هاني كمال يكتب: البحث عن العدم

كتب – هاني كمال

ظل طوال عمره يبحث عن مثل أعلى.. أبوه كان شخصا موتورا دائم العصبية طويلا ذا ظهر محني ونتيجة فقدانه الكثير من الوزن لكثافة التدخين وقلة الطعام دائما ما كانت قمصانه تظهر كما لو كانت ليست له.. أسفل القميص دائما مجعد لكونه دائما يحشره بين أرجله أثناء جلسته محنيا واضعا ساقا فوق ساق على القهوة أغلب الليل يتحدث بصوته الخشن بطبقة عالية جدا ليسمعه من يجالسه وكل وقت قصير يقول كلمته المعتادة: العربيات صوتها عالي جدا والتراب عماني.. ثم يكمل حديثه بصوت عال مرة أخرى.

كان أبوه يحب أمه جدا ويغار عليها من أي شيء وكل شيء.. حتى أنه أهدى القط الذي اشترته الى أحد أقربائه لأنه ظن أنه ينافسه في قلبها.. مع ظهور مواقع التواصل بالكاد بدأ يستخدمها وأول ما استخدمها فيه هو التجسس على زوجته وظل يضيق الخناق في التجسس حتى أصبح على يقين أنها على علاقة بأحد الرجال وأن لم تقابله فعلى الاقل هو يلاطفها وهي تقبل.

 أخذ يقلب في أصدقائها حتى اقترب في بحثه من أحدهم وحاول بكل الطرق أن يخترق حسابها عن طريق أحد اصدقائه ولكنه لم يفلح لكونه كان يريد أن يطلع بنفسه ودائما ما يفشل.. وكان يرفض أن يقوم صديقه بالاختراق لخوفه من معرفة ذلك الصديق سر زوجته.

دبر للرجل الذي ظن أنه العشيق طريقة ليتخلص منه فانتظره بسيارته تحت منزله وكان ينوي أن يصدمه بالسيارة وهو يعبر الطريق وينزل لإسعافه ويهدده إن اقترب من زوجته مرة أخرى فسوف يتكرر حتى تكون عاهة مستديمة. إلا أنه وقت تنفيذ الخطة تصاعدت في رأسه الخيالات فأسرع أكثر من اللازم وصدم الشاب بطريقة غير مدبرة فمات. وحكم عليه بالحبس نتيجة القتل الخطأ.

إلا أنه داخل السجن تعرف على أحد المجرمين العتاة والذي أقنعه أن وضعه داخل السجن سيتغير إن ضرب أحد المجرمين الآخرين – والذي كان ينافس ذلك المجرم على السلطة – فضربه في مشاجرة وتركه في الحمام غارقا في دمه فدخل المجرم الآخر وقتله فحكم على الزوج بعدد لا بأس به من السنوات.

وهكذا اختفى الأب وتزوجت الأم، تزوجت الأم من رجل في منتصف العمر كان واضحا من البداية أنه لا يريد ذلك الصبى في منزله.. فانتقل للعيش مع جدته لوالدته.. ولم يكن معهم سوى خاله الذي كان عربيدا سيئ الخلق.. دائم الشجار وقت عودته سكرانا مع كل من يقابله وحين استيقاظه خرمانا مع الباقين.

فلم يستطع أن يرى فيه ذلك المثل الأعلى. في المدرسة التي كان يرتادها المدرس الوحيد الذي أحس أنه ممكن أن يقلده كان بأوجه كثيرة.. وجه في الفصل ووجه مع زملائه ووجه مع مدير المدرسة ووجه بشوش مع ميس هند. فأسقطه من حساباته.

في المسجد حين كان يصلي الجمعة كان ذلك الشاب يعطف عليه ويساعده في المذاكرة وكان من شباب الجامع الذين يحفظون القرآن وينظمون المسابقات وينطقون الحروف المفخمة والمرققة بطريقة صحيحة في أحاديثهم العادية. اقترب منه جدا حتى اكتشف أنه يقرأ القصص خلسة دون أن يعرف أباه خوفا منه وكانت القاضية حين رآه يسترق النظر الى منال تلك الشابة التي كانت تساعد في المسجد هي الأخرى وتعين الفتيات.. كانت الامور عادية حتى تلاقت كلتا النظرتين ملؤهما الغزل والاشتياق أمام عينه فأحس بعدم وعى بما يشعر به تجاه الشاب وقرر أن يبتعد عن المسجد.

ظل حتى سن متقدمة يبحث عن مثل أعلى ولكنه في كل مثل كان يخيب ظنه لافتراضه أن المثل الأعلى هو الملاك. ولم يكن في حساباته أن يكون هناك نقائص. حتى قامت الثورة فثار معها ضد كل المثل العليا التي تحطمت امامه على مدار عمره كله. وثار ضد نفسه وكل أحاسيسه وماضيه ومستقبله وفقد الاتزان. ثم أفلت الثورة وانحسرت على نتائج غير ما يرغب.. فهرب من الواقع وانحرف تماما عن الطريق..

 استحل كل شيء وتخلى عن كل المبادئ وكره العيش. أراد الانتحار ولكنه يعلم أنه حرام ففكر أن يسافر مع المجاهدين في دولة من دول الجهاد كانت الأمور ممتازة حتى اكتشف أن الحرب على الغنائم وليست على النتائج. فاكتشف خديعة نفسه له وضلال الشيطان لفكره. أراد العودة فما استطاع. أراد النجاة فلم يجد منقذا. وأراد الحياة فلم يجد إلا الموت.

شاب من آلاف الشباب الذين قهرتهم رحى الحياة. انحسر تحت سذاجة فكره وعاش يفتش في القمامة عن رغد الحياة.

 

احصل على آخر الأخبار والمستجدات مباشرة على جهازك

هذا الموقع يستخدم الكوكيز لتحسين تجربة المستخدم. نحن نفترض أنك موافق على هذا، لكن يمكنك الرفض إذا أردت. أوافق اقرأ المزيد