غير مصنف

قم بدورك.. حارب الجهل!

أولا دعنا نكن صرحاء.. كم مرة وصلت رسالة من أحد المقربين إليك تحتوي على معلومة ما أو صورة ما، وتستحلفك بالله أن تشاركها مع أصدقائك وأقاربك الآخرين؟ كم مرة شاركت تلك المعلومة أو الصورة دون أن تتحرى صحتها ودقتها، فقط لأن مرسلها قد استحلفك، أو مجاملة له، أو لأنها ببساطة استثارت مشاعر المشاركة في وجدانك؟

الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة

دانتي أليجييري

هل تعلم عزيزي القارئ أن معظم المعلومات والصور التي ترسل إليك عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير صحيحة؟ إما أنها تفتقر إلى الدقة أو أنها مفبركة من الأساس، وكلا الدفتين يؤديان إلى اتجاه واحد هو تفشي الجهل والغباء، وللأسف الشديد أنت تشارك في هذه الجريمة، حتى وإن كان بحسن نية!

كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ

حديث شريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم

السؤال الذي يلح علي دائما هو: لماذا يقبل الكثيرون بالتطوع لنشر الشائعات دون التأكد من صحتها؟ كم مرة تحريت دقة معلومة ما وصلتك قبل أن تشاركها مع الآخرين؟ في الحديث الشريف “كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع” (وفي رواية أخرى كفى بالمرء كذبا)، ففكرة أن ناقل الكفر ليس بكافر لا تسري هنا  ولا تصلح كتبرير لنشر المعلومات المغلوطة، والتي ربما يكون عدم دقتها متعمدا لأمر في نفس صاحبها الأصلي، فتساعده أنت على تحقيق مسعاه بضغطة واحدة.

ولعل من أكبر السلبيات التي نشرتها مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وواتساب وغيرها، هي سهولة المشاركة مع الآخرين، فضغطة واحدة على زر “مشاركة” تصل بالمعلومة إلى ما شاء الله من الناس. صحيح أن لمواقع التواصل الاجتماعي إيجابيات أيضا، ولكن حينما يتعلق الأمر بصحة المعلومة ودقتها، فللأسف تجد أن وسائل التواصل الاجتماعي الوسيلة الأسهل والأسرع لنشر معلومة ما، مع استحالة تصحيحها بعد انتشارها، فللأسف من النادر جدا أن يقوم شخص بتكذيب ما نشره عند معرفته بكذبه، وإنما يكتفي في أحسن الأحوال بحذفه من صفحته، بعد فوات الأوان وبعد أن يصل للمئات من معارفه وأصدقائه.

اسمحوا لي أن أتحدث عن تجربة شخصية هنا. قبل ما يزيد عن 10 سنوات، تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني تنقلت بين الآلاف من مجموعة بريدية لأخرى (وقتما كانت المجموعات البريدية تحل محل وسائل التواصل الاجتماعي اليوم). تلك الرسالة الإلكترونية كانت تتحدث عن قضية اجتماعية ما، مستشهدة بآيات من القرآن. لسبب ما (لم أكن بدأت العمل في الصحافة بعد)، أتشكك في كل معلومة تصلني وأتوخى الدقة قبل مشاركتها، فقررت أن أقوم ببحث بسيط عبر جوجل للتعرف على مدى دقة المعلومة داخل الرسالة، وذلك عن طريق البحث عن المعلومات المرتبطة بالآيات القرآنية في تلك الرسالة.. فماذا اكتشفت؟

اكتشفت أن كل الآيات داخل الرسالة بلا استثناء تحتوي على خطأ متعمد، فالآيات مكتوبة بالتشكيل والتنوين ولكن كل آية تنقص كلمة ما، ولا يمكن أن تكون مجرد صدفة، كما أن أرقام الآيات معظمها خطأ فالآية 30 من سورة النور مثلا هي الآية رقم 37، وهكذا!

هذه الرسالة التي تزخر بالأخطاء الفادحة في نص القرآن، تناقلها الآلاف والآلاف، دون أن يفكر واحد منهم في تحري دقة المكتوب قبل مشاركته، حتى أنني عندما حاولت الرد على الجميع، اكتشفت للأسف ان هذه الرسالة تلف في ربوع الإنترنت منذ سنوات حتى أن معظم صناديق البريد كانت قد أغلقت، فلم تصل المعلومة الحقيقية إلى الكثيرين.

لماذا تلاعب صاحب الرسالة الأولى بآيات القرآن؟ أغلب الظن في رأيي أنه كان يريد أن يرى إلى أي مدى ستصل رسالته وجمع المعلومات عن المستقبل والمرسل، وهذه طريقة تستخدمها بعض الجهات للأسف لقياس “قوة واتجاه تيار الشائعة” (أو أيا كان ما يطلقون عليه). هذه الطريقة لاتزال مستخدمة إلى اليوم، وهي المحرك الرئيسي وراء هذا الكم الهائل من المعلومات المغلوطة والصور المفبركة. وكل من أدار صفحة على فيسبوك أو غيره يعلم جيدا أنك تستطيع معرفة الكثير من المعلومات حول أي منشور ينشره، مثل الفئة العمرية التي تجاوبت مع المنشور والجنس والحالة الاجتماعية والكثير من المعلومات التي يمكن التوصل إليها، فقط من التفاعل مع المنشور!

هناك سبب آخر لخلق المعلومات والصور المفبركة، هذا السبب مادي بحت، فالكثيرون لا يعرفون أن تفاعلك على صفحات التواصل الاجتماعي يمكن تحويله إلى عائد مادي لصاحب الصفحة أو الجروب. للأسف هذه حقيقة واقعة، وأنا شخصيا قمت بتأجير صفحات وجروبات بمقابل مادي للاستفادة من التفاعل الهائل بها والإعلان عن منتجات، قبل أن أكتشف كم التجهيل الهائل الذي يقوم به أصحاب بعض الصفحات للحصول على هذا التفاعل الوهمي.

المحتوى الفيروسي: هو المحتوى الذي ينتشر بين الناس بشكل سريع وهائل. تم إطلاق مصطلح “الفيروسي” عليه نظرا لتشابه طبيعة الانتشار مع طبيعة انتشار الفيروس المعدي

لذا، أرجو أن أكون أجبت في السطور القليلة الماضية عن واحد من أهم الأسئلة التي يطرحها هؤلاء المدافعون عن مشاركة المحتوى المفبرك. هناك فوائد جمة لأصحاب المحتوى المفبرك، سواء بالتعرف على أولئك الذي يمكنهم الوقوع بسهولة في الفخ أو بتحقيق عائد مادي مباشر.

ولأن الهدف الرئيسي من تدشين موقع قل ودل هو إثراء المحتوى العربي بمحتوى قيم، نقوم بإضافة المصادر الأصلية في نهاية كل موضوع نقوم بنشره، مع محاولاتنا الدؤوبة لتحري الدقة في كل ما نكتبه. كما دشنا قسما خاصا بدحض أبرز الشائعات وأكثرها انتشارا.

وإذا لم يكن كل ذلك كافيا، فقد قررنا في موقع قل ودل تدشين حملة “قم بدورك.. حارب الجهل”، محاولة منا في القيام بدور يرضي ضمائرنا تجاه مجتمعاتنا العربية. فإذا كنت تبحث عن محتوى لتشاركه مع أصدقائك وتقوم من خلاله بواجبك الإيجابي تجاه المجتمع، شاركنا في نشر حملتنا ودعوتنا، ولنقض سويا على كل محتوى مفبرك.

الوسوم
إغلاق