ثقافة ومعرفة

متلازمة هافانا.. حيلة استخباراتية أم مرض نفسي؟

في كتابهما، متلازمة هافانا: المرض النفسي الجماعي والقصة الحقيقية وراء لغز السفارة، استعرض الكاتبان الأمريكيان روبرت بارثولومو وروبرت بالوه، وجهات النظر كافة، حول الظاهرة التي أصابت بعض الدبلوماسيين الأمريكيين بالعام 2016، ومدى ترابطها بمخاوف مماثلة عبر التاريخ.

ما هي متلازمة هافانا؟

باختصار، متلازمة هافانا هي عبارة عن مجموعة من الأعراض الطبية ذات الأسباب (غير المعروفة)، والتي اختبرها عدد من المسؤولين الحكوميين والعسكريين في الولايات المتحدة، خاصةً الذين يعملون خارج البلاد.

وتتباين الأعراض التي يعاني منها المصابون حيث تتراوح في شدتها ما بين الطنين في الأذن وصولًا إلى الصعوبات الإدراكية.

تم الإبلاغ عن هذه الحالة لأول مرة في عام 2016 من قبل موظفي السفارة الأمريكية والكندية في هافانا، عاصمة كوبا، وبدايةً من عام 2017، أبلغ المزيد من الأشخاص، بما في ذلك أفراد المخابرات والجيش الأمريكيين وعائلاتهم، عن معاناتهم من هذه الأعراض في أماكن أخرى، مثل الصين وأوروبا.

ماذا حدث في هافانا؟

متلازمة هافانا

كما ذكرنا، بدأت قصة متلازمة هافانا في الصعود على السطح بالعام 2016 تقريبًا، لكن وكالة المخابرات المركزية قررت التكتُّم على البلاغات بصدد هذه الظاهرة، قبل أن يعترف نحو 26 موظفًا أمريكيًا منتدبًا بمعاناتهم مع حالة مرضية غريبة.

يُعتقد أن القرار الأمريكي بالتكتُّم جاء بسبب عودة العلاقات الأمريكية الكوبية قبل عام واحد من الإعلان عن أول حالة، ولكن مع انتشار الأخبار، قام كل طرف بالإدلاء بدلوه بهذه القصة الشائكة، حيث اعتبرها البعض مرضًا نفسيًا، فيما يعتقد البعض الآخر أنها حيلة استخباراتية لإلحاق الضرر بممثلي الولايات المتحدة الأمريكية في مختلف دول العالم.

اقرأ أيضًا: جيفارا.. عاشق الرجبي الذي أصبح رمزا للتمرد

نظريات

متلازمة هافانا
أعراض متلازمة هافانا.

منذ اللحظة الأولى، حاولت العديد من الدراسات والتقارير العلمية البحث عن سبب محتمل للأعراض التي تم الإبلاغ عنها بالاقتران مع متلازمة هافانا، تضمنت أساليب متعددة مثل؛ دراسة التصوير العصبي تجميع عينات الدم المأخوذة من المصابين وتحليل بشكل منهجي.

وعلى الرغم من عدم الوصول لسبب مباشر للأصوات الغريبة التي يسمعها المصاب وآلام الرأس التي يعاني منها، إضافة لبعض المضاعفات التي تصل أحيانًا لفقدان حاسة السمع مؤقتًا، تبنت بعض الجهات مجموعة من النظريات، التي يمكن أن تكون إحداها سببًا للإصابة بمتلازمة هافانا العجيبة.

الموجات الدقيقة

قام «دوجلاس سميث»، رئيس الفريق الطبي الذي فحص 21 دبلوماسيًا مصابًا من كوبا، بتوجيه أصابع الاتهام لأجهزة الموجات الدقيقة «ميكروويف» كمتهّم رئيسي، بالتالي طبقًا لقناعته، المصابون بمتلازمة هافانا عانوا دون شك من خلل ما في الدماغ نتيجة لتعرّضهم لهذه الموجات.

تنتشر أفران الميكروويف في كل مكان في الحياة العصرية، وتعمل موجات الراديو القصيرة على تشغيل الرادارات وطهي الأطعمة ووسائل الترحيب وربط الهواتف المحمولة بأبراج الهوائي، وكلها تعتبر من أشكال الإشعاع الكهرومغناطيسي.

طبقًا لـ«جيمس لين»، البروفيسور المتخصص بالهندسة الطبية الحيوية بجامعة إلينوي الأمريكية، قد تتسبب الموجات الدقيقة عالية الكثافة ضوضاء عالية، غثيانا، صداعا ودوارا، بالإضافة إلى إصابات محتملة في أنسجة المخ، وأضاف أنه يمكن إطلاق الحزم سرا، لتصل إلى الهدف المقصود فقط. وهو ما دفع البعض للاعتقاد بأنها حيلة استخباراتية، تعود لتاريخ الصراع الأمريكي السوفييتي.

صفير الحشرات

ثاني النظريات التي تمت صياغتها حول سبب الإصابة بمتلازمة هافانا، كانت ما يعرف بـ«صفير الحشرات»، وبدأت هذه النظرية في التبلور حين قامت مجموعة من الفيزيائيين بتحليل تسجيلات صوتية لـ8 من الـ21 مصابًا الأصليين بالأعراض بالعام 2018.

خلص التحليل إلى أن الأصوات في التسجيلات الثمانية كانت على الأرجح بسبب الحشرات، وأنه من غير المحتمل أن تكون الموجات الميكرويية أو حزم الموجات فوق الصوتية متضمنة، لأنه لا يوجد مصدر واحد معقول للطاقة يمكنه إنتاج إشارات الصوت المسجلة والتأثيرات الطبية المبلغ عنها.

وعلى الرغم من ذلك، لم يستبعد هذا التحليل فكرة نظرية المؤامرة، حيث إنّ هذه الأصوات حتى إن كانت غير ضارّة في المطلق، إلا أنّها من الممكن أن تُقدّم كخداع من قبل الخصم.

اقرأ أيضًا: هل نعيش الحرب العالمية الثالثة دون أن ندري؟

عوامل خارجية

حسب دراسة بحثية مقدمّة من الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم، من الممكن أن تتسبب بعض العوامل الخارجية في إصابة البعض بأعراض مماثلة لأعراض متلازمة هافانا، ومنها التعرُّض بكثافة للمبيدات الحشرية.

كما أشارت الدراسة أيضًا إلى استبعاد إمكانية كون متلازمة هافانا مرضًا ينتقل بالعدوى، مثل فيروس «زيكا» الذي ضرب كوبا عام 2016.

مرض نفسي

بالتأكيد، تعتقد فئة تُعارض كل ما سبق من نظريات أن السبب الوحيد للإصابة بمتلازمة هافانا يعود للبُعد النفسي، وهو ما أكدّته وحدة التحليل السلوكي التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي المدينة التي توصلت إلى تقييم يفيد بأن الأفراد المصابين كانوا يعانون من مرض نفسي جماعي.

في الواقع، تم العمل مجددًا على هذه الفرضية، وتوصّل العلماء أخيرًا إلى أن المرض النفسي قد لا يكون السبب الوحيد، لكن في نفس الوقت، لا يمكن تجاهل الطرق المختلفة التي تأثر بها الناس، والتي تركت التأثير المحتمل للعوامل النفسية والاجتماعية مفتوحًا.

في تقييمها للأسباب الاجتماعية والنفسية المحتملة، لاحظت لجنة العلماء أن الاستجابات النفسية القائمة على الإجهاد قد تعد سببًا محتملًا بل أكثر منطقية من التهديدات المحتملة المنسوبة إلى المصادر البشرية. لكن على كلٍ منعت محدودية العينات المتاحة التصديق على ذلك الطرح.

ختامًا، وحتى يتوصّل المتخصصون للسبب الحقيقي لظاهرة متلازمة هافانا، يتبقى السؤال مطروحًا؛ هل يتم استهداف الدبلوماسيين الأمريكيين عن عمدٍ، في استمرار للصراع القائم منذ الحرب الباردة، أما أنّها مجرد أعراض يتبناها موظفو الولايات المتحدة الأمريكية، كتطوّر منطقي لحالات الحنين للوطن؟

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى