ثقافة ومعرفة

بديع الزمان الهمذاني.. نصير الفقراء الذي أسس فن المقامات

بديع الزمان الهمذاني هو مؤسس فن المقامات، وهو علم من أعلام الكتابة في العصر العباسي، وهو إمام في الصنعة غیر مدافع، وفارس من فرسانها بلا منازع، تمتاز كتاباته بجودة الوصف، وسهولة الأسلوب، وعمق المعنى، وطرافة التصویر، وكان من الكتاب الذین ذاع صیتهم بين بلاد العرب وفي الأندلس واحتل مكانة واضحة لدى الأندلسیین، وكان لرسائله ومقاماته أثر واضح في كتاباتهم، كما أشاد ابن بسام في كتابه الذخیرة بكتابته ونثره، مما یؤكد ما كان یحظى به من شهرة.

من هو بديع الزمان الهمذاني؟

بديع الزمان الهمذاني
بديع الزمان الهمذاني

هو أبو الفضل أحمد بن الحسين ولد سنة 969 م في مدينة همذان، وهي مدينة في بلاد فارس (إيران)، وتوفي في شهر جمادى الآخرة سنة 398 هـ، 1008م عن عمر بلغ 40 عاما، ولم تذكر المصادر التاريخية سبب تلقيبه ببديع الزمان، وربما يكون السبب نبوغه في الأدب واللغة العربية، كما كان معروفا عنه أنه شديد الذكاء، سريع البديهة، وعندما بلغ بديع الزمان الـ22 من عمره غادر همذان وذهب إلى أصبهان باحثا عن العلم.

خلق بديع وخلقه

وصفه ابن دوست بقوله: «وكان أبو الفضل بهي الطلعة، وسهل العشرة، فنان المشاهدة، غاية في الظرف، آية في اللطف، معشوق الشيمة مرزوقا فضل القيمة، وكان مع هذا كله مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، ناصع الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس، كريم العهد، خالص الود، حلو الصداقة مر العداوة»، وأما البديع نفسه فيلقي بعض الضوء على شكله وطباعه، حين يقول معتذرا في إحدى رسائله، إنه: «همذاني المولد، جبلي المنبت، ناري المزاج، ضعيف البنية، يابس العظام، حاد الطبع، حديث السن».

طموح بديع الزمان الهمذاني

كان بديع الزمان الهمذاني من أصحاب الطموح، وطالبي المجد، قرر أن يسافر إلى البلدان والأمصار، ليكتسب مزيدا من العلم، وينشر أدبه ويثبت مكانته أمام أدباء جيله، وكان مثل كثير من الأدباء يقصد الولاة وأصحاب السلطان ممن يكرمون الأدباء، ويروي لنا في إحدى رسائله أنه أثناء رحلته إلى نيسابور ليلتقي بكبير أدباء عصره وقتها، أبا بكر الخوارزمي تعرض للنهب من اللصوص وقطاع الطرق، وحين وصل إلى نيسابور، قام بمناظرة أبي بكر الخوارزمي مناظرة مشهورة برع فيها بديع الزمان، وأظهر فيها كل مهارة تعلمها وتفنن فيها، بدهاء وذكاء شديد.

وتُعتبر هذه المناظرة الأدبية نقلة كبيرة لبديع الزمان، وكانت السبب في تحول حياته، فقد بلغت شهرته الآفاق، وأصبح حديث عامة الناس وخاصتهم، عندها ألّف ذلك السحر الأدبي العجيب، والتي ارتبطت باسمه وكان له الفضل في شهرتها.. المقامات.

ما هو فن المقامات؟

تُعرف المقامة بأنها أحاديث أدبية لغوية يلقيها أحد الرواة على جماعة من الناس بقالب قصصي يقصد فيه التسلية والتشويق، ويغلب على مقامات بديع الزمان الهمذاني الطابع الكوميدي، وهناك شخصيتان مركزيتان، تظهران بشكل مستمر في كل مقامة، هما: الراوي عيسى بن هشام، والبطل المكدي (الذي يتسول من الناس) أبو الفتح السكندري، وأما باقي الشخصيات، فهي هامشية وغاية وجودها إكمال الدور الذي تؤديه، ولذلك لا ينشغل الراوي بذكر أوصافها وأسمائها، وإنما يركز على السمة البارزة في سلوكها.

أصل المقامات

من الشائع أن بديع الزمان الهمذاني أول من ابتكر فن المقامات، وقد أقر له بذلك كل من عرفه وعرف فن المقامات من بعده، ويذهب هذا المذهب كثيرون من أهل التصنيف والتأليف كابن خلكان، وكذلك القلقشندى الذي قال في كتابه صبح الأعشى في تاريخ الإنشا : «إن أول من فتح باب عمل المقامات علامة الدهر وإمام الأدب البديع الهمذاني، فعمل مقامته المشهورة المنسوبة إليه، وهي في غاية البلاغة وعلو الرتبة في الصنعة، ثم تلاه أبو محمد قاسم الحريري، فعمل مقامته الخمسين المشهورة»، وقد زعم المستشرق مرغليوثر في دائرة المعارف الإسلامية: «أن مبتكر فن المقامات ليس الهمذاني كما اعتقد الناس زمنا طويلا، وإنما الذي ساق البديع على تأليف مقامته كان قراءته الأربعين حديثا التي ألفها ابن دريد»، ولأهمية المقامات فقد اهتم بها الكتاب والناقدون والبحث عن أصولها وهم كثيرون الذين تناولوا هذا الموضوع مثل زكي مبارك، ومصطفى صادق الرافعي وغيرهم من الكتاب والأدباء، إلا أن هناك إجماعا على أن مؤسس فن المقامات هو بديع الزمان الهمذاني.

ما هي أهمية مقامات بديع الزمان الهمذاني؟

يُعتبر العصر الذي عاش فيه «الهمذاني» عصر انحطاط القيم، وانهيار السقوف الأخلاقية، وذلك راجع إلى الاختلاط، واختلاف الشعوب، وصراع المذاهب، وسرعة زوال الدول ونشوئها، وتكمن أهمية مقامات بديع الزمان في أنه يسرد أخبارا عن الشعراء في مقامته، ويزودنا بمعلومات ذات صلة بتاريخ الأدب، كما يقدم هذه المعلومات في مختلف المقامات التي تناولها في نص رائع يغلب عليه الإثارة والتشويق، وهي تعد وثيقة تاريخية تصور جزءا من حياة عصره، كما أنها تعد نواة المسرحية العربية الفُكاهية، وقد ذكر فيها أوصافا للطباع الإنسانية، فكان بحق واصفا بارعا لا تفوته لا كبيرة ولا صغيرة، فقد كان الأدباء قبله يستمدون موضوعاتهم من حياة الطبقة الغنية فجاء الهمذاني، وخالف ذلك واستمد موضوعاته من حياة الفقراء، الذين اضطرهم فساد النظام السياسي والاجتماعي، وجعلهم يلجؤون إلى الاستجداء والاحتيال في طلب الرزق.

الكاتب

  • ماجستير في التاريخ، ليسانس آداب من جامعة القاهرة، حاصلة على دبلوم تربوي ودبلوم المعلومات والتوثيق، كاتبة في عدد من المواقع والصحف، من هوايتها القراءة والكتابة.

زر الذهاب إلى الأعلى