منصة «نتفلكس».. وهل المستخدم مُسير أم مخير؟

يواجه بعضنا مشكلة مُلخصها تحديد ما سوف نشاهده على تطبيق «نتفلكس» من أفلام، بناءً على توقعنا لمدى جودة العرض الذي يطرح أمامنا على قائمة التشغيل.

من جانبها؛ تحاول إدارة تطبيق «نتفلكس» الذي قفز قفزة مهولة في عالم الإنتاج والحصول على حقوق عرض المحتوى المرئي عبر تطبيق مدفوع الأجر، تسهيل الأمور على المستهلك، من خلال تقديم قائمة منسقة بالعناوين، حددتها خوارزميات معقدة من قبل، في محاولة منهم لإيجاد أنماط عرض متكررة للمستهلكين الذين شاهدوا محتويات مشابهة للتي تشاهدها أنت.

تشتت

حقيقةً لا يُمكن للمستهلك أن يقيِّم محتوى كاملا عبر قراءة عنوانه، والحقيقة أيضًا أن الإدارة لم تسع لذلك مطلقا، لكن عن غير عمدٍ، يشعُر المستهلك أو المستخدم لهذه النوعية من التطبيقات، أنه مجبر لأن يصف ما يشعُر به حيال العنوان، حتى وإن كان من المستبعد أن يفيد شعوره تجاه العنوان بأي شيء دون مشاهدة المحتوى كاملًا.

يخبرنا علم النفس، عبر أبحاث عديدة، أن التوقعات يُمكنها أن تؤثر على تجربة المشاهدة نفسها، لأنه وطبقًا لـ«كيث ماركمان» و«ماتيو مكمولين» من جامعة أوهيو، إذا توقعنا بأن شيئا ما سيكون جيدًا، فقد نقرر خوض تجربة مشاهدته، لكن بشرطين؛ الأول، طالما أنه ليس سيئا لدرجة الانحراف الواضح عن توقعاتنا، والثاني، هو أن نكون مشاهدين عاديين، لا نطمح في تحليل أي جانب من جوانب تجربة المشاهدة.

أطروحة الشوكولاتة

بوقت سابق، عرض «إيان نوريس»، المختص بعلم نفس المستهلك، أطروحته بذات السياق، حيث قام بإعطاء الشوكولاتة لمجموعتين من الطلبة، وأخبر المجموعة الأولى بأن الجميع قد منح تقييمًا مرتفعا لهذه الشوكولاتة، أما المجموعة الثانية، فقد تم إخبارهم بأن الجميع قد منحها تقييما سيئا، لمعرفة تأثير المحيطين على قرارات الفرد الواحد.

وبصورة مختلفة، قرر إيان تعقيد التجربة، عبر رفع سقف توقعات المستهلكين ‑الطلبة- عن طريق إخبارهم بأن قطع الشوكولاتة قد تم صنعها منزليًا، لكن عند تقديمها لهم، فقد قُدمت قطعا مصنعة وتم تسخينها في الميكرويف، لهذا كانت ردود الأفعال تجاه القطع المصنعة ربما أسوأ مما كان يعتقد، إذا ما لم يتم إخبارهم بأي شيء عن ماهية الشوكولاتة من الأساس.

بإسقاط هذه التجربة على قضية «نتفلكس»، سترى أن الفكرة واحدة تقريبا، فالخوارزميات الخاصة بالمطابقة عبر العنوان، تقوم بعملية الإيحاء، لتخبرك بأنه من الممكن أن تُحب ذلك المحتوى، بناءً على مشاهداتك السابقة، وللأمانة، كل الاحتمالات متاحة، فمن الممكن جدًا أن يلقى العرض الموصى به إعجابك، ومن الممكن أن يكون مجرد «شوكولاتة مصنعة تم تسخينها في الميكرويف».

مسيرون أم مخيرون؟

مع انتشار خوارزميات التنبؤ بكل مكان، لم يعد المستخدم قادرًا على معرفة إذا ما كانت قائمة المشاهدات الخاصة به من اختياره أم لا، وذلك لأن الشركات الضخمة ترى أنه يستحيل التعامل مع المستهلك دون مجموعة قوية من التوقعات.

وهذا يثير تساؤلات مشروعة حول مصداقية تجارب المشاهدة الخاصة بنا، وردود أفعالنا تجاهها، لأننا لم نعد كالسابق، لا نذهب لمتجر الفيديو لنفاضل بين مئات الأشرطة، أو نذهب لمكتبة قديمة لنصطدم بكتاب مغمور يغيّر حياتنا إلى الأبد، حتى وإن كنا نصادف عديد النماذج السيئة من كتب وأفلام وموسيقى، إلا أن تقييمنا لها قد حدث بمحض إرادتنا دون تدخل من أي جهة.

بالعودة مجددًا لنتفلكس، تقييم المطابقة الذي يعتمد على الاختيارات السابقة للمشاهد، سيحدد الخيارات القادمة أيضًا، وهو ما يعني توجيه المستهلك إلى شكل محدد من المحتوى بافتراض أنه ‑وفقا للخوارزميات- يعجبه، لهذا قد تتحول تجربة المشاهدة على تطبيق مثل نتفلكس، إلى تخيُّل لدى المستخدم بأنه يمتلك القدرة على اختيار تجربة مناسبة لكن هذا لا يمُت للواقع بصلة.

أخيرًا؛ لا توجد مجموعات اختيارات لأي محتوى لم يتم تنسيقها بشكل ما مسبقا، حسبما يرى إيان نوريس، لكن كذلك يترك للمستخدم هامش من التجربة، التي لا تتدخل فيها التوقعات الخوارزمية.

على كلٍ، فكرة الخوارزميات جيدة بالفعل، وتسهل على المستخدم إيجاد المحتوى الأقرب لذوقه، لكنها فقط قد تحرمه من مقابلة ما هو ليس متوقعا، والذي يكون أحيانًا سببا من أسباب تحول جذري في شخصيته أو سلوكياته، أو حتى لسبب أقل أهمية، وهو أن الإنسان أحيانًا يحتاج إلى توسيع منصة ذوقه العام وحسب.

الكاتب

مصدر طالع المصدر الأصلي من هنا
علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status