«كهف غوف».. وهل أكل القدماء لحوم البشر؟

يمكن للإنسان أن يرتكب العديد من الأعمال التي تتسم بالغرابة والتي يرفضها المجتمع بشتى طبقاته، ولكن يعتبر أكل لحوم البشر أحد أكثر هذه السلوكيات شناعة ووحشية، التي تبرز الجوانب المظلمة للطبيعة البشرية على مر العصور، والتي من شأنها أن تبقي سلسلة من التساؤلات مفتوحة للباحثين، في محاولة لفهم طبيعة البشري الذي طوعت له نفسه التهام بشري مثله!

أكل لحوم البشر

هو سلوك شاذ يمارسه بعض الأشخاص المصابين بأمراض سلوكية نفسية، كما يمارسه أيضا العديد من الشخصيات المصابة بالنرجسية خلال الحرب، حيث يعتقدون أن قوتهم تكمن في أكل لحم أعدائهم، وهو ما سينقل قدراتهم إليهم من وجهة نظرهم، كذلك يمكن أن يكون نوعا من أنواع المبالغة في الشعور بلذة الانتصار أمام العدو المهزوم.

ولكن الأمر لا يقتصر على كونه سلوكا شاذا فقط يمارس بإرادة كاملة من الشخص، فالبعض يجد نفسه مسلوب الإرادة عاجزا عن توفير ما يكفي لسد احتياجه من الطعام، الأمر الذي يدفعه إلى أكل لحوم البشر، كما يحدث خلال أوقات المجاعات العصيبة وفترات الحصار الطويلة.

أكواب الجماجم

تعود القصة إلى حوالي 15 ألف عام، حيث كانت هناك مجموعة من القدماء القاطنين في كهف «غوف» الواقع بالقرب من مدينة بريستول في المملكة المتحدة، يقومون بالتهام لحم غيرهم من البشر عن طريق إزالة اللحم عن العظم ثم تكسير العظام ومضغها، وقد رجح بعض الباحثين أيضا أنهم كانوا يقومون بعملية استخراج للنخاع عن طريق تكسير هذه العظام، بالإضافة إلى تفريغ الجماجم ونحتها على شكل أوانٍ يتم استخدامها كأداة للشرب، مما جعل البعض يطلقون عليها «أكواب الجماجم».

أكل لحوم البشر

الرفات يزيح الستار

تمت عملية الاستكشاف داخل كهف غوف لأول مرة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكان الغرض من هذه العملية هو استخراج الآثار بهدف خدمة السياحة، ولكن رفات البشر والحيوانات الذي وجد كان ينم بشكل واضح عن أن هذا الكهف كان يمارس فيه أكل لحوم البشر.

هذا الاكتشاف أدى إلى قيام بعض الباحثين بعملية استكشاف أخرى بعد فترة وجيزة بحثا عن المزيد من الجماجم والعظام، والتي رجحوا أنه قد تم تفكيكها بوحشية كما حدث من قبل البدائيين قبل حوالي 100,000 عام، وهو الأمر الذي شكل إزعاجا لعلماء الأنثروبولوجي خلال دراستهم لهذا الرفات، حيث ذكرهم بالجانب المظلم للطبيعة البشرية «كما ذكرت الباحثة سيلفيا بيلو من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، المملكة المتحدة»، والتي وقعت في حيرة من أمرها أثناء دراسة بعض العظام التي ظهرت عليها علامات قطع، إذ يمكن أن تكون هذه العلامات ناجمة عن أكل لحوم البشر أو انتزاع لحم الإنسان بعد وفاته بغرض استخدام عظامه للقيام بطقوس غامضة، كانت تمارس قديما من قبل العديد من الأشخاص المؤمنين بخرافات السحر والشعوذة.

أكل لحوم البشر

عكفت بيلو على دراسة هذه الآثار وتحليلها لعدة سنوات، وقد اكتشفت إثر التحليل الدقيق علامات لأصابع بشرية على بعض العظام، مما جعلها ترجح احتمالية أنهم كانوا يقومون بامتصاص الشحوم منها، وهو ما أكدته فيما بعد علامات النقر التي خلفتها الأسنان البشرية المحفورة على تلك العظام.

وقد نشرت بيلو وبعض الباحثين المشاركين في الدراسات التي قامت بها، الفرق بين أكل لحوم البشر وعملية انتزاع اللحم عن العظام، وهي العملية التي كانت تتم غالبا بغرض الدفن الثانوي، حيث كان القدماء في السابق يقومون بعادة نقل موتاهم معهم عند قيامهم بالتنقل إلى منطقة أخرى، وكان هذا الأمر يتم عن طريق انتزاع اللحم عن العظام التي يحتفظون بها فيما بعد، حيث كانت العظام تمثل أهمية بالغة لهم وفق ما ذكرته الباحثة روزا ليند وولداك.

هل التهموها طوعا؟

أوضحت بيلو من خلال بحثها أن مظهر العظام التي وجدت تنفي تعرض هؤلاء الأشخاص لأي نوع من أنواع العنف، مما يعني أن الأمر لم يكن بدافع القتال ولم ينشأ نتيجة نزاع بينهم، وقد استدلت على ذلك بأن علامات الذبح تكون جلية ويسهل ملاحظتها، وهو ما لم تجده في تلك العظام التي بالكاد ظهرت عليها آثار الأسنان أثناء تحليلها، مما يعني أن هؤلاء القدماء قد أكلوا لحوم البشر طوعا وبإرادة كاملة منهم.

ومع ذلك لا يستطيع الباحثون الجزم بالدافع وراء هذا السلوك والذي قد تكون الظروف البيئية هي المتسببة فيه، حيث رجح بعض الباحثين احتمالية أن يكون المناخ الذي امتاز بالبرودة القارسة في ذلك الوقت أدى إلى استنفاد جميع مواردهم الغذائية، مما اضطرهم إلى اللجوء لالتهام الجثث أو الأحياء إن استدعى الأمر، عندئذ سيكون الدافع هو البقاء على قيد الحياة.

ولكن بيلو رجحت أن الأمر كان ممارسة ثقافية وعادة اكتسبوها من الشخصيات البدائية، وقد استدلت على ذلك بوجود أكواب الجماجم التي ربما يكون قد تم استخدامها للشرب، أو كجزء من استكمال بعض الطقوس، وبرغم جميع الاحتمالات المطروحة لا يزال الأمر محط اهتمام ولغزا كبيرا للكثير من الباحثين ممن يسعون لفهم هذا السلوك الغامض.

أكل لحوم البشر
كهف غوف من الداخل..

 

الكاتب

  • مؤلفة روايات، لي رواية بعنوان «سفراء الجان» قيد الطباعة. حاصلة على ليسانس آداب وتربية قسم اللغة الإنجليزية..

مصدر طالع الموضوع الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status