الصحة النفسية

أسباب وسواس الموت وأهم أعراضه

كلمة الموت هي الوحيدة في قاموس حياتنا التي تحوي بطياتها كل أفكار الألم النفسي والجسدي، والخوف منه نابع من مطاردة تلك الأفكار لنفوسنا؛ فهو خوف من المجهول، ولكن القرب من الله والتسليم بعبوديتنا، والإيمان بالدار الآخرة هو طوق النجاة من الوقوع في براثن وسواس الموت التي تجعل من ساعات حياتنا بالدنيا انتظارا مؤلما لنهاية لا نعلم عنها شيئا؛ وفي سطور قليلة سنتعرف على أسباب وسواس الموت، وكيف يمكن علاجه؟

وسواس الموت

يعرف برهاب الموت أو الخوف من الموت (Thanatophobia)؛ وهو الفزع والقلق غير الطبيعي من فكرة الموت، حيث يصل في أحيان كثيرة إلى حد الاضطراب النفسي المرتبط بالخوف المزمن من كل ما يتعلق بالموت، ومن فكرة أن تنتهي حياة الشخص وكيف ستنتهي؟ وكيفية احتضاره؟ وما هي الأحداث التالية التي تدخل في علم الغيب دون أن يدري ماهيتها؟

لذا يعرف وسواس الموت بأنه اضطراب نفسي يهدد حياة الشخص؛ بسبب خوفه غير الطبيعي من الموت، وتفكيره المستمر فيه وفي حياته القادمة؛ وهو ما يؤثر بالسلب على حياته وينعكس على سلوكياته وتفاعله مع الآخرين، وقد يشير رهاب الموت في أبعاده إلى الخوف من الموتى أو رؤية جثث موتى أو المرور بالمقابر؛ ولكن لم يصنف وسواس الموت في الدليل الإحصائي للجمعية الأمريكية للطب النفسي كاضطراب محدد؛ بل دمج ضمن اضطرابات نفسية أخرى تتشابه معه في الأعراض.

أسباب وسواس الموت

أسباب وسواس الموت

كعادة الكثير من الاضطرابات النفسية؛ لا يمكن الربط بين سبب عضوي محدد وبين الإصابة برهاب الموت، ولكن توجد بعض الأسباب التي تدفع الشخص للتفكير المستمر في الموت والرهبة الشديدة منه؛ ومن أسباب وسواس الموت:

البعد عن الله

الإيمان بالله طريق الطمأنينة؛ فالابتعاد عن الله يجلب وساوس الشيطان، والقرب من الله يجعلنا لا نخشى من الموت؛ لأنه خطوة إلى لقاء الله؛ ولأن الموت من المسلمات التي يجب أن يؤمن بها العبد، فكلنا إلى الله راجعون، وبدلًا من الخوف منه، يجب علينا أن نعمل لمثل هذا اللقاء؛ باتباع أوامر الله وتجنب نواهيه.

الاكتئاب

الأشخاص المصابون بالاكتئاب هم الأكثر عرضة للإصابة بوسواس الموت؛ خاصةً مع وجود الكثير من الأفكار المحبطة التي تراودهم؛ فهم لا يرون إلا اللون الأسود دائمًا، وذلك بسبب إفراز مادة الكورتيزول بدلًا من هرمونات السعادة متمثلة في مادتي الدوبامين والسيروتونين؛ فالمكتئب لا يرى أي هدف من حياته، بل يبحث عن طرق مختلفة للموت، ولكنه يخشى الموت؛ لذا دائم التفكير في الموت والخوف الشديد مما سيواجه بعد الموت.

الوسواس القهري

مرضى الوسواس القهري يخافون من كل شيء؛ لذا من الطبيعي أن يكون لديهم حالة من الهلع من الموت؛ فهم لديهم قلق على صحتهم وقلق من الغرباء والمجهول؛ وهو ما يجعل الخوف الطبيعي من الموت لديهم غير طبيعي وفوق المعتاد.

التعرض لصدمة نفسية

الصدمات الحياتية تؤثر على قدر وقعها على الشخص؛ مثل: موت أحد الأشخاص المقربين له؛ مثل: الأب أو الأم، أو التعرض لحادث والنجاة من الموت، أو رؤية شخص ميت، قد يكون لبعض الصدمات الأخرى بعيدًا عن الموت تأثير؛ مثل: الفصل من العمل أو ترك المنزل أو الزلازل والبراكين، وهو ما يجعل الشخص يفكر كثيرًا في المستقبل ويخشى الموت.

المشكلات الصحية

الشخص المريض تراوده أفكار مستمرة حول الموت؛ فهو يرى أن المرض طريق للموت؛ وهو ما يجعله يخاف بشدة من فكرة الاحتضار والموت ورهبة القبر ومغادرة الأبناء والأهل وغيره؛ لأن تفكيرهم حول المستقبل يتركز فقط حول الموت وما بعده؛ كما توجد بعض الأمراض التي تزيد من حدة وسواس الموت؛ مثل: فقر الدم واضطرابات الغدة الدرقية.

خلل النشاط الدماغي

يعتمد الدماغ في عمله على إرسال الإشارات الكهربائية، وعلى الناقلات العصبية وإفراز بعض المواد؛ مثل: الدوبامين والسيروتونين، وحدوث نقص في إفراز السيروتونين في الدماغ يؤثر على تفاعل المواد الكيميائية؛ وهو ما يزيد من حدة القلق النفسي، ومنه زيادة القلق بشأن الكثير من الأمور؛ مثل: الموت والخوف من المجهول والمستقبل.

ألم الموت

جميعًا سوف نمر بلحظة انسحاب الروح من الجسد، وقد تكون فكرة الألم الناتج من هذه اللحظة هي سبب رئيسي لتكون رهاب الموت القهري.

أسباب أخرى

بجانب هذه الأسباب، توجد بعض العوامل التي تزيد من احتمالية الإصابة بوسواس الموت؛ مثل:

  • العمر؛ خاصةً مع ظهور دراسات ربطت بين كبار السن وعملية الاحتضار؛ بينما تركز الخوف من الموت لدى الشباب من الموت نفسه.
  • الخوف من الألم والربط بين الموت ولحظات من الألم الشديد.
  • العوامل الوراثية.
  • النوع؛ فالنساء أكثر عرضة لوسواس الموت من الرجال.
  • تعاطي المخدرات والكحول.
  • استخدام بعض الأدوية.
  • الإكثار من مشروبات الكافيين والتدخين.

أعراض وسواس الموت

أعراض وسواس الموت

ربما يختلط الأمر على الكثيرين بين أعراض الخوف الطبيعي من الموت ووسواس الموت؛ فمتى يحتاج الشخص العلاج ويعي أنه مريض برهاب الموت؟ يطلق على الشخص مصاب وسواس الموت مع بعض الأعراض؛ منها:

  • نوبات الرعب والهلع عند الحديث عن الموت أو التفكير فيه.
  • التعرق مع سرعة ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم عند تذكر الموت.
  • الغثيان وألم البطن عند التفكير بالموت.
  • نوبات من الاكتئاب والحزن الشديد.
  • العصبية والانفعال.
  • فقدان الشهية واضطرابات الجهاز الهضمي.
  • الخوف المبالغ فيه من المستقبل والمجهول.
  • التحسس الشديد لارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة.
  • الخوف من تجربة أي شيء جديد أو المجازفة والمخاطرة.

من الأكثر عرضة للإصابة بوسواس الموت؟

قد يعاني بعض الأشخاص بصورة أصعب من وسواس الموت؛ ليتحول من مجرد خوف طبيعي في الفطرة البشرية إلى رهاب وقلق يصل إلى حد الفوبيا أو الهلع؛ ومن هؤلاء الأشخاص:

  • كبار السن أكثر خوفًا من الموت.
  • أصحاب الأمراض؛ وبخاصةً المزمنة.
  • النساء أكثر قلقًا من أفكار الموت والاحتضار وفيما بعد الموت.
  • الأم والأب؛ خوفًا على أبنائهم من مواجهة الحياة بعد موتهم.

كيف يعاني الشخص من وسواس الموت؟

تكثر التساؤلات التي يرددها مريض الوسواس؛ وخاصةً من يعاني الخوف الشديد من الموت؛ فكل تفكيره متجه إلى معنى الحياة وما الذي يحدث عند الموت وبعده، ويخاف كثيرًا من فكرة الموت في سن صغير، فيتبادر دائمًا إلى ذهنه هل سيموت في عُمر العشرينات أو عندما يصبح هرِما؟ علاوةً على ذلك؛ فإنه يبتعد عن الأماكن التي يكثر بها الموت؛ مثل: المستشفيات، وزيارة القبور.

طرق علاج وسواس الموت

علاج وسواس الموت

يعتمد الطبيب النفسي في العلاج المبدئي على معرفة أسباب وسواس الموت لدى الشخص، والاطلاع على الأفكار التي تستحوذ على عقله وتجعله يخاف بهذه الطريقة من الموت، مما يؤثر على حياته وعلاقاته بالمحيطين به؛ لذا تتمثل خطوات علاج وسواس الموت في:

العلاج النفسي

يبدأ بالتحدث مع المريض لمعرفة جذور مشكلته والتوصل إلى الدوافع الكامنة وراء هذه المخاوف من الموت، ومشاركته أفكاره ومخاوفه، وطمأنته ليبوح بكل ما يحمله من أفكار سلبية وذكريات مؤلمة عن الموت.

العلاج المعرفي السلوكي

تقنية ذات فعالية في العلاج النفسي لوسواس الموت تعتمد على شقين: الأول تغيير أفكار ومفاهيم الشخص عن الموت؛ ليدرك أن الموت حقيقة مسلمة؛ ولكنها ليست مخيفة؛ والثاني لتغيير السلوكيات وردود الفعل الصادرة منه عند التحدث عن الموت أو التواجد في موقف يذكره بالموت مثل: استبدال القلق والتوتر بذكر الله، والتخلص من الأعراض الجسدية والانفعالية؛ ليستعيد حياته الطبيعية.

العلاج بالأدوية

تتطلب بعض الحالات الشديدة من مرضى وسواس الموت وصف الأدوية وبخاصة مضادات الاكتئاب والقلق؛ فقد يتزامن مع الخوف الشديد من أفكار الموت والخوف من المجهول أرق شديد مصاحب لاكتئاب؛ وهو ما يؤثر على الحالة المزاجية للشخص، فيصف الطبيب أنواعًا من مضادات الاكتئاب والقلق.

ممارسة الرياضة

الرياضة علاج مساعد فعال لكافة الاضطرابات النفسية؛ ومنها: رهاب الموت؛ فسبب رئيسي من أسباب وسواس الموت هو انعزال الفرد طوال الوقت مع ذاته؛ وهو ما يسبب خللا في الغدد الصماء، وإفراز بعض المواد في الدماغ؛ لذا تساعد الرياضة على استعادة الشخص لنشاطه العقلي والبدني، وخروجه إلى بيئة الأصدقاء والأقارب وتفاعله معهم يقلل من أعراض فوبيا الموت.

تقنية الاسترخاء

الاسترخاء تقنية جيدة لسحب الشحنات السلبية لدى الشخص، وتخلصه من الأفكار المخيفة والمبالغ بها عن الموت؛ لذا من المهم ممارسة رياضات التأمل مع أخذ نفس عميق يوميًا؛ ليتحدى الشخص مخاوفه ويواجه أفكاره؛ ليخرج من قوقعة الرهاب ويتجاوب مع معطيات الواقع.

طرق الوقاية من وسواس الموت

طرق الوقاية من وسواس الموت

إليكم بعض النصائح التي يمكنكم تطبيقها؛ حتى لا يتطور هذا الوسواس إلى مُسيطر؛ وبهذا نقلل كمية الخطر الناتجة عن الإصابة به، وتتمثل طرق الوقاية في التالي:

  • تجنب المكوث لفترات طويلة مع أناس سلبيين محبطين.
  • الذهاب لأهل العلم المتخصصين وسرد كل الأسئلة التي تجول في خاطرك عن الموت والحياة.
  • الانخراط في التعلم واكتساب ثقافات ومهارات جديدة.
  • الابتعاد عن كافة وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنها سبب رئيسي للإصابة بالاكتئاب والابتعاد عن الناس.
  • إدراك حقيقة الموت بمعناها الصحيح؛ وأنها تشبه الحياة تمامًا؛ وسوف تنقضي في يوم ما.
  • تصديق أن الموت لا محالة منه، وأن لكل فرد أجلا وموعدا محددا من الله عز وجل.

ختامًا… وسواس الموت ليس اضطرابًا مزمنًا؛ بل يمكنك بخطوات بسيطة ونصائح محددة التخلص منه؛ لتعيش حياتك كما الآخرين، وتتخلص من مطاردة تلك الأفكار السلبية عن الموت.

المصادر:

ميديكال نيوز توداي.

إيبيتيا.

ويكي هاو.

زر الذهاب إلى الأعلى