون بحياة حّرة، لكن هذه هي نصف الحقيقة، فالحياة داخل هوجواي حتى وإن بدت طبيعية، إلا أنها للأسف مُزيّفة.

ربما بدأت تتساءل كيف يمكننا أن نصف حياة بشر بالمُزيفة، حسنًا، لدينا أسباب، فداخل هوجواي، هنالك كاميرات لمراقبة كل سُكانها، بدءًا من صاحب دكان البقالة، وصولا إلى طبيب الأسنان، الجميع جزء من هذه المنظومة المُصممة بعناية. 

ما هي هوجواي؟

هوجواي هي قرية تم تصميمها كي تكون دار مسنين كبيرة لإيواء كبار السن الذين يعانون من حالات الخرف الشديد، لكن على على عكس الصورة النمطية المعتادة لدور المسنين التي يعيش المرضى فيها داخل مبانٍ رديئة، بلا أي وسائل للترفيه سوى جهاز تلفاز عفا عليه الزمن مثلًا.

في هوجواي، تم تصميم مجتمع مصغر صالح لأن يعيش هؤلاء المرضى بالخرف بداخله، دون أن يشعروا بأي اختلاف بينه وبين الحياة العادية، فالسكان يعيشون عادةً في منازل مشتركة، لديهم مسرح، حدائق ونوادي.

مقالات متعلقة

ويلعب الجميع دورًا في إخراج هذه الحياة التي تبدو مثالية، فكل عامل، صاحب متجر، أو أي موظف داخل القرية هو عبارة عن موظف يقوم بتمثيل دورًا رُسم له بشكل أشبه بما تم تقديمه بفيلم «The Truman Show».

نشأت فكرة قرية هوجواي على يد إيفون فان أميرونجين، التي كانت تعمل كعضوة بإحدى دور رعاية المسنين التقليدية، حيث كانت ترغب بتطبيق هذه الفكرة لتوفير بيئة أكثر ملائمة للعيش وأقل معاناة لمن يعانون أمراض مثل الخرف والزهايمر.

يعيش نحو 150 شخصا داخل قرية هوجواي، تحت رعاية 250 موظفا يعملون على توفير سبل الراحة للمرضى، والأهم هو عدم إشعارهم بأنهم قد تم إقصائهم من المجتمع.

الخرف

تم افتتاح القرية في عام 2009، وتم تمويلها مباشرةً من الحكومة الهولندية بنحو 25 مليون دولار أمريكي، حيث أن إقامة المريض الواحد داخل قد تكلفه 8 آلاف دولار شهريا، إلا أن الحكومة تدعم السكان ‑وفقا لدخولهم- بحيث لا يتجاوز مقابل إقامة المريض 3600 دولار بأي حال من الأحوال.

تحتوي قرية هوجواي على 20 منزلا من الطوب على طول مساحة 4 فدادين، ويسكن كل منزل 6 أو 7 أشخاص لديهم خلفيات اجتماعية واهتمامات مشتركة، ويكونون عادةً تحت ملاحظة مباشرة من واحد أو اثنين من مقدمي الرعاية، الذين تم توظيفهم بواسطة الإدارة.

الخرف

وتم تصميم المنازل بشكل فريد لتعكس أسلوب حياة كل مجموعة، مثل وجود أنواع مختلفة من الموسيقى، وتصميم داخلي متنوع، وطعام مختلف وحتى طرق مختلفة لإعداد الطاولة التي يتناول عليها السكان طعامهم.

حياة داخل الحياة

أدركت فان أميرونجين أن الأمر المهم في هذه المرحلة من الحياة- أكثر من الوصول إلى أفضل علاج- هو أن يتمتع المريض بحرية فعل الأشياء التي يحب أن يقوم بها، لذلك فضلت أن يحاكي التصميم الخاص بالقرية الحياة العادية، بدايةً من مقرات السكن، وصولا إلى أماكن التنزه والترفيه.

بذكر الحُرية، يختار سكان هوجواي جدول حياتهم اليومية بمنتهى الحُرية، ويلتزم مقدمو الرعاية بملاحظتهم داخل المكان الذي يختاروه، سواء داخل المنزل أو خارجه، لكن الأكثر إثارة، هو أن إدارة القرية تصرف أموالا مزيفة للسكان، لاستخدامها داخل المطاعم أو لشراء المستلزمات التي يريدون شرائها من المتاجر، بل أنه في بعض الأحيان يسمح للسكان شراء ما يحتاجوه دون أن يدفعوا أي مقابل له من الأساس.

الهدف من كل هذه الترتيبات هو الحفاظ على إحساس الفرد بالاستقلالية، وهو أمر مهم جدًا في رعاية مريض الخرف، حيث يمكن لأدق التفاصيل أن تعني الكثير له.

«إذا كنا نعلم أن مريضا ما يُحب أن يشرب قهوته مع السكر، سنظل نسأله كل يوم، كي يتخذ قراره كل يوم، لأن قرار مريض الخرف واختياره لما يريد هو الهدف»

إلوي فان هال، مديرة المنشأة.

 

معضلة أخلاقية

ألهم نموذج قرية هوجواي ‑دار رعاية مرضى الخرف- العديد من المؤسسات التي أخذت على عاتقها إعادة استخدام ذلك النموذج ببلدان مختلفة مثل كندا وإنجلترا، نظرًا للمردود الهائل الذي ظهر على سكان المدينة، حيث يتعاطى سكان هوجواي عقاقير أقل، يعيشون فترات أطول، والأهم، ينعمون بحياة أكثر بهجة من سكان دور الرعاية التقليدية.

الخرف

لكن على الجهة الأخرى، طفا سؤال منطقي من البعض، حول مدى أخلاقية خداع سكان قرية الخرف بهذه الطريقة، عبر تسكينهم بمدينة تبدو من الخارج فاضلة، لكنها بكل تأكيد مزيفة.

يرى أنصار فكرة قرى الخرف أنه لا ضرر من ذلك التلاعب، فسكان القرية يعيشون حياة متوازنة مستقلة حتى وإن كانت وهمية، بالتالي، الهدف الأسمى تحقق، بغض النظر عن أخلاقية الوسيلة.

«نعتقد أنه على الرغم من المناقشات الأخلاقية المستمرة، فإن النقطة الأكثر أهمية هي تلبية احتياجات الناس، وإذا كانت إحدى طرق القيام بذلك هي خلق انطباع فعال بأنك المريض مستقل، ومسؤول عن نفسه، ومتحكم في الأشياء والمواقف، إذن، ربما هذا هو الطريق الصحيح».

-نتيجة ورقة بحثية لمجموعة باحثين ألمان نشرت عام 2013.

لذلك، وطبقا لميجان ستريكفادين، عالمة الأنتروبولوجي، فلا يمكن وصف ما يحدث داخل قرية هوجواي بالخداع، لأنها مجرد مساحة تم تصميمها كي تستوعب فئة ما من البشر، لكن وبما أنهم يعانون مرضا بخطورة الخرف، لذا يجب أن تتم العناية بهم بشكل مضاعف.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Please rotate your device
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications