ثقافة ومعرفة

نيرون.. الإمبراطور الذي أحرق روما لسبب عجيب

يمتلك الإمبراطور نيرون سمعة سيئة على الدوام، حيث يعتبره الكثيرون أحد أكثر الحكام شرا واستبدادا بتاريخ البشرية، ويرجع ذلك لمدى بشاعة ما وصل إلينا من حقائق عن هذا الرجل، الذي حتى وإن انهارت روما بعد مفارقته للحياة، إلا أنه في نفس الوقت أقدم على ارتكاب أحداث وحشية، قد تجعلنا نظن أنه لا ينتمي من الأساس لفئة البشر.

حاكم بالفطرة

ولد لوسيوس دوميتيوس أهينوباربوس، المعروف بنيرون لسلالة حاكمة عام 37 بعد الميلاد، حيث يعتبر حفيد الإمبراطور أوغسطس، قيصر روما الذي حكمها خلال الفترة من عام 27 قبل الميلاد وحتى عام 14 بعد الميلاد، كما تولى تربيته وتنشئته الإمبراطور كلاوديوس ‑عمّه- الذي كان قد تقرّب من والدة نيرون (أجريبينا)، قبل أن يتزوجها بعد أن توفي والده.

بدأ نيرون دخول الحياة العامة بفترة مراهقته، وأظهر سمات قيادية وذكاء منذ سن صغير، الأمر الذي جعله يجذب انتباه كلاوديوس، حين وجده يتفوق بوضوحٍ على نجله بريتانيكوس من حيث الشعبية والزخم الذي حظي به، الأمر الذي استدعى تحويله بشكل ما، لوريث لعرش كلاوديوس.

كان انتقال الحُكم لنيرون عقب وفاة كلاوديوس سلسا، فقد حظي بدعم الجميع، بداية من والدته أجريبينا، وصولا بالحرس الإمبراطوري، ومرورا بمعظم أعضاء مجلس الشيوخ، على الرغم من كونه كان قد بلغ عامه الـ17 لتوه، إلا أن معظم الآراء وقتئذ ارتأت أن توليه الحكم سيكون بمثابة عصر ذهبي جديد لروما.

سياسات ناجحة

عند وصول نيرون لسدة الحكم عام 54 بعد الميلاد، كانت إمبراطورية الرومان شاسعة، حيث امتدت من بريطانيا إلى حدود آسيا، لذلك كانت مهمته الأساسية هي إبقاء الإمبراطورية موّحدة من أجل بقائها مزدهرةً، لذلك، اختار نيرون قادة وجنرالات ذوي خبرة، من أجل مساعدته على تلميع صورته عن طريق عملهم الجيد، ولنفس السبب ‑تمجيده- بنى قوسا تذكاريا يرمز للانتصارات التي حدثت بعهده، وأصدر عملة معدنية تحمل صورته بالزي العسكري.

كذلك اهتم نيرون بالجانب الاجتماعي، حيث يعتقد أنه أراد أن يتودد إلى الشعب، فقد قام بمشاركة أهل روما بعض النشاطات الترفيهية الخاصة بهم، كما شيد سوقا مركزيا للطعام وحمامات عامة، كما عُرف عنه براعته بالتمثيل على المسرح وإلقاء الشعر، وذلك وضعه في محل نقد من النخبة من أعضاء مجلس الشيوخ، الذين انتقدوا تصرفاته معللين ذلك بأنها لا تبدو تصرفات تليق بمكانة إمبراطور الرومان، لكن هذه الانتقادات لم تجعل نيرون يتوقف عن ذلك، لأنه كان يدرك أن الأولية الأهم له هي تثبيت حكمه، وذلك لن يحدث إلا إذا شعر الشعب بأنه قريب منهم، يشاركهم حياتهم اليومية بكل تفاصيلها.

الوجه الآخر للإمبراطور المحبوب

لا تجعل البدايات تخدعك، فقد اتفقنا أن كل مظاهر التودد التي سبقت كانت آلية نيرون لتثبيت أقدامه على كرسي العرش، لكن هذا التودد لم يدُم طويلا، بل تحول إلى وحشية لم يسبقها إليه أحد.

بدأ نيرون حملته الوحشية من الداخل، حيث أقصى أشد الناس قربا له من المشهد تماما، فبعد فترة وجيزة من اعتلائه العرش، لقي أخوه (غير الشقيق) بريتانيكوس حتفه بعد تعرضه للتسمم، ويعتقد بأن نيرون هو من أمر بتسميمه لإنهاء أي تهديد محتمل قد يشكله اقترابه من مواقع السلطة.

لم تسلم أجريبينا (والدته) كذلك من شرّه الذي بدأ يتكشف، ففي العام 59، قتلت بأمر مباشر منه، وتشير المصادر التاريخية، أن السبب الذي دفعه للقيام بذلك، هو أنه قد سئم من تدخلها بأمور الإمبراطورية، لذلك قرر إبعادها تماما.

وفي خضم سعيه للسيطرة على الأمور بروما تماما، نفى نيرون زوجته الأولى كلوديا أوكتافيا بتهمة تتعلق بالشرف والعفة، لأنها كانت تحظى بشعبية في الشارع، ونقلت بعض المصادر أن كلوديا قد أجبرت على الانتحار بالمنفى، بعد ذلك تم قطع رأسها وتقديمه لزوجته الجديدة بوباي.

حريق روما

بالعام 64 بعد ميلاد، كان نيرون قد وصل لمرحلة متأخرة جدًا من جنون العظمة ‑مجازًا- في ذلك الوقت، أراد أن يعيد بناء العاصمة، فتفتق ذهنه عن فكرة غاية في الوحشية، وهي إفساح المجال لأعمال الإصلاح التي يرغب بها عن طريق إحراق روما تماما، بينما تشير روايات أخرى إلى أنه كان في حالة سكر حين اتخذ ذلك القرار.

دمرت 3 مقاطعات من أصل 14 تماما على إثر ذلك الحريق، وألحق ضررا جسيما بـ7 أخرى، على الرغم من جهود الإغاثة التي حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بعد هذه الحادثة، التي تعتبر النقطة الأكثر وحشية في تاريخ نيرون، شرع الإمبراطور في إعادة بناء روما بشكل أكثر تنظيما، وتضمن ذلك بناءه لـ«البيت الذهبي» وهو قصر بني أعلى سهل إسكويلين، وهو المبنى الذي أثار جدلا بين مختلف أطياف الشعب بما في ذلك نخبة النبلاء، حيث كان قصرا فخما لدرجة مبالغ بها.

تكلفت إعادة إحياء روما مبالغ ضخمة، وهذا أمر مفهوم، لكن المشكلة التي جعلت الشعب ينقلب تماما على نيرون كانت محاولته تعويض نفقات إعادة الإحياء تلك عن طريق فرض جزية على جميع مقاطعات روما، كما خُفضت قيمة العملة الرومانية للمرة الأولى بتاريخ الإمبراطورية.

نهاية متوقعة

على الرغم من أن حصول نيرون على تأييد النخبة قد نما بشكل بطيء، إلا أن انقلابهم عليه حدث بشكل سريع للغاية، حتى وإن كانت بدايات حكمه موفقة وناجحة، ففي عام 65 ميلاديا، بدأ 41 رجلا من النخبة في حياكة مؤامرة ضد نيرون، كان من ضمنهم عسكريون وأعضاء بمجلس الشيوخ، رغبةً منهم في إنقاذ الإمبراطورية من الانهيار الوشيك، نظرا لسياسات نيرون الأخيرة المستبدة.

بعد ذلك بوقت قصير، في عام 68 بعد الميلاد، واجه نيرون تمردًا مفتوحًا من حاكم جاليا لوغدونينسيس ولاحقًا هيسبانيا تارانكونينسيس، تمكن نيرو من إخماد هذا التمرد، لكن التمرد وصل إلى قصر الحكم، حين غير قائد الحرس الإمبراطوري ولاءه لنيرون، حينئذ هرب نيرو إلى أوستيا، على أمل استقلال سفينة واللجوء إلى المقاطعات الشرقية الموالية للإمبراطورية.

شعر نيرون أخيرا بأنه لن يستطيع الفرار من مصيره، بعدما أرسل مجلس الشيوخ رجالا للقبض عليه، لذلك قرر أن ينهي حياته بنفسه، واختلفت المصادر عند هذه النقطة، فالبعض أشار إلى انتحاره، والبعض الآخر نقل أنه قد طلب من أحد رجاله الذين كانوا يحافظون على ولائهم له أن يقتله تحديدا في يونيو عام 68 ميلاديا.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى