رياضة

كازويوشي ميورا.. وسر «الملك» الأكثر تعميرا في كرة القدم

«لا أعتقد أنني قد أتوقف أبدًا عن لعب كرة القدم».. بتلك العبارات وصف الدولي الياباني السابق علاقته باللعبة التي قضى بها أكثر من نصف عمره الحالي.

على الجهة المقابلة، في كل مرّة يتم تجديد تعاقُد «كازويوشي ميورا» مع فريق ياباني، تُقابل الأخبار بمشاعر من الإعجاب الممزوج ببعض من السخرية، دون أدنى اهتمام باسم الفريق الذي يلعب له، ولا مدى أهميته للمجموعة، ولا أيٍ من العوامل التي يتم النظر إليها عادةً حين يُعلن عن تمديد تعاقد أي لاعب مُحترف مع ناديه في عصرنا الحالي، والسبب بسيط جدًا؛ «الملك كازو» ما زال يمارس كرة القدم الاحترافية في سن الـ54، فما السر الخفي وراء هذا الإنجاز؟

الكاميرا وبيليه

مطلع 2021، جدّد «ميورا» مع ناديه «يوكوهاما إف سي» مرّةً أخرى، لتستمر مسيرته الكروية لموسم جديد وهو الـ36 له بالملاعب، والـ17 مع فريقه الحالي، في حين أنه سجّل آخر مرّة قبل 5 مواسم كاملة، وقبل أن نتطرّق للطريقة السحرية التي مكنته من اللعب 15 عامًا فوق متوسط سنوات اللعب الطبيعية لمحترف، علينا أن نعود للخلف قليلًا، لما ميَّز «كازو» عن سائر اللاعبين اليابانيين.

نشأ «كازو» بين عائلة مولعة بكرة القدم، حالها كحال مدينة «شيزوكا»، التي ولد بها، حيث كان والده مشجعًا كرويًا كبيرًا، كما أصبح شقيقه الأكبر لاعبًا محترفًا بوقت لاحق، وربما كان ذلك سببًا كافيًا لتعلُّق الولد الصغير بكرة القدم، لكن هذا ليس كُل شيء.

في 1970، سافر الوالد لحضور فعاليات مونديال المكسيك، حاملًا في يده كاميرا خاصة لتصوير سحر بيليه الذي أدهش العالم وقتئذ، وعند عودته، ولسنوات، ظل ميورا يشاهد المقاطع التي نجح والده في تصويرها، ومن هنا، أحَّب الكرة البرازيلية بشكلٍ خاص، ونما بداخله حُلم بأن يُصبح لاعبًا محترفًا بالمستقبل، لكن هذا الحلم كان بعيد المنال.

إلى البرازيل

كازويوشي ميورا
كازويوشي ميورا بقميص سانتوس البرازيلي.

«لم تكن لدي خطة بديلة، فقط كرة القدم».

«كازويوشي ميورا» عن فترته في البرازيل.

في هذه الفترة، لم يكن هناك دوري احترافي في اليابان، بالتالي اضطُر المراهق الياباني أن يترك القارة بأكملها متجهًا صوب البرازيل، التي يمتلك والده علاقات جيدةٍ بها، ليبدأ مسيرته الكروية في أحد أندية مدينة «ساوباولو» في سن الـ15.

كانت أيام «كازويوشي ميورا» الأولى في البرازيل شاقة، حيث لم يكن قادرًا على التحدث بالبرتغالية إلا قليلًا، بالإضافة إلى اختلاف جذري في العادات والأزياء ما بين اليابان والبرازيل، إلا أنّه لم يكن يمتلك أي طريقة أخرى لتحقيق حلمه، بالتالي، صَب جام تركيزه على التدريب، وتعلُّم البرتغالية، حتى يتمكَّن من الانخراط في هذا المجتمع.

بفضل اجتهاده، نجح المهاجم «ميورا» في عام 1986، بعد 3 سنوات أمضاها في البرازيل، من الحصول على عقد احترافي مع فريق «سانتوس»، الفريق الذي لعب له «بيليه» نجم طفولته، لكن الحقيقة أنه لم يستطع إثبات نفسه بشكل قوي، لينتقل إلى عدّة أندية برازيلية، منها «بالميراس»، الذي لعب له 25 مباراة وسجل هدفين.

بعد 4 سنوات، اختبر خلالها تجربة اللعب في 7 أندية برازيلية مختلفة، ومشاركات وصلت لحوالي 100 مباراة، عاد ‑نجمًا- إلى موطنه، ولكن ليس ككُل النُجوم الذين سبقوه أو خلفوه.

«كازويوشي ميورا».. بطل اليابان

كازويوشي ميورا

«إنه مرتبط بشكل جوهري بولادة وتطور كرة القدم المحترفة في اليابان، لقد حقق مكانة شبيهة لتلك التي وصل لها مارادونا في الأرجنتين. هناك جيل كامل من اللاعبين المحترفين، أو ربما جيلان، اعتبروه قدوة لهم عندما كانوا صغارًا». 

-شين كارول، صحفي رياضي متخصص بالكرة اليابانية. 

تكوّن «ميورا» في البرازيل، واستمّد خبراته التي شكلّت شخصيته كلاعب وكإنسان من التقاليد المتبعة في هذه المنطقة من العالم، لذلك، كان أول من تجاهل التسلسل الهرمي الياباني، وقرر أن يواجه الاتحاد الياباني لكرة القدم منتقدًا سياسة الأجور الخاصة بلاعبي كرة القدم، وطالب بضرورة تحوّل كرة القدم اليابانية من الهواية للاحتراف فور عودته.

في كتابه «القواعد اليابانية»، نقل الكاتب «سيباستيان موفيت» عن «ميورا» رأيه في أسباب فشل كرة القدم اليابانية في فترة ما قبل التسعينيات، معللًا ذلك بأن كرة القدم لا بُد وأن تتحوّل إلى وظيفة بدوام كامل، وأجر كامل كذلك، وإلا فلن تستطيع اليابان أبدًا النهضة بكرة القدم الخاصة بها.

«أدرك تمامًا اختلاف الثقافة اليابانية عن البرازيلية، لكن إن لم يتم تغيير النظام، لا أتوقّع نجاح اليابان مطلقًا». 

-مقتبس من كتاب «القواعد اليابانية». 

طبقًا لـ«بين مابلي»، المعلّق الرياضي الرائد باللغة اليابانية، لعب «كازو» دورًا محوريًا في تأسيس الدوري الياباني المحترف عام 1993، حيث كان النجم الذي التفت حوله الجماهير، لأنه الأكثر شهرةً بين هؤلاء الذين نشطوا في هذه الفترة.

كيف تلعب في السن الـ54؟

اعترف «الملك كازو» بأنه لا يمتلك سرًا خفيًا مكنّه من اللعب على مستوى احترافي طوال هذه المُدة، بل وأقرّ أيضًا بصعوبة التعافي من الإصابات بهذه السن، واكتفى بأن السر خلف استمراره في اللعب هو الاجتهاد، الاحترافية، وتكريس حياته لكرة القدم وحسب. لكن بالتأكيد هذه الأمور لن تقنع أي قارئ، فكيف يُمكن لمهاجم كهل، لا يسجل أهدافا، ولا يلعب إلا نادرًا، أن يستمر في مسيرة احترافية كتلك التي حظي بها؟

بالعودة لـ«بين مابلي» مجددًا، لكي نتعرّف على السر الحقيقي وراء هذه المسيرة التي تضمنت لعب «كازو» في 5 عقود مختلفة، علينا أولًا دراسة المجتمع الياباني بشكل دقيق.

في علم اللغة الاجتماعي يمكننا أن نلاحظ كيف تعكس اللغة الثقافة وتؤثر عليها، فمثلًا؛ يتم تغيير أي فعل أو التعبير عنه بشكلٍ مختلف اعتمادًا على حيثية من يتحدث، ولمن يتحدث.

بالتالي تتغيَّر مستويات الأدب إذا كانت هناك أقدمية، سواء كانت علاقة رئيس مع مرؤوسيه، أو شخص بالغ وطفل، أو من مدرس إلى طالب، أو حتى محترف مع مبتدئ.

من هنا يمكننا أن نتوّصل لاستنتاج مبدئي، وهو أن استمرار مسيرة «كازو» على الرغم من عدم الحاجة له فنيًا، مرتبط بشكل أكيد بالثقافة اليابانية المبنية على احترام الهيكل الهرمي للمجتمع، ولا علاقة لها بمردوده على أرض الملعب.

على عكس المجتمعات الغربية، يحترم اليابانيون علاقة (الخبير/المبتدئ)؛ حيث الاعتراف الضمني السائد بأن لفظ الأكثر خبرة يعني بديهيًا الأفضل، لذلك، يُنظر إلى «ميورا» على أنّه نجم حقيقي للدوري الياباني، ونموذج يجب أن يحتذى.

«بشكل ساخر، استفاد كازو من فكرة احترام الأقدمية والتسلسل الهرمي التي انتقدها بشدة عند عودته لليابان بالتسعينيات». 

-شين كارول. 

تلك ليست عبارات مطاطة، لكنها الحقيقة بوضوح، فإذا قمنا بإبعاد قصة «ميورا» مؤقتًا، سنجد أن هنالك العديد من الأمثلة على احترام اليابانيين لفكرة الأقدمية؛ فهنالك العديد من اللاعبين الذين استمروا في اللعب حتى وصلوا لسن الـ40 أو أكثر، منهم «شانسوكي ناكامورا»، زميل «كازو» في فريق «يوكوهاما» والذي يبلغ من العمر 42 عاما في وقتنا الحالي، ولا يبدو في طريقه للاعتزال.

التجديد = الشعبية

كازويوشي ميورا

بعيدًا عن فكرة احترام الكبير، يبصم «كايزوشي ميورا» على موسمه الـ17 مع فريق «يوكوهاما إف سي»، والسؤال: لماذا يتحمل النادي هذا العبء؟

داخل مدينة «يوكوهاما» يعد هذا النادي ثاني أكثر الأندية شعبية وحصولًا على الدعم الجماهيري والإعلامي مقارنةً بنادي «يوكوهاما مارينوس»، لذلك من المنطقي أن تسعى الإدارة للإبقاء على أمثال «كازو» و«ناكامورا» داخل الفريق، حتى وإن كان من الممكن استبدالهم بلاعبين أصغر سنًا، ضمانًا للمزيد من الحدة البدنية وغيرها من المميزات التي يضمنها التوقيع مع لاعبين شباب.

حسب «مابلي»، بشكل خاص في اليابان، هناك مشجعون للاعبين الفرديين، على الرغم من أن معظم مشجعي الدوري الياباني لديهم فريق يدعمونه، كما هو الحال في معظم الأماكن، ولكن ربما توجد في اليابان نسبة أعلى من الأشخاص الذين سيذهبون لمشاهدة كرة القدم لرؤية لاعب معين، أو متابعة مسيرة لاعب معين.

لذلك، فوجود لاعبين بحجم «ميورا» و«ناكامورا» يضمن للنادي متابعةً أكثر، ففي حديث لموقع «ذي أثليتيك» تجرأ لاعب هولندي سابق للنادي وتحدث علانية عن الحقيقة خلف استمرار «كازو» مع «يوكوهاما»؛ وهي أنّه بدون النجم الياباني الأول، سيتم سحب كافة عقود الرعاية، ما يعني تدهور الحالة الاقتصادية للفريق.

في النهاية، ربما يثبُت مع الوقت صحة أو خطأ هذه الافتراضات حول مسيرة «كازويوشي ميورا»، لكن الأكيد أنّه لا وجود لحمية سحرية، تمكّن لاعب دخل في عقده السادس على لعب كرة القدم في دوري احترافي.

المصدر
مصدر 1مصدر 2مصدر 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى