ثقافة ومعرفة

منصة «نتفلكس».. وهل المستخدم مُسير أم مخير؟

يواجه بعضنا مشكلة مُلخصها تحديد ما سوف نشاهده على تطبيق «نتفلكس» من أفلام، بناءً على توقعنا لمدى جودة العرض الذي يطرح أمامنا على قائمة التشغيل.

منصة نتفلكس.. من الصفر إلى العالمية

على عكس الشائع، لا تُعد منصة «نتفلكس» منصةً حديثة النشأة، بل تم تأسيسها بواسطة الثنائي الأمريكي «ريد هاستنغز» و«مارك راندولف» بالعام 1997، من أجل بيع وتأجير أقراص الـ«DVD» عن طريق البريد.

لكن بعد عقد من الزمن، أتاحت المنصة خدمات البث عند الطلب، قبل أن تتحوَّل لعملاق إعلامي في العام 2013، حين قرر القائمون على إدارتها اقتحام مجال صناعة المحتوى المرئي، والذي بدأ فعليًا عام 2016، حين قدمت المنصة أول عمل من إنتاجها تحت عنوان «House Of Cards».

يقع مقر مؤسسة «نتفلكس» الرئيسي حاليًا في مقاطعة «سانتا كلارا» بكالفورنيا، ومؤخرًا أصبحت الشركة جزءًا من عالم التكنولوجيا الفائقة فيما يعرف بوادي السيليكون، ويعتقد أن مقرات الشركة موّزعةً في الوقت الراهن على نحو 190 دولة.

اقرأ أيضًا: بيع الهواء.. وأغرب طرق كسب المال في العالم

خوارزميات نتفلكس

نتفلكس

من جانبها؛ تحاول إدارة تطبيق «نتفلكس» الذي قفز قفزة مهولة في عالم الإنتاج والحصول على حقوق عرض المحتوى المرئي عبر تطبيق مدفوع الأجر، تسهيل الأمور على المستهلك، من خلال تقديم قائمة منسقة بالعناوين، حددتها خوارزميات معقدة من قبل، في محاولة منهم لإيجاد أنماط عرض متكررة للمستهلكين الذين شاهدوا محتويات مشابهة للتي تشاهدها أنت، فكيف يحدث ذلك؟

اقرأ أيضا: 7 أمور يحذر من البحث عنها على جوجل

حقيقة ثابتة

حقيقةً لا يُمكن للمستهلك أن يقيِّم محتوى كاملا عبر قراءة عنوانه، والحقيقة أيضًا أن إدارة نتفلكس لم تسع لذلك مطلقا، لكن عن غير عمدٍ، يشعُر المستهلك أو المستخدم لهذه النوعية من التطبيقات، أنه مجبر لأن يصف ما يشعُر به حيال العنوان، حتى وإن كان من المستبعد أن يفيد شعوره تجاه العنوان بأي شيء دون مشاهدة المحتوى كاملًا.

رأي علم النفس

يخبرنا علم النفس، عبر أبحاث عديدة، أن التوقعات يُمكنها أن تؤثر على تجربة المشاهدة نفسها، لأنه وطبقًا لـ«كيث ماركمان» و«ماتيو مكمولين» من جامعة أوهيو، إذا توقعنا بأن شيئا ما سيكون جيدًا، فقد نقرر خوض تجربة مشاهدته، لكن بشرطين؛ الأول، طالما أنه ليس سيئا لدرجة الانحراف الواضح عن توقعاتنا، والثاني، هو أن نكون مشاهدين عاديين، لا نطمح في تحليل أي جانب من جوانب تجربة المشاهدة.

أطروحة الشوكولاتة

عرض «إيان نوريس»، المختص بعلم نفس المستهلك، أطروحته بذات السياق، حيث قام بإعطاء الشوكولاتة لمجموعتين من الطلبة، وأخبر المجموعة الأولى بأن الجميع قد منح تقييمًا مرتفعا لهذه الشوكولاتة، أما المجموعة الثانية، فقد تم إخبارهم بأن الجميع قد منحها تقييما سيئا، لمعرفة تأثير المحيطين على قرارات الفرد الواحد.

وبصورة مختلفة، قرر إيان تعقيد التجربة، عبر رفع سقف توقعات المستهلكين ‑الطلبة- عن طريق إخبارهم بأن قطع الشوكولاتة قد تم صنعها منزليًا، لكن عند تقديمها لهم، فقد قُدمت قطع مصنعة وتم تسخينها في الميكرويف، لهذا كانت ردود الأفعال تجاه القطع المصنعة ربما أسوأ مما كان يعتقد، إذا ما لم يتم إخبارهم بأي شيء عن ماهية الشوكولاتة من الأساس.

بإسقاط هذه التجربة على قضية «نتفلكس»، سترى أن الفكرة واحدة تقريبا، فالخوارزميات الخاصة بالمطابقة عبر العنوان، تقوم بعملية الإيحاء، لتخبرك بأنه من الممكن أن تُحب ذلك المحتوى، بناءً على مشاهداتك السابقة، وللأمانة، كل الاحتمالات متاحة، فمن الممكن جدًا أن يلقى العرض الموصى به إعجابك، ومن الممكن أن يكون مجرد «شوكولاتة مصنعة تم تسخينها في الميكرويف».

مُسيّر أم مُخيّر؟

نتفلكس
خوارزميات الحاسوب.

بتقرير أعدّه فريق بحثي من كلية «كولومبيا» لعلوم الإدارة، وصفت «أويفيه توبيا»، المختصة بإدارة الأعمال، عملية اختيار مستخدم منصة نتفلكس أو أي منصة أخرى تُقدّم خدمات البث للمحتوى بالبسيطة، حيث عادةً ما يقوم المستخدم بالنقر والإشارة لما يجده مسليًا، لكن بالنسبة لشركة بحجم نتفلكس، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا.

اقرأ أيضًا: فوائد الإنترنت وأضراره.. كيف تحيط بنا جميعا؟

استراتيجيات

طبقًا لورقة بحثية نُشرت مؤخرًا تحت عنوان «استخلاص ميزات المنتجات الترفيهية»، فالتوصيات التي تقدّمها منصات مثل نتفلكس للمستهلك في الغالب تعتمد على منهجين أساسيين.

الأول هو السجل التعاوني، الذي يتطابق مع المشاهدين، بناءً على سجل مشاهدين آخرين مشابهين من حيث البيانات، أما الطريقة الأخرى، ‑الأكثر فعالية- فهي الاستناد للمحتوى، حيث تحاول الخوارزميات تحديد مدى إعجاب كل مستهلك بأفلام أو برامج تلفزيونية مختلفة بناءً على سلوكه السابق.

على سبيل المثال، قد يكون هنالك منتج لم يشاهده أحد حتى الآن، لكن في نفس الوقت يتميز بنوع معين من المحتوى، بالتالي يمكن محاولة تخمين مدى إعجاب مستخدم معين بهذا الفيلم استنادًا إلى مدى إعجابه بالأفلام ذات الموضوعات المتشابهة.

معضلة

مع انتشار خوارزميات التنبؤ بكل مكان، لم يعد المستخدم قادرًا على معرفة إذا ما كانت قائمة المشاهدات الخاصة به من اختياره أم لا، وذلك لأن الشركات الضخمة ترى أنه يستحيل التعامل مع المستهلك دون مجموعة قوية من التوقعات.

وهذا يثير تساؤلات مشروعة حول مصداقية تجارب المشاهدة الخاصة بنا، وردود أفعالنا تجاهها، لأننا لم نعد كالسابق، لا نذهب لمتجر الفيديو لنفاضل بين مئات الأشرطة، أو نذهب لمكتبة قديمة لنصطدم بكتاب مغمور يغيّر حياتنا إلى الأبد، حتى وإن كنا نصادف عديد النماذج السيئة من كتب وأفلام وموسيقى، إلا أن تقييمنا لها قد حدث بمحض إرادتنا دون تدخل من أي جهة.

بالعودة مجددًا لنتفلكس، تقييم المطابقة الذي يعتمد على الاختيارات السابقة للمشاهد، سيحدد الخيارات القادمة أيضًا، وهو ما يعني توجيه المستهلك إلى شكل محدد من المحتوى بافتراض أنه ‑وفقا للخوارزميات- يعجبه، لهذا قد تتحول تجربة المشاهدة على تطبيق مثل نتفلكس، إلى تخيُّل لدى المستخدم بأنه يمتلك القدرة على اختيار تجربة مناسبة لكن هذا لا يمُت للواقع بصلة.

على كلٍ، فكرة الخوارزميات الخاصة بمنصة نتفلكس وغيرها من المنصات جيدة بالفعل، وتسهل على المستخدم إيجاد المحتوى الأقرب لذوقه، لكنها فقط قد تحرمه من مقابلة ما هو ليس متوقعا، والذي يكون أحيانًا سببا من أسباب تحول جذري في شخصيته أو سلوكياته، أو حتى لسبب أقل أهمية، وهو أن الإنسان أحيانًا يحتاج إلى توسيع منصة ذوقه العام وحسب.

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى