عجائب

لماذا تحظر الهند اللحوم في مدينة فاراناسي؟

تعد مدينة فاراناسي الهندية إحدى أقدم المدن على وجه الأرض، حيث يعود تاريخ استوطانها من قبل البشر لـ1800 عام قبل الميلاد، لذلك تشتهر بكونها أحد أقدس مدن معتنقي الهندوسية؛ الذين يسبحون داخل نهر “الجانغ” لغسل خطاياهم حسب معتقداتهم.

وعلى الرغم من قدسية هذه المنطقة بالنسبة للهنود، الذين يكسر عددهم حاجز المليار نسمة، تمتلك المدينة القديمة سببًا آخر يجعلها مكانًا جاذبًا للأجانب؛ وهو مطبخها القائم على الطعام النباتي.

مدينة فاراناسي.. حيث المعتقدات

وفقا للاعتقاد الهندوسي، يعود بناء مدينة فاراناسي لشخص يعرف بشيفا، يُنظر إليه كمعلم، وبما أنّه -شيفا- نباتي طبقًا للأساطير، يتبع كل مريديه الهندوس نظامًا غذائيًا نباتيًا صارمًا.

“أنا وعائلتي نباتيون منذ سنوات طويلة. نحن نرفض حتى شرب الماء في منزل يتم استهلاك البيض فيه”. 

-أحد سكان فاراناسي لهيئة الإذاعة البريطانية. 

لهذا السبب تحديدًا ربما لا تجذب المدينة الروحية عشاق الطعام والطهاة المحترفين، على عكس المدن الأبيقورية؛ مثل كولكاتا ودلهي، ومع ذلك، بدأ البعض منهم مؤخرًا في استمداد الإلهام من مطبخ فاراناسي الفريد من نوعه.

اعتراف

اعترفت مجموعةً من أشهر طهاة العالم بتفرُّد مطبخ مدينة فاراناسي، على الرغم من عدم إدراجهم أي أنواع من اللحوم في قوائمهم، وعن ذلك سرد الطاهي فيكاس خانا، الحاصل على نجمة ميشلان 5 مرّات كأفضل طهاة العالم، محاولاته لتصدير طريقة عمل أحد أنواع الفطائر التي تقدّم في معبد فاراناسي في المناسبات.

بينما أشار كل من أتول كوتشار وسانجيف كابور، أحد أشهر الطهاة الهنود إلى ولعهم بتركيبات وأساليب الطهي الخاصة بفاراناسي، بل إن الأول كان قد خصص فصلًا في كتاب طبخ يحمل اسمه لطعام المدينة، واسترسل في عرض الوصفات النباتية التي تُقدّم في هذه المنطقة.

شاهد أيضًا: معاهدة توردسيلاس.. وكيف قسمت إسبانيا والبرتغال العالم بينهما؟

البحث عن الخلاص

مدينة فاراناسي
أحد معابد مدينة فاراناسي الهندية.

بديهيًا، وفي دولة يعتنق 80% من سكانها الهندوسية، منهم نحو 20% نباتيون، تظل خيارات الطعام الخالي من اللحوم منتشرة بقوة، لكن ما يجعل مطبخ مدينة فاراناسي مختلفًا؛ هو تأثره بشكل مباشر بالممارسات الروحانية.

لتوضيح ذلك، علينا أن نخبرك بما يعرف بـ«قائمة ساتفيك»؛ وهي قائمة الطعام الخاصة بسكان المدينة، التي تعتمد بشكل رئيسي على مبادئ “أيورفيدا”؛ وهي مجموعة من المبادئ الطبية التي نشأت في شبه القارة الهندية.

تلتزم قائمة ساتفيك بأشد المعايير النباتية صرامةً، حيث يحظر مثلًا استخدام الثوم أو البصل في الطهي؛ لأنه حسب معتقدات الهندوس، يعد محفزًا للغضب والعدوانية والقلق.

ولأن الأمر يتعدى مسألة التفضيلات، يعتقد “أبهيشيك شوكلا”، أحد كهنة معبد كاشي بفاراناسي، أنّ تناول الأسر الهندوسية للّحوم أمر لا يمكن تصوره، حيث يعتقد البشر في هذه البقعة من العالم أن الخلاص لا يمكن تحقيقه سوى باتباع ما تنص عليه قائمة ساتفيك، لسبب بسيط؛ وهو الاعتقاد الراسخ بأن أرواح البشر ستعاني إن قررت أن تجعل الحيوانات تعاني عند ذبحها لتناول الطعام.

شاهد أيضًا: الطقس المتقلب.. ولماذا انقرضت الببغاوات الزرقاء؟

قرار رسمي بمنع تقديم اللحوم

مدينة فاراناسي
قائمة ساتفيك الخاصة بمدينة فاراناسي.

تقليديا، قدمت العديد من مطاعم مدينة فاراناسي اللحوم لتلبية احتياجات السياح الغربيين والحجاج الهندوس غير النباتيين، وكان المطبخ الساتفي حكرًا على السكان المحليين، لكن في عام 2019، حظرت حكومة حزب “بهاراتيا جاناتا” الهندوسية القومية بيع اللحوم واستهلاكها ضمن دائرة نصف قطرها 250 مترًا من جميع معابد فاراناسي والمواقع التراثية.

شجع هذا القرار المطاعم على البدء في تقديم وصفات نباتية وساتفية محلية تم تناقلها لأجيال داخل منازل مدينة فاراناسي، ولكنها لم تكن متاحة للزوار الأجانب في السابق.

يرى “مانوج فيرما”، أحد أشهر الطهاة في فاراناسي، أن قرار منع تقديم اللحوم منحه حرّية تقديم أطباق جديدة للزوّار؛ منها أطباق القرع الحلو والحامض والبازيلاء المهروسة بالبهارات، التي حتى وإن كانت أطباقًا متواضعةً، إلا أنّها تعد بمثابة تجربة جديدة للسياح.

حاليًا، يقدر عدد المطاعم الساتفية في مدينة فاراناسي بنحو 40 إلى 200 مطعم، وهي قفزة هائلة منذ حظر اللحوم عام 2019. وتتغير قوائم المطعم مرتين في اليوم بناءً على ما هو متاح في السوق المحلي في ذلك الصباح، وتتميز هذه المطاعم بتقديمها عروضا مستمرة على مدار اليوم، تصل أحيانًا لـ12 عرضًا باليوم الواحد.

شاهد أيضا: مطاعم مبتكرة لن ينساها زائروها يوما

طعام الشارع

وبعيدًا عن المطاعم الفاخرة، فإن مشهد طعام الشارع في مدينة فاراناسي نابض بالحياة مثل المدن الأكثر شهرة، ولكنه لا يتمتع بأي من الضجيج الإعلامي، وذلك على الرغم من أن العديد من أطعمة ساتفيك المباعة هي اختلافات فريدة أو مبتكرة من الوجبات الخفيفة الموجودة في أماكن أخرى في الهند، إلا أنها لا تقترب من وجبات الشارع التي تقدّم في دلهي أو مومباي من حيث الشهرة.

في النهاية، يظل مطبخ مدينة فاراناسي متفردًا، بالنسبة لعشاق التجارب الجديدة، أما بالنسبة لسكان المدينة، فالالتزام بكونهم نباتيين لا يعد خيارًا كما ذكرنا، لكن معتقد لا يمكن التخلي عنه.

المصدر
طالع المصدر الأصلي من هنا

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى