وسام سعيد يكتب: خرج ولم يعد.. رائعة «خان» الفاتحة للشهية!

أين تجد اللذة؟!..

في مشاهدة فيلم سينما شيق.. أم أكلة ساخنة لذيذة محكمة التسبيك؟!

أيهما يداعب هرمون السعادة بداخلك ويرفع مستوى (التستوستيرون) في مخك؟!

مؤكدا ستختلف الإجابات، ولكنها تتوحد وتتسق في إجابة واحدة فقط عند (محمد خان) في رائعته (خرج ولم يعد).

حيث استطاع (خان) ومعه الثلاثي: يحيى الفخراني وفريد شوقي وليلى علوي أن يحققوا المعادلة الصعبة ويجمعوا اللذة في الاثنين معا.

فيلم ممتع + طعام لذيذ ودسم

مزاج شرقي أصيل

وسام سعيد يكتب: خرج ولم يعد.. رائعة "خان" الفاتحة للشهية!

بلا شك نجح السيناريست عاصم توفيق في مطابقة الواقع المصري حين استوحى رواية (براعم الربيع) للكاتب الإنجليزي أرنست بيتش، واستغل ملاءمة الفكرة فمصّرها ببراعة، تلك الفكرة التي تدعى (معضلة رجل المدينة)، الذي قد يعاني داخليا ولا شعوريا من ضوضاء القاهرة وتلوث هوائها وزحامها الخانق ولكن دون أن يشعر، فهو يصارع عذابات داخلية لا يعرف سببها، ويحاول التكيف مع تلك الحياة، بل ويقنع نفسه أنها اليوتوبيا المنشودة.

كل هذا جميل… ولكن…

وسام سعيد يكتب: خرج ولم يعد.. رائعة "خان" الفاتحة للشهية!

العبقرية لم تكن لدى أوراق (عاصم توفيق) بقدر ما كانت في حركة وتقطيعات كاميرا المختلف دائما (محمد خان)، حين فهم المزاج المصري جيدا، وصكَّ تفاصيل الرضا والسعادة وراحة البال لأي رجل مصري شرقي أصيل حين تسأله: ما الذي يرضيك ويحقق لك السعادة فيجيبك: لقمة حلوة… وزوجة جميلة… وعيشة مرتاحة… وبيت مريح… م الآخر ما يسمى في لهجتنا الدارجة (الأنتخة) بكل معانيها.

مشاهد لا تنسى

لسنا في مجال لحسم الترجيح بين الريف والحضر أيهما أكثر راحة؟! … فلننح هذا السؤال جانباً.

دعونا نستغرق في تفاصيل أكثر متعة ولذة، حين نتتبع كاميرا (محمد خان) في أكثر من موقف وحالة، ستجد العبقرية في 3 مشاهد:

-  مشهد البداية: الصورة الملتقطة للقاهرة من الأعلى، كمدينة ضبابية ترابية مساكنها متلاصقة، ويليها مباشرة رافعة الأسمنت التي تحدث دويا صاخباً يوقظ (عطية) يحيى الفخراني من نومه، في إشارة إلى كونها عادة تتكرر كل صباح، ثم يتوالى البروجرام الصباحي بالمنبه المزعج ثم المياه المقطوعة وبلاعة الحوض.

إذن في مشهد لا تتجاوز مدته الزمنية دقيقة واحدة تمكن المخرج من إيصال الفكرة بوضوح، فصرت كمشاهد لا تحتاج لشرح أن المدينة ملوثة هوائيًا وضوضائيا.

- مشهد الخيانة: ما أعظم محمد خان!! … وكيف قرر أن يكون الفيلم غير خادش للحياء فعبر عن الخيانة بنظرات العيون وحدها، حين ذهبت خطيبة (عطية) لتسأل عنه في مقر عمله الحكومي، بناء على نصيحة أمها، فشعرت أن صديقه الذي يمقته يرمقها بنظراته، فبدأت رأسها تستدير تدريجيا، مع ابتسامة خفيفة، لخصت لك كيف بيع (عطية) وماذا سيحدث!!

- مشهد توفيق الدقن في بيته: حين أراد (خان) أن يعبر عن خصوبة رجل الريف لم يحتج لإيحاءات جنسية أو مشاهد مباشرة، بل اكتفى بمشهد لـ توفيق الدقن حين باغته (عطية) في بيته فجأة في الصباح الباكر وطرق عليه الباب بقوة وسخف، وهو يرتدي الجلباب سريعا ويشير لزوجته أن تتوارى، ليخبر المشاهد أن رجل الريف يمارس حياته الطبيعية في أي وقت في اليوم مهما بلغ سنه أو أفل نجم شبابه وتجاوز ربيع العمر.

خرج ليأكل

وسام سعيد يكتب: خرج ولم يعد.. رائعة "خان" الفاتحة للشهية!

خلينا بقى نخش في المفيد، قصدي الدسم الذي صادف (عطية) في رحلته إلى الريف ليبيع أرضه لكمال بك.

تمكن الثلاثي: الفخراني وليلى علوي وفريد شوقي من التناغم مع بعضهما البعض، ومداعبة غرائز وخيال عشاق الأكل خاصة (منيو الريف) العامر بالخيرات دائما.

1 – بداية عليك أن تتأمل كيف وجد (عطية) كمال بك وفي أية حالة، لقد كان في حالة سكر ونعاس لذيذ يحلم به ابن المدينة الذي يقتله الأرق والنوم المتقطع.

حالة السكر هذه كانت وليدة الكسل الناجم عن تناول 3 وجبات كاملة مكملة ومتخمة بكل الأصناف الريفية.

2  – كاميرا (خان) باتت تتجول في وجوه القاعدين على السفرة وتصور مضغهم للطعام وتقطيعهم للطيور واللحوم، وغرف البطاطس البلدي الفلاحي ذات القطع الكبيرة المغموسة في الدمعة المطبوخة بالثوم، فكل الفلاحين يعرفون هذه البطاطس جيدا خاصة إذا ما كان بجانبها طبق رز كبير مفلفل (واحدة وواحدة).

3 –  كان (عطية) يتأملهم كأنهم وحوش كاسرة أو نمور مفترسة حتى (خوخة) الجميلة (ليلى علوي) لم تشفع لها براءتها ووجهها الجميل في أن تفغر فاهها وتضع فيه دبوس ديك رومي أو بط بلدي محمر.

4 – الشاي الحبر في عرف الفلاحين يشرب مباشرة بعد الأكلة الدسمة، في الغيطان على رائحة المروج والخشب المحروق، هكذا فعل كمال بك مع ضيوفه، شاهد كيف تناول منه رشفة تلو الأخرى بالصوت المعروف في الذهنية الريفية، وتباً للإتيكيت اللعين في هذا التوقيت.

5 – لم تكن فقرة الشاي سوى استراحة بين وجبتي الغداء والعشاء، حين طلبت القديرة (عايدة عبد العزيز) من ابنتها أن تبحث لها عن ديك رومي أو فراخ عتاقي إكراماً للضيوف، وعن رغبتها في تناولهما مع الكشك الأبيض ذي المرقة الشهية.

6 – عودة مجدداً إلى السفرة… وهذه المرة كان عطية يتأمل وجوه المحيطين به متعجبا كيف وجدوا مساحة في بطونهم لهذا الطعام، وبدا خائفاً من تحذير كمال بك له بكلمة (مسح)، فلم يجد بداً من الصراخ والاستنجاد عبر صوت سيارة الإسعاف الخارج من داخله، وتلك عبقرية أخرى من (خان) ليقول للمشاهد بسرعة أن عطية ذهب للمستشفى لعمل غسيل معدة.

٧ – كرم أهل الريف بدا واضحاً في ردود أفعال فريد شوقي الغاضبة وشكواه لتوفيق الدقن قائلا: قريبك ده قليل الذوق لمجرد أنه يرفض الضيافة.

وسام سعيد يكتب: خرج ولم يعد.. رائعة "خان" الفاتحة للشهية!

9 – بعد غسيل المعدة، قرر (عطية) البقاء مؤقتا لإنهاء عقد البيع وتسجيله، وراح يلح على كمال بك الذي بدأ يقوم بعملية توسيع لمعدة (عطية) بالأطعمة الشهية ملاحظا أن شهيته بدأت تفتح أبوابها على مصراعيها.

9 – جميعنا لا ينسى مشهد الإفطار الريفي بطبق البيض العيون المضروب فيه 20 بيضة بالسمن البلدي، وطبق الفول المدمس بالزيت، مع الخبز البلدي، وكلمة فريد شوقي أن الأكل ده لذة من لذائذ الحياة الكبرى، وتصديق (عطية) على كلامه وفرحته وإعجابه بكل ما يقوله كمال بك.

10 – حين قرر (عطية) البقاء وحسم قراره بعد أن تعلق بـ(خوخة)، كافأه (كمال بك) بذبح قوزي لتناوله كاملاً على العشاء.

11 – كمال بك لا تخلو يده بين تلك الوجبات من السناكس الريفي، فتجده يقشر «موز» أو «يوسف أفندي بلدي» أو «فول سوداني».

12 – بعد نهاية اليوم، يجد كمال بك نفسه قادرا كأجدع شاب يعيش في المدينة أن يحلي بطبق أم علي وبحلو آخر خططت له (عايدة عبد العزيز) حين نادته مش هتيجي تنام يا بو خوخة.

أخيراً… رائعة (خان) خرج ولم يعد، معين لا ينضب، من التفاصيل الممتعة تحتاج لدراسة خاصة، يكفي أن العمل يقيم ضمن الأعمال الرومانسية، وأن للحب الصافي مكانا وسط حلل المحشي وصواني البطاطس باللحمة، تلك العاطفة البكر التي غيرت حال (عطية) وجعلته مشدوها لحبيبته ويناديها مستسلما في المشهد الأخير قائلاً: خوخة… ممكن تناوليني الملاحة.

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب

  • وسام سعيد يكتب: خرج ولم يعد.. رائعة "خان" الفاتحة للشهية!

    كاتب صحفي بالأهرام تخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1995 حاصل على الجائزة الأولى للتفوق الصحفي من نقابة الصحفيين عن عدد مجلة الأهرام العربي بعنوان «فيروز بدون مناسبة» متخصص في أدب الرعب – وله كتابات نقدية في السينما – ومقالات عديدة عن الأكلات المصرية و المزاج المصري في الطعام صدر له ٨ كتب : «خدني يا رب» عام 2009, وصدر له 3 اعداد من سلسلة مسارات الرعب; «خارج السيطرة», «هيستريا الصورة» و«برديس» و«أنين منتصف الليل» عام 2018 وصدر له «قتيلة كامب شيزار» عام 2018 ، وأخيرا رواية «ممر آمن للشيطان» وهي أحدث أعمال الكاتب.

علق على الموضوع
DMCA.com Protection Status