رياضة

صناعة لا تربح.. لماذا لا تختفي أندية كرة القدم بسبب الديون؟

في 15 من سبتمبر عام 2008، أُعلن إفلاس بنك “ليمان براذرز” الأمريكي، رابع أكبر البنوك الأمريكية وقتئذ، والذي بلغ دخله قبل لحظة الإفلاس بعام واحد نحو 59 مليار دولار أمريكي، وأرباحه نحو 6 مليار دولار. وبعد أكثر من قرنٍ ونصف منذ إنشائه، لم يعُد لـ”ليمان براذرز” وجود. 

تخيَّل أن هذا البنك الذي بلغ دخله 148 ضعف دخل نادٍ مثل مانشستر يونايتد الإنجليزي، وأرباحه نحو 50 ضعف أرباح نفس النادي، اختفى بلا عودة، بسبب عدد من الأخطاء، منها ما كان مقصودًا ومنها ما حدث رغمًا عن مسؤوليه، في حين أن نادي كرة القدم الذي كان غارقًا في الديون في نفس الوقت لا يزال موجودًا حتى اللحظة. 

السؤال المنطقي الآن: كيف تستمر أندية كرة القدم على قيد الحياة؟ 

أهم من الجميع 

بذكر الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 2008، لم تكن المقارنة بين “ليمان براذرز” ومانشستر يونايتد أهم ما يجب الإشارة إليه، لدينا قصة جديدة، بطلها ريال مدريد. 

في ذروة الأزمة، كان فلورنتينو بيريز قد عاد لتوه رئيسا للنادي الإسباني في ولاية ثانية، مع وعود بإعادة إحياء فكرة الجالاكتيكوس مرة ثانية. كانت المشكلة الأهم عند هذه اللحظة هي كيفية تمويل النادي لصفقات مدوية مثل التعاقد مع كريستيانو رونالدو، كريم بنزيما، كاكا وغيرهم من نجوم كرة القدم العالميين. 

كرة القدم

بطريقة ساخرة، نجح بيريز في إقناع مسؤولي (Caja Madrid)، والذي يعد أحد بنوك الإدخار الإسبانية، بإقراض النادي نحو 76 مليون يورو لاستكمال مشروع جلب النجوم لنادي العاصمة. وبغض النظر عن السياسة التي استخدمها رئيس ريال مدريد لإقناع المسؤولين، كيف يمكن أن يتم إقراض ناد لكرة القدم بمبلغ مثل هذا في ظل هذه الظروف الاقتصادية العصيبة؟ 

طبقا لبعض المقربين من بيريز، الرجل نفسه يرى أنّ علامة ريال مدريد التجارية أهم من الحكومة الإسبانية نفسها. هذه هي الإجابة المختصرة، أندية كرة القدم، أدركت مع الوقت، أنّها أكبر من الفشل، وفي حالة نادٍ ذا إرث ضخم مثل ريال مدريد، كل الطلبات مُجابة.  

 

استقرار لا يقارن 

كرة القدم

مع نهاية موسم 2021/2022، نشرت شركة “Deloitte” للاستشارات المالية تقريرًا تستعرض من خلاله أكثر 10 أندية تعاني من الديون في أوروبا، والتي وصل مجموع ديونها ما يدنو من 7 مليار يورو. وحتى تتخيَّل مدى فداحة الوضع المالي لكرة القدم الأوروبية، ففي 2010، وصل مجموع ديون الأندية الأوروبية مجتمعة 8 مليار يورو. 

مع ذلك، استمرت العجلة في الدوران، لم يُفلس أي نادٍ إلا في استثناءات نادرة، على الرغم من أن الأرقام تشير بشدة إلى خسائر فادحة، تَنُم عن إدارة دون كفاءة. والسؤال: كيف تنجح هذه الأندية في البقاء على قيد الحياة في ظل هذه الخسائر؟ 

على عكس ما قد تعتقد، صناعة كرة القدم هي الصناعة الأكثر استقرارًا على وجه الأرض؛ والسبب المباشر هو أنّه لا توجد حكومة أو دائن بعينه قادرًا على إعلان إفلاس نادٍ لكرة القدم، والسبب بديهي وهو الخوف من الجماهير الغاضبة. لكن للمزيد من التجرُّد، ليس الخوف من الجماهير وحده هو ما يمنع الدائن من المطالبة بتسديد الديون، هذه هي القصة الأهم. 

دعنا نخبرك بالحقيقة الأولى، أندية كرة القدم الراسخة لا يُمكن لها أن تتعثّر ماليًا. إليك بعض الأمثلة التي قد توضّح لك الفكرة. 

في 2010، كان ليفربول يعاني من ديون وصلت قيمتها لقرابة 350 مليون جنيه استرليني، قبل أن تأتي شركة “Fenway Group” لتستحوذ على النادي متحملةً مهمة سداد الديون. وفي حالة أخرى، أكثر تطرفًا، قُدر حجم ديون مانشستر يونايتد عام 2022 بعدما تحمَّل النادي تكاليف استحواذ عائلة الجليزرز عليه. في الحقيقة يمكننا أن نستمر في استعراض عشرات القصص عن ديون أندية النخبة التي لا تزال قادرة على جلب أفضل النجوم على الرغم من ذلك. 

لكن المهم في هذا الصدد، هو أن هذه الأندية لا تزال جاذبة للمشترين، الذين تختلف تطلعاتهم؛ البعض يستحوذ على النادي الغارق في الديون رغبة في إعادة بيعه، والبعض الآخر يفعل ذلك بغرض تلميع صورته، وربما يدفع الحب مجموعة أخرى لإنقاذ النادي من الديون وحسب. الأهم، هو أن الأندية الكبيرة تجد مخرجًا من الإفلاس، حتى وإن ارتكب مسؤوليها كل ما يجعلها تُفلس بالفعل. 

كرة القدم

في الواقع هذا هو الاختلاف الجوهري بين كرة القدم وأي صناعة أخرى. فمثلًا، داخل أي صناعة تقليدية، حين تفشل شركة أو مؤسسة ما في سداد ديونها، تختفي بلا رجعة، مهما كانت كبيرة ومؤثرة؛ فالتوقف عن مواكبة التطوُّر يعني الفناء، إلا في كرة القدم. 

وضع للمؤرخ الاقتصادي البريطاني “ليزلي هاناه”، قائمة بأفضل مائة شركة عالمية في عام 1912 وبحث عما حدث لها بحلول عام 1995. واتضح أن ما يقرب من نصف الشركات – تسعة وأربعون – لم تعد موجودة. في حين أن أندية كرة القدم نادرًا ما تختفي. إليك الخُدعة. 

في 2015، أصدرت محكمة إيطالية حكمًا بإفلاس نادي بارما الإيطالي، بعدما وصلت ديونه لنحو 72 مليون جنيه استرليني. هنا تحققت العدالة الشعرية ربما، إفلاس بارما منطقي، بعد سنوات من سوء الإدارة، وفشل الإدارات المتعاقبة على تقليص ديون النادي، والأسوأ عدم القدرة على إيجاد مشترٍ جديد. 

 عاد بارما مجددًا، لكن باسم مختلف وهو “بارما كالتشيو 1913”  باعتبار النادي حديث الولادة هو الوريث الشرعي لنادي بارما الذي تم حله قبل سنوات. هذه ليست مزحة، أو حكاية خيالية، هذه هي الخدعة التي اخبرناك بها. 

“طائر الفينيق” الذي يجدد نفسه ذاتيًا ليس مجرد أسطورة، بل حيلة ابتكرتها أندية كرة القدم للنجاة من الاختفاء.

 كل نادي كرة قدم هو نادٍ وشركة محدودة، عندما تفشل الشركة وتثقل بالديون وتصبح على وشك الإفلاس يكون الحل هو حَل الشركة القديمة وإنشاء أخرى جديدة، التي تحصُل بشكلٍ تلقائي على إرث النادي متمثلا في اسمه، ملعبه، كؤؤسه، والأهم دون أي ديون.  

 

الولاء لصناعة كرة القدم 

من المستحيل قتل نادٍ لكرة القدم، حتى وإن تعمدت ذلك. 

لسنا متأكدين من هوية قائل هذه العبارة، لكنّها صحيحة 100%، فأندية كرة القدم أكبر من الفشل، حتى وإن فشلت لعدة أسباب، أهمها ما يعرفه علم الاقتصاد بالخطر الأخلاقي. 

في الاقتصاد، يحدث الخطر الأخلاقي عندما يزيد شخص ما تعريض نفسه للمخاطر عند التأمين، خاصة عندما يأخذ الشخص مخاطر أكثر لأن شخص آخر يتحمل تكلفة تلك المخاطر. 

يحدث ذلك في كرة القدم بأكثر من صورة مثل الدعم الحكومي أو دعم البنوك للأندية المتعثرة عن سداد ديونها، أو مساندة الأندية المنافسة لأي نادٍ متعثر؛ لأنه للمفارقة لا يطمح أي منافس إلى اختفاء منافسه. 

حتى إذا ما انهار كل شيء، تظل الضريبة التي قد تدفعها الأندية هي الخروج من دوائر النخبة إلى دوائر أقل، وكلما استمر التراجع كلما هبط النادي لمنافسة أدنى. 

هذه الفكرة، حتى وإن كانت مؤرقة، لا تعني الاختفاء، كأي مؤسسة، لأن الأندية مهما تراجعت اقتصايًا لا تزال قادرة على تسيير أعمالها وفق المتاح؛ لأنّه مهما بلغ سوء النادي، فلديه مناصرين، حتى لو بضع آلاف، يظلون داعمين له حتى ولو كان يلعب في درجات الهواة. 

 

المصادر: 

كتاب “Soccernomics”. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى