ثقافة ومعرفة

هيرو أونودا.. الجندي الياباني الذى قاتل 29 عاما بعد انتهاء الحرب

في تمام الساعة الـ12 ظهرًا من اليوم الـ15 من أغسطس/آب للعام 1945، بثت الإذاعة اليابانية (صوت الجوهرة) بيانًا إذاعيًا على لسان الإمبراطور، يفيد بإعلان اليابان الاستسلام لقوات الحلفاء، وبالتالي أعلن بذلك انتهاء الحرب العالمية الثانية.

«بعد التفكّر بعمق في الاتجاهات العامة للعالم والظروف الفعلية الحاصلة في إمبراطوريتنا اليوم، قررنا تحقيق تسوية للوضع الحالي من خلال اللجوء إلى إجراء استثنائي».
– جزء مقتبس من البيان الإمبراطوري الياباني.

جاء قرار الإمبراطورية اليابانية بالخضوع لأحكام الإعلان المشترك لقوات الحلفاء، حفاظا على أرواح اليابانيين، الذين ذاقوا مرارة الحرب طوال 4 سنوات كاملة، انتهت بسقوط قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي، ولهذا، وعلى الرغم من شهامة وشجاعة الجنود اليابانيين بالحرب، وعدم رغبتهم في التراجع، إلا أن قرار الاستسلام كان لا مفر منه، لأن مسار الحرب لم يكُن يسير في صالح الإمبراطورية، حيث كانت قاب قوسين من الفناء، إذا ما استمرت بهذه الحرب العالمية الطاحنة.
بذكر الشجاعة؛ كان «هيرو أونودا» أحد هؤلاء الذين دافعوا عن الإمبراطورية بكل جسارة، فقد كان ‑كما يرى الكثيرون- أن الإمبراطور هو مبعوث الإله، بالتالي فإن خوض الحرب من أجله هو واجب مُقدس، لا يمكن التراجع عنه مهما تكلّف الأمر.

من هو «هيرو أونودا»؟

وُلد «هيرو أونودا» في 19 مارس 1922، في واكاياما بوسط اليابان، وهو واحد من 7 أطفال لتانيجيرو وتاما أونودا. ما جعله يذهب حين بلغ الـ17 للعمل في شركة تجارية في ووهان الصينية التي كانت آنذاك محتلة من قبل القوات اليابانية، بحثًا عن مصدر دخلٍ.
في عام 1942 انضم هيرو إلى الجيش الياباني، وتم اختياره لتلقي تدريب خاص وحضر مدرسة ناكانو، مركز تدريب الجيش لضباط المخابرات، كما درس حرب العصابات والفلسفة والتاريخ وفنون الدفاع عن النفس والدعاية والعمليات السرية.
بحلول العام 1944، حصل أونودا على رتبة ملازم ثانٍ، وتم إرساله إلى جزيرة لوبانج بالفلبين، حيث كان يمتلك الأوامر هو والمجموعة التي ترافقه بتخريب الموانئ ومهابط الطائرات لتعطيل الغزو الأمريكي المُحتمل، لكن الأوامر تغيّرت بعد التطورات التي حدثت على موقف اليابان واقتراب خسارتها للحرب، لكي تصبح المهمة هي إخلاء الجزيرة من اليابانيين.
هيرو أونودا
حين وصلت القوات الأمريكية أخيرًا تمهيدًا للغزو، كان الجيش الياباني قد تبعثر، فهناك من هرب، وهناك من قُتل، وفي تلك الأثناء، كانت أوامر الرائد «يوشيمي تانيجوتشي» واضحةً لأونودا، بأن يظل يقاتل حتى آخر نفسٍ، وبما أن أونودا كان عسكريا من الطراز الرفيع، صمم على تنفيذ تعليمات قائده بالحرف الواحد، دون زيادة أو نقصان.

كر وفر

بعد استسلام اليابان، في سبتمبر من ذلك العام، انتشر آلاف الجنود اليابانيين في أنحاء الصين وجنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ، حيث تم القبض على العديد منهم أو تمت إعادتهم إلى اليابان، بينما اختبأ المئات بدلاً من الاستسلام أو الانتحار، ومات الكثير من الجوع أو المرض، لأنهم ورفضوا تصديق المنشورات التي ألقيت والإعلانات الإذاعية التي تفيد بضياع الحرب، واستسلام اليابان.
وجد أونودا وثلاثة من زملائه أيضًا هذه المنشورات التي تفيد بانتهاء الحرب عقب هروبهم إلى جزيرة قريبة، لكنهم اعتقدوا أنها دعاية من العدو لتثبيط عزائمهم، لذلك قرروا أن يتعاملوا وكأن شيئا لم يكُن، فقاموا ببناء الأكواخ، من الخزيران، وقتلوا الأبقار من أجل تناول الطعام، ولأنهم ظلّوا أوفياء لعسكريتهم، قاموا بالحفاظ على زيهم العسكري وأسلحتهم في حالة نظيفة وجيدة.
ولأنهم كانوا يعتقدون بأن الحرب ما زالت قائمةً، ركزّوا عملهم على الهروب من القوات الأمريكية والفلبينية خوفا من التعرُّض للأسر، بل قاموا أيضًا بمهاجمة سكان القرى المحليين ظنًا منهم بأنهم عصابات موالية للأعداء، فقتلوا نحو 30 شخصا.
في النهاية؛ استسلم أحد رفقاء هيرو للقوات الفليبينية عام 1950، بينما قتل الإثنين الآخرين، أحدهم بعد ذلك بـ4 سنوات، والآخر لحقه عام 1972 على يد القوات الفلبينية التي استمرت في البحث عن بقايا الجيش الياباني بالجزيرة لسنواتٍ، ولم يتبق سوى أونودا وحيدًا.
هيرو أونودا
كانت قد أعلنت اليابان عام 1959 وفاة «هيرو أونودا»، نظرًا لأنه لم يعُد إلى الديار، ولم يتم التبليغ عن قتله أو حتى وقوعه بالأسر، لكن ذلك تغيّر تماما حين قرر شخص يدعى «نوريو سوزوكي» أن يذهب إلى الجزيرة ويبحث بنفسه عن آخر الجنود المخلصين للأوامر، إلى أن عثر عليه عام 1974.

لا عودة قبل الانتهاء من المهمة

رفض أونودا مطالبات سوزوكي بالعودة إلى اليابان، رافضًا فكرة انتهاء الحرب، ومتمسكًا بانتظاره للأوامر التي تلقى وعدًا من قائده بأن تأتيه مهما طال الوقت، لذلك، قام سوزوكي بالعودة إلى اليابان وفي جعبته صور التقطها لهيرو، مطالبًا قائده وشقيقه بالذهاب إلى الجزيرة الفلبينية من أجل إعادته للديار.
بالفعل؛ قام شقيقه وقائده بالذهاب إلى الفلبين، من أجل إعفائه من مهامه العسكرية، ومحاولة إعادته لليابان مجددًا، لكن قبل ذلك، كان على أونودا أن يقف أمام «فيرديناند ماركوس»، رئيس دولة الفلبين، بزيه العسكري الممزق، وسيفه المتهالك، حتى يصفح عن جرائمه التي ارتكبها بحق المدنيين الفلبينيين، وهو ما حدث، بعدما تأكد ماركوس بأن الملازم لم يكُن يعلم أن الحرب قد انتهت بالفعل.

اليابان التي لا يعرفها أونودا

هيرو أونودا
هيمنت أخبار عودة البطل الشجاع على الصحافة اليابانية، فقد أثارت قصته الملحمية المشاعر الوطنية بين مختلف فئات الشعب، فكان في انتظاره لحظة وصوله لليابان حشود ضخمة، ترفع الأعلام، وتلوح له بإشارات الإعجاب والفخر.
تحدث الجندي الذي وصل وقتئذ لعامه الـ52 للحشود بجدية عن ضرورة الالتزام بالواجب العسكري، حيث أن تلك هي القيم الحقيقية التي مثّلت هذه البلد من زمن طويل، قد يعود إلى أجدادهم ‑محاربو الساموراي-، وتأكيدًا على ذلك، حين سُئل عما كان يدور برأسه حين أمضى سنوات وصلت لـ29 كاملةً داخل غابات الفلبين، رد قائلا: «لم أكن أفكر بأي شيء سوى القيام بواجبي تجاه بلدي».
وقّع أونودا عقدًا بقيمة 160 ألف دولار أمريكي لكي ينشر مذكراته الشخصية التي جاءت بعنوان «لا استسلام.. حرب الـ30 عاما الخاصة بي»، والتي سرد بها كل ما تعرض له خلال هذه الفترة من عمره.
حاول بعد ذلك أن يعيش حياة طبيعية، فذهب للرقص، وتلقى دروسًا في القيادة وسافر عبر الجزر اليابانية، لكنه وجد نفسه غريباً في أرض غريبة، وخاب أمله من المادية المتمثلة في المباني الضخمة والتلفاز وكل تلك الأشياء التي لم يكن لها وجود قبل 30 عاما.
لهذا انتقل عام 1975 إلى مستعمرة يابانية في ساو باولو بالبرازيل حيث كان يربي الماشية، وفي العام التالي تزوج «ماتشي أونوكو»، والتي كانت تعمل كمعلمة، قبل أن يعود معها إلى اليابان في عام 1984، ليأسسوا مدرسة أونودا، وهي عبارة عن معسكر شباب لتعليم مهارات البقاء على قيد الحياة.
وزار السيد أونودا مدينة لوبانج، التي اختبأ بها من قبل هربًا مما ظنه حربا في عام 1996 وقدم 10000 دولار لمدرسة هناك، ليمضي بقية حياته متنقلا ما بين اليابان والبرازيل التي منحته الجنسية الفخرية عام 2010.
توفي هيرو أونودا عام 2014، عن عمر يناهز الـ91، أمضى نصفها تقريبًا ملتزمًا بالتقاليد العسكرية، متشبثا برغبته في الحياة كذلك، فقد كان يمتلك إرادة قوية لأن تستمر حياته لأبعد نقطة ‑حسب تعبير المتحدث الرسمي بإسم الحكومة اليابانية- الذي قال بيوم وفاته، أنه شعر بالاطمئنان بأن الحرب قد انتهت حين عاد أونودا لليابان.

الكاتب
المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications