إسراء حمدي تكتب: أشياء ثمينة تأتي قبل الخبز أحيانا

 الثورة غير المنتظرة.. نعم هي الثورة التي ينتَظرها الجميع وهم يعلمون جيدًا أنها «لم ولن تَحدث».

مُسمى سخيف اختَلَقه أحدهم وهو يتكئ على أريكَته ليلًا يُشاهِد إحدى القنوات الهابطة التي تتاجر بفقر الجِياع وآلامهم لإعلاء نسبة مُشاهَدَتهم.. إنها «ثورة الجياع».

المصطلح الذي تَشَدَق به عامة الشعب وخَاصَتهم، الفقراء والأغنياء، الكبير والصغير.. ولئن سألتهم عن موعد قيام تلك الثورة لن تجد سوى نظرات بلهاء خاوية وألسُنٍ مُجيبَة في حَماسة: «ستقوم حتمًا.. قريبًا.. قريبًا جدا».

لا شك أنك قد ذكرت هذا المُصطَلح في يومٍ من الأيام وآمنت به، بل ربما كنت تَنعَتني الآن بالجنون لأنك على يقين بأن هذه الثورة قائِمَة لا محَالة.

ولا شك أيضًا أنني أُشفِق عليك لأن ذاتك المثقفة الواعية لم تَصِل إلى نُضجِها الحقيقي ولم تتخل عن سَطحِيتها، فقد اقتصر مفهوم الثورات لديها على شَيئِين فقط (الثورة على الحكم _ السُلطَة)، وإن كان هذا مفهومك عن الثورة فلا عَجَب في أن يكون مفهومك عن الثَائِر الجائِع يتَلَخص في كَلمَتَي (الطعام _ الشراب).

إسراء حمدي تكتب: أشياء ثمينة تأتي قبل الخبز أحيانا

قُلتها مِرارًا وسأظَل أرَدِدها..
نحن لسنا بحاجة إلى ثورة للحصول على لقمة العيش كما يَدَّعِي البعض بل إلى «ثورة أخلاقية» فـ الإنسان يستطيع العَيش دون طعام لأيام مُتتالية وربما أسابيع، ولكن هل سمعتَ يومًا عن إنسان يَعيش بِلا روح، بلا عقل، بلا قلب.. بلا حياة!

هل فكرت يومًا وأنت تجلس خلف شاشَة الكمبيوتر تُتابِع الأحداث الساخنة هنا وهناك مُنتَظِرًا قيام «ثورة الجياع» أن تقوم بثورة على أساتِذَة الجامعة المُبَجَلين – المُتاجِرين – بعِلمِهم ومَراجِعَهم وسُلطَتهم أيضًا وهم يَرفَعون شعار:
(نجاحك ورسوبك مُتَعَلق بشِرائِك للكتاب يا صَغيري).. (الدَفع أو الرسوب).. (كونك طالبا لَدَي إذن عليك أن تتَحَمل أسلوبي الفَظ وكلماتي القَبيحة ومُجَرَد اعتراضك يعني الفَصل من القِسم بل من الجامعة بأكملها).

هل فَكَرت ‑على سبيل المثال- أن تقوم بثورة على التكنولوجيا الهَدَّامَة!
التكنولوجيا التي لم تَسمَح لك بممارسة حياة هادِئَة خالية من الصَخَب والإسفاف والعُري والبَذاءة..
التكنولوجيا التي أجبَرَتك على مُشاهَدَة المواقع الإباحية حتى وإن كنت تَبحَث عن إحدى الفتاوى الدينية أو المصادر العِلمية، فتَجد جهازك قد امتلأ فجأة بصَفَحات الإعلانات التي تَعرض لك صور النِساء العاريات لـ تُيَسِر لك المقابلات مُوَفِرَة لك أرخص العروض وأكثرُها إغراءً.

التكنولوجيا التي أجبَرَتك على رؤية أقبَح الألفاظ على صفحات الفيس بوك وتويتر وغيرها من الوسائِل التي تَحَوَلت من (تواصل اجتماعي وعلمي وثقافي وأدبي إلى (وسائِل سَب وقَذف وتِجارة وتَرويج للإشاعات والتفاهات التي تكفي للقَضاء على جيل كامِل من الصِغار وحتى الكِبار).

سَتَلعَن هذا وذاك في سَريرَتِك وتُغلِق المواقع بل المُتَصَفح بأكمَله مُتَجِهًا إلى التِلفاز باحِثًا عن شيء من التَسلِيَة لتَجِد برامِج المُسابَقات التافِهَة التي تَعرِض لك صورة الراقِصة… والممثلة…
لتَستَخرج الفرق ‑الواضِح وضوح الشَمس في مَشرِقها- بين الصورَتَين فـ تتحرك يدك تلقائِيَا ضاغِطَة على الريموت للبحث عن قناة أخرى.

ماذا وجدت؟
قناة تعرِض لك فيلمًا هابِطًا لا يقل إسفافًا وعُريًا عن المواقع الإباحيَة التي سَبق ورأيتها على هاتفك المحمول فـ لجأت إلى التِلفاز هرَبًا منها ولكن حظك العاثِر يا صديقي قد أوقَعَك تحت بَطش الفك المُفتَرِس الذي تَسَلل إلى منازِلنا خِلسَة وانتَشر كـ سرطانٍ خبيث ليَقضي على ما تَبَقى من قِيَم ومبادئ وأخلاق ناشِرًا فساده في الأجساد والأفكار والعقول.

هل جال في خاطِرك يومًا وأنت تسير في الطُرقاتِ الخاوية ليلا أن تقوم بثورة على العلاقات المُحَرَمَة التي تُمارَس في الأزِقَة والحارات على مَرأى ومَسمَع من الجميع دون حياء؟!

هل حاولت القيام بثورة على رِجال تَجَرَدوا من ذكورَتِهم ونساء تَخَلوا عن واجِباتهم وأنت تراهم ينسَلِخون من مسؤولية منازِلهم وأولادهم إلى أن امتَلأت المحاكِم بالقضايا والأوراق؟
والنتيجة (سلسلة من الضحايا لا حَصر لها).

هل سألت نفسك يومًا لماذا لم نقم بثورة على الأطِباء الجَشِعين الذين اتَخَذوا من مَهنَتِهم السامِيَة تجارة بالأموال والأعضاء (حتى أصبَح العلاج حقًا لأصحاب الثروات فقط)!

هل سألت نفسك يومًا لماذا لم نَقم بثورة على المُعَلمين الذين فقدوا أهميتهم وهَيبَتهم عندما سمحوا بالتقليل من شأنِهم كـ مُرِبين مهنَتهم الأساسية غرس الفضيلة والعلم والحق والأخلاق الحَميدة «في أجيال يتم إبادتها وهَدمِهَا بشتى الطرق»؟

هل فَكَرت يومًا في الثورة على أصحاب الشركات والمصانع؟ الذين يمتَصون دماء العاملين لديهم ليقذفوا إليهم رواتِب زهيدَة لن تُمَثِل عُشر الأموال الطائِلَة التي أنفَقوها يومًا للحصول على شهادة جامعية مُعَلَقَة على جدار منزل مُهتَرئ التَهَم الفقر روحه وحياته؟!!

ربما ما سأقوله جنوني ولكن هل فكرت أيضًا في القيام بثورة على علاقات الحُب القائِمَة ‑من أحد الأطراف- على «التحطيم_ الإساءة_ قلة الاحترام_ عدم الاهتمام_ الزَيف_ الخِداع_ انعدام الوفاء والصدق»؟!

ثورة على أشخاص وَهَبوا مشاعِرهم إلى غير مُستَحقيها، وثَورَة على مشاعر أخرى كان ينتَظِرها أحدهم ليَجلِي عنها الظلام ويُزهِرَها في قلبه ولكنها بَقيَت في طَي الكتمان.

ثورة على هؤلاء العابِسين الذين لا يعرفون طريقًا للابتسامة والكَلِمَة الطيبة غير عابِئين بأهميتها في الحياة.
(ثورة على نَفسِك لإصلاحِها واستِعادة ما سُلبَ منها)، وغيرها وغيرها.
فـ بينَما تجلس الآن في انتظار ثورَة الجِياع كان بالأحرى أن تَصنَع أنت ألف ثورة وثورة، فالجِياع كثيرون يتَعَطَشون لأشياء عَديدة تُشعِرهم بِكَينُونَتهم، وليس » الطعام والشراب » فقط.

«الأخلاق_ العِلم_ العَمل_ الحب_ الصدق_ الحُنو_ الفَضيلَة_ الابتسامة_ القضاء على فساد النفوس» جميعها أشياء «قد تأتي قبل الخُبز أحيانًا»..

 

إخلاء مسؤولية: المحتوى في قسم الآراء والمساهمات لا يعبر عن وجهة نظر الموقع وإنما يمثل وجهة نظر صاحبه فقط، ولا يتحمل الموقع أي مسؤولية تجاه نشره.

 

الكاتب


  • مؤلفة روايات، لي رواية بعنوان «سفراء الجان» قيد الطباعة. حاصلة على ليسانس آداب وتربية قسم اللغة الإنجليزية..

عرض التعليقات (5)
DMCA.com Protection Status