رياضة

السود والرياضة.. كيف تخطى جاكي روبينسون عنصرية البيسبول؟

انتهت الحرب الأهلية الأمريكية بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقتئذٍ كان المجتمع الأمريكي قد وجد في رياضة البيسبول ملاذًا للهروب من ما تسببت به الحرب بين قوات الاتحاديين والانفصاليين من ضرر، استمر لنحو الـ5 سنوات.

على الرغم من أن أحد أسباب اندلاع الحرب التي انتهت عام 1865 كان تعرُّض شريحة كبيرة من داكني البشرة للعبودية، والتي انتهت كذلك بإعلان الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن تحرير العبيد بمرسوم رئاسي صدر عام 1863، إلا أن بقايا هذه الأفكار ظلت موجودة داخل المجتمع، الذي كان يرفض الاختلاف.

الفصل العُنصري

في هذه الفترة، تزايدت شعبية لعبة البيسبول بالولايات المتحدة الأمريكية، ونتج عن ذلك إنشاء فرق للهواة، يُعتقد بأنها تعود إلى العام 1855، وبما أن داكني البشرة هُم جزء من المجتمع الأمريكي، بالتالي كانوا ضمن فئات المجتمع التي اتجهت نحو ممارسة هذه اللعبة.

أدى التطور المستمر للرياضة إلى محاولات استبعاد اللاعبين السود من أعلى مراتبها، ففي عام 1867، قررت الرابطة الوطنية للاعبي كرة البيسبول الهواة رفض الطلبات المقدمة من الأندية الأمريكية الأفريقية، وفي عام 1876، تم تشكيل الرابطة الوطنية المحترفة من قبل مالكيها عازمين على إبقائها لعبة «الرجل الأبيض».

لم ييأس أصحاب البشرة السمراء، وظلّوا متمسكين بحقهم بأن يكونوا جزءًا حقيقيًا من المجتمع، حتى وإن كان ذلك على هيئة كفاح للوصول إلى أعلى نقطة رياضية ممكنة بمسيراتهم، لكن ذلك السعي اصطدم بعداء صريحا وترهيبا جسديا ولفظيا واجهه من سنحت لهم الفرصة للاستمرار في اللعب على مستوى عالي، ولم تقتصر المضايقات التي تعرّض لها أصحاب البشرة السمراء على كونها تصدر من المنافسين وجماهيرهم، بل كانت أيضا تصدر عن زملائهم وجماهيرهم الخاصة.

باقتراب القرن التاسع عشر من نهايته، كانت مشاركة ذوي البشرة السمراء قد انعدمت تماما، حتى وإن حاولت بعض الفرق تمريرهم كإسبان أو لاتينيين، لتنتهي بذلك أي فرصة لدمجهم داخل ذلك المجتمع الرياضي المصغر، وتقلص فرصهم إلى مشاركات مع فرق متنقلة تأسست بواسطة داكني البشرة، تسافر بين البلدان لتلعب هذه الرياضة التي أصبحت حكرًا على المجتمع الأبيض.

لن تقف وحدك أبدًا

بعد أن أصبح الفصل العُنصري أمرًا واقعًا، لم يجد اللاعبون السود بُدًا من إيجاد طريقة للاستمرار في ممارسة هذه الرياضة، حيث أقيمت أول بطولة عالم لأصحاب البشرة الملونة عام 1903، وقتئذٍ، قاد روب فوستر، رامي فريق «X‑Giants»، زملائه لتحقيق اللقب على حساب فريق «Philadilphia Giants».

العنصرية
روب فوستر، صاحب فكرة إنشاء دوري خاص بداكني البشرة

حاولت الفرق المكونة من أصحاب البشرة السمراء تكوين دوري منظم يشبه دوري البيسبول الخاص بالبيض، لكن معظم محاولاتهم باءت بالفشل، دون حتى أن يستطيعوا إقامة مباراة واحدة، لأن إقامة أي مباراة تستوجب أن يسمح رجل أبيض للفريقين بالدخول إلى أرضية ملعب المباراة، وهو الأمر الذي لم يحدث مطلقا.

شهد العام 1920 تحولا ضخما حين قرر روب فوستر أن ينشئ رابطة تضم ثمان فرق للزنوج: 

(Chicago American Giants- Chicago Giants- Cuban Stars- Dayton Marcos- Detroit Stars- Kansas City- Indianapolis ABCs- Saint Monarchs). 

دفع النجاح المالي للملاك السود لهذه الرابطة إلى إنشاء دوري جديد بالمنطقة الشرقية، على أن تلعب بطولة العالم للبيسبول الخاصة بالملونين عام 1924 بين المجموعتين، واستمر العمل بهذه السلسلة إلى العام 1927.

لكن للأسف تدفق المال إلى بطولات السود، أفقدها الاستقرار المأمول، فقد تنقل اللاعبون بين الفرق بحثا عن أجر مضاعف، كما كانت بعض الفرق تتجاهل لعب بعض المباريات بحثًا عن عوائد أعلى قد تدفع لهم إذا لعبوا مباريات غيرها، وهذا ما جعل الدوري يفقد التنظيم الذي بحث فوستر عنه بالبداية، الأمر الذي جعله يبتعد تماما عن رئاسة الرابطة.

جاكي روبينسون.. الرجُل الذي أعادنا للحياة

ظلت دوريات السود تعيش مراحل من التخبطات، وأعيد تشكيلها وتأطيرها أكثر من مرّة بحثًا عن الزخم الذي أحدثته حين انطلقت بالمرة الأولى عام 1920، ووسط هذه الحالة من انعدام الرؤية، جاءت اللحظة التي قد تحوّل مجرى التاريخ.

كان جاكي روبينسون، لاعب فريق كانساس سيتي لداكني البشرة، قد عانى كل ما عاناه من شاركوه لون بشرته، لكن في أوائل عام 1945، تلقى طلبا لمقابلته من قبل شخص يُدعى برانش ريكي، الذي شغل وظيفة المدير التنفيذي لفريق «بروكلين دودجرز»، الذي يلعب ضمن دوري المحترفين الأمريكي للبيسبول.

كان الرأي العام الأمريكي في ذلك الوقت يتحرك باتجاه دمج السود في مناحي الحياة، ومن ضمنها الرياضة، وبالأخص رياضة البيسبول التي تعد الأكثر شعبيةً، لكن هذا لم يكن يعني بأي شكل أن المجتمع الأبيض قد تخلّص من حالة العداء والكراهية التي يكنها للسود.

العنصرية
جاكي روبينسون، أول لاعب داكن البشرة بدوري البيسبول الأمريكي للمحترفين.

ظهر ذلك جليًا أثناء النقاش الذي دار بين ريكي وروبينسون، حيث أخبره بأنه يريد شابا يتحمل العنصرية المتوقعة تجاهه من البيض، بغض النظر عن إمكانياته الفنية، بالطبع استنكر روبينسون ذلك، ووصفه بالبحث عن شخص جبان وليس لاعب بيسبول، لكنه وافق أخيرًا على العرض، ليتم إدراجه لاحقا في الفريق.

قوبل روبينسون باهتمام بالغ بأول مبارياته مع الـ«Dodgers»، بالطبع لم يكن اهتماما إيجابيا، فقد كان لون بشرته مؤرقا لجماهير فريقه ومنافسيه، إلا أن جودته كلاعب بيسبول موهوب ساهمت في تهدئة وطأة الممارسات العنصرية تجاهه، وساعده على ذلك أيضا بعض زملائه في الفريق الذين وضحوّا للجماهير المتعصبة أنه لا يصح أن يهاجم لاعب يرتدي قميص الفريق.

كانت روبينسون يتمتع بشخصية فولاذية، حيث استطاع أن يتجاوز رسائل تهديد بالقتل والألفاظ النابيه التي توجه له ويحولها إلى دافع يمكنه من تقديم أداء أفضل داخل الملعب، وتوج ذلك حين فاز بجائزة أفضل لاعب داخل الفريق بأول مواسمه عام 1947، على الرغم من أن سنه بذلك الوقت كان 28 سنة، وهو عمر مرتفع نسبيا.

كذلك نال روبينسون جائزة أفضل لاعب في الدوري ككل عام 1949، كأول لاعب أسود البشرة يحصل على هذه الجائزة في التاريخ، واستمر في حجز مكانه بتشكيل الأفضل كل عام بدايةً من 1949 وحتى 1954، لكن إنجازه الأعظم كان قيادته للفريق إلى الفوز ببطولة العالم ضد الغريم المباشر «Newyork Yankees» عام 1956، ليعلن بعد ذلك اعتزاله تماما.

ربما لم تنه محاولات روبينسون لإنهاء العنصرية هذه الظاهرة، لكنها فتحت بابا لأصحاب البشرة السمراء للمطالبة بأبسط حقوقهم المدنية وهي ممارسة الرياضة، وبالفعل، كان جاكي روبينسون هو أول الغيث، الذي تبعته أمطارًا من أفارقة الأصل بمختلف الرياضات الأمريكية، الذين حتى وإن كانوا يتعرضون لممارسات عنصرية كالتي تعرض لها روبينسون حتى لحظتنا الحالية، إلا أنهم على الأقل لم يعودوا مُعرضين للإقصاء تماما كما حدث بالسابق.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى