علاقات

لماذا يصعب على المنعزل أن يعود للحياة الطبيعية مجددا؟

بحلول عام 1980، كان شاب يدعى نيل ألسين يعيش برفقة 20 آخرين داخل سكن جامعي بالعاصمة الإنجليزية لندن، يعتقد أنه كان يشعر بالضيق بسبب عدم استطاعته الحصول على الراحة والخصوصية الكافيتين بسبب التزاحم، وهو أمر يبدو منطقيا.

وفي أحد الأيام، عرض شخص مقرب له عرضا لا يمكن أن يرفضه شخص بنفس موقفه، وهو أن يحصل على سكن خاص له وحده، بأحد المناطق النائية مقابل إيجار زهيد. بالفعل وافق نيل وقرر خوض تجربة العزلة تلك، عقب 5 سنوات من العيش وحيدا، يخبرنا الشاب بأنه حتى وإن كان قد اعتاد ممارسة كل طقوس حياته بمفرده، إلا أنه يعتقد بأنه ربما افتقد بعض أساسيات قدرته على التفاعل مع البشر بمرور الوقت، مرجعا ذلك لأنه خلال الـ5 سنوات التي قضاها وحيدا، لم يمر شخص واحد بجوار بيته. هنا يطفو سؤال جديد على السطح، هل يمكن للإنسان أن يفتقد اجتماعيته؟

عن العزلة والوحدة

«عندما ذهبت لشراء بعض الأغراض من محل قريب بالقرية، لم أستطع الحديث بشكل طبيعي، قبل أن أتذكر بأنني لم أتحدث منذ ما يقارب الأسبوعين ولو بكلمة واحدة».

- نيل أنسيل

 

الإنسان كائن اجتماعي في العموم، يظهر ذلك جليا في كل تصرفاته ودوافعه، التي تتطلب غالبا وجود أطراف أخرى ‑بشر- للتفاعل معها، لذا ودون شك تتمحور فكرة الاجتماعية حول استمرار التفاعل بين الأفراد داخل كل مجتمع، بالتالي إذا اختفى ذلك التفاعل لأي سبب كان، يتحول الإنسان إلى منعزل أو وحيد.

الانعزال هو أن يختار الإنسان طواعية أن يبقى وحيدا، دون أن يشعره ذلك بالوحدة على الإطلاق، فقد كانت العزلة بالفعل هي الطريق الذي سلكه العديد من الفلاسفة، رجال الدين، وبعض الفنانين، لأنهم وجدوا في ذلك الحل المثالي لكيلا تتأثر أفكارهم التي يحملونها بالمجتمع المحيط، قد يبدو ترك العالم بشكله العادي منطقيا بالفعل، له أسبابه، ولكن المشكلة الحقيقية تحدث، حين يقرر الإنسان أن يتخلى عن عزلته ويعود ككائن يجب عليه التعامل مع مجموعة مماثلة من البشر.

في هذه الحالة، يتساوى موقف المنعزل مع موقف الوحيد، على الأقل نفسيا، فكلاهما يجدان صعوبات في التفاعل مع البشر. بذلك الصدد، يخبرنا علم النفس بأن الإنسان الذي يجد عوائق في التعامل اجتماعيا مع المحيطين به ليس مصابا بمرض عضوي، لكن القصة تكمُن في تعرضه لخلل يشوه نظرة المجتمع تجاهه، وفي الأغلب يتعرض للسقوط في ما يعرف بالـ«انحياز التأكيدي»، حيث يبدأ في أن يفسر كل الكلمات الموجهة له بشكل سيئ، بالتالي تتقلص ثقته بنفسه، بل قد يصل الأمر إلى الشعور بأن الجميع يشكل تهديدا عليه، حتى وإن كان ذلك الشعور من وحي خياله.

للعزلة وجه آخر

بالعودة لنظرة المنعزل لذاته وللعالم من حوله، وبما أنه لا مفر من تدقيقه بكل التفاصيل المحيطة به وتوقع الأسوأ من الآخرين بشأنه، تظهر الإيجابية الوحيدة من الانعزال عن المجتمع.

يخبرنا عالم النفس الياباني «تي تاشيرو» بأنه أحيانا قد يعتبر الانعزال صفة محمودة، فحسب رأيه، بعض الأشخاص ممن يعانون اضطرابات اجتماعية مثل الخجل الشديد، هم أكثر عرضة للنجاح عمليا، كما أنهم أحيانا يصبحون أصدقاء أفضل، لأنهم ببساطة يحسبون بشدة بالغة كل كلمة أو تصرّف يخرُج عنهم، فحتى وإن كان ذلك قد يحدث لغرض آخر، وهو تجنُّب ردّات فعل الآخرين السيئة تجاههم، إلا أن الصورة الأشمل تظل جيدة، فالمنعزل هو إنسان يراعي مشاعر الآخرين أيا ما كانت دوافعه.

العودة للحياة

بالعودة مرة أخرى لـ نيل، فهو يعتقد أن العودة للحياة العادية عقب الانعزال هي تجربة أصعب من تجربة الانعزال نفسها، لأن العودة للمجتمع تتطلب تضحيات يصعب على من قرر خوض مغامرة مماثلة تقديمها. لكن هل ذلك هو السبب الوحيد؟

حقيقة هنالك بعد جديدا يمكن للعلم أن يضيفه بهذا الصدد، فصعوبة العودة للحياة العادية لها سبب علمي وجيه، وهو «رقم دونبار».

رقم دونبار هو عدد العلاقات التي يمكن للإنسان الواحد أن يمتلكها، ليس بشكل صوري، لكن علاقات بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مثل أن تعرف عن الشخص بالجهة المقابلة كل تفاصيل حياته، بداية من اسمه وصولا إلى الأشياء التي يحب أو يكره، مرورا بالتفاصيل الدقيقة لحياته اليومية، غالبا عدد العلاقات التي يستطيع مخ الإنسان أن يستوعبها طبقا لرقم دونبار هي 150.

المثير هو ما جاء على هيئة دراسة أعدت على طاقم مكون من 9 أشخاص ذهبوا في رحلة استكشافية لأنتاركاتيكا استغرقت حوالي 14 شهرا، حيث وجد علماء ألمان بأن قدرة مخ الإنسان الذي تعرّض للعزلة على استيعاب ذكريات جديدة قد تقلصت بنسبة 7%، ما يعني أن قدرة الإنسان الفيزيائية على تطبيق بعض المهارات الاجتماعية الأساسية تتأثر بالفعل بالعزلة.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى