«متلازمة ستوكهولم».. وحيلة نفسية لعبور الأزمات

يسعى الإنسان دائما للتأقلم مع المتغيرات التي تطرأ على حياته، هذه هي الفطرة التي خلق عليها، وليست أمرا مستجدا، فقد ترك الإنسان الصيد والتقاط الثمرات من فوق الأشجار للتأقلم مع شح الموارد قديما، وترك الزراعة رغبة في أن يستغل الوقت أفضل استغلال، وغض البصر عن كل ذلك ولجأ إلى الإنترنت أخيرا رغبة في مواكبة عصر السرعة، منذ وجد الإنسان، ظلّ يرغب بشدة في التأقلم، وهذا ربما هو سر بقائه آلاف السنين.

لكن دعنا نسأل سؤالا منطقيا، إلى أي حد يمكن أن يتنازل الإنسان عن أساسيات حياته طمعا في التأقلم؟ هل يمكن أن يصل الأمر إلى التضحية بنفسه؟

ماذا حدث بستوكهولم؟

بالـ23 من أغسطس عام 1973، كان «يان إيريك أولسن» قد فشل لتوه في عمليته للسطو على أحد أكبر بنوك السويد (كريديت بانكين)، ليلجأ عقب ذلك للتفاوض مع السلطات الشرطية مستغلا احتجازه 4 رهائن (3 سيدات ورجل).

استمرت عملية احتجاز الرهائن حوالي 6 أيام قبل أن يتم إلقاء القبض على المجرم في انتظار معاقبته بأقصى عقوبة ممكنة، لكن المثير كان أن الرهائن وقتئذ قد رفضوا أن يشهدوا ضد أولسن بالمحكمة، بل إن الأمر وصل إلى دفعهم أموالا لمحامين من أجل الدفاع عنه أيضا.

في نفس الأثناء استعانت السلطات السويدية بـ«نيلز بيجيروت»، المختص بعلم الجريمة في محاولة لتفسير ردة فعل الضحايا ضد محتجزهم، في حين لم يتوان بيجيروت قبل أن يفترض بأن المحتجزين تعرضوا لغسيل دماغ.

بدا الطرح منطقيًا، إلا أن ما جاء على لسان «أولسن» نفسه قد دحض ذلك الافتراض شكلا وموضوعا، فقد قال: «ما حدث هو خطأ الرهائن، فقد فعلوا كل ما طالبتهم به، لم يبدأ أي منهم بمهاجمتي، لذا أضحى من الصعب قتلهم، على العكس توجّب علينا أن نعيش سويا 6 أيام كاملة، بالتالي تعرّفنا على بعضنا البعض».

غريزة البقاء

دون شك، كان تصرُّف الرهائن أثناء احتجازهم منطقيا، بل مثاليا، لأنهم في ذلك الوقت لم يمتلكوا أي خيارات تذكر سوى الانصياع لأوامر المُحتجز، والهدوء التام أملا في عبور تلك الأزمة، لكن السؤال المهم هو لماذا أظهروا تعاطفا مع الخاطف عقب إطلاق سراحهم؟

عقب هذه الحادثة تم تسمية أي تعاطف مشابه بـ«متلازمة ستوكهولم»، في حين افترض علماء النفس بأن هذه التصرفات ما هي إلا نتاج طبيعي لعبور الأزمة مبدئيا.

وفي محاولة للتأقلم مع الوضع، تبدأ 3 أعراض رئيسية في الظهور على من يتعرض لموقف مشابه وهي ظهور حالة من التعاطف مع الخاطف، نشأة حالة من الكراهية تجاه السلطات التي من المفترض أنها تسعى لتأمين المحتجز وأخيرا محاولة المحتجز إظهار الجانب الإيجابي من المجرم.

السبب الثالث تحديدا يعيدنا إلى تصريح أولسن، لأن التعايش بين المجرم وضحيته لفترة من الوقت سينتج بنهاية المطاف رابطا وثيقا بينهما، من ثم يبدأ كلا الطرفين التعرُّف أكثر على دوافع الآخر، وتاريخ حياته، وصولا إلى نشأة ما يشبه المجتمع المصغر بما تحمله الكلمة من معنى داخل مقر الاحتجاز.

أين الحقيقة؟

مبدئيا لم يتمكن العلم من إثبات كون متلازمة ستوكهولم اضطرابا نفسيا، لكنها أشبه بحيلة نفسية يلجأ إليها دماغ الإنسان لتفادي الصدمة وتوابعها من القلق والإحباط الناجم عن المواقف الخطرة.

وحتى تدرك الصورة كاملة يمكننا أن نحيلك إلى مواقف مشابهة يعيشها معظمنا في حياته العادية، فكثيرة هي حالات العنف ضد الأطفال من ذويهم، والتي يعبرها الصغار بمحاولة البحث عن أي جانب مشرق قد يجعلهم يتناسون قسوة التعامل بحقهم، كذلك يتعرض الرياضيون للتعنيف من مدربيهم بمرحلة ما في مسيرتهم المهنية، الأمر الذي يتأقلم معه الرياضي بحجة أن المدرب يبحث عن مصلحة لاعبه.

فقط تذكر، الهدف الأسمى للإنسان على هذه الأرض هو البقاء، أو للمزيد من الدقة.. التأقلم. 

الكاتب

مصدر طالع المصدر الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status