ثقافة ومعرفة

أهرامات بيرو.. شاهد تاريخي على أقدم حضارات الأمريكتين

بمنطقة «كارال سوب»، تتواجد أهرامات بيرو، والتي يعتبرها علماء الآثار أحد أكبر المراكز الحضرية وأكثرها تعقيدًا، والتي تم بناؤها بواسطة أقدم حضارة عرفها نصف الكرة الأرضية الغربي، والتي شيدت منذ نحو 2600 عام قبل الميلاد. 

أين تقع أهرامات بيرو؟

تبلغ مساحة موقع كارال نحو 1500 فدان، وتقع هذه المنطقة على بعد 150 ميلا شمالي ليما، عاصمة بيرو، وعلى بعد حوالي 14 ميلا من ساحل المحيط الهادئ، وتضم المنطقة سلسلة من 6 أهرامات قديمة، وساحات دائرية لها سلالم عملاقة، مطلة على نهر «سوبي» المتعرج.

يبلغ ارتفاع الهرم الأكبر من أهرامات بيرو نحو 100 قدم مع قاعدة تغطي مساحة تمتد على 4 ملاعب كرة قدم تقريبًا، بينما كشف التأريخ باستخدام الكربون المشع على المواد العضوية في جميع أنحاء الموقع أن عمره ما بين 4- 5 آلاف سنة، مما يجعل هندسته المعمارية قديمة جدًا، ربما أقدم من هرم سقارة نفسه، الذي يعد أقدم أهرام مصر القديمة.

«اقرأ أيضًا: الأهرامات ليست من بينها.. عجائب الدنيا السبع الجديدة»

مقالات متعلقة

أقدم حضارة بأمريكا الجنوبية

أهرامات بيرو
كارال، بيرو.

كان كارال أول موقع تم حفره من بين حوالي 20 موقعًا في منطقة على طول الساحل المركزي لبيرو تُعرف باسم منطقة «نورتي شيكو»، ويعتقد علماء الآثار أن تلك المواقع تمثل بشكل جماعي أقدم مركز حضاري في الأمريكتين، والذي استمر من حوالي 3000 إلى 1800 قبل الميلاد، ولم يتأثر تمامًا بالقوى الخارجية، حيث ازدهرت قبل 4 آلاف عام تقريبًا من بداية إمبراطورية «الإنكا» القوية.

وعلى الرغم من أهمية كارال، التي تضُم أهرامات بيرو، إلا أنّه قد مرت عقود بين عثور العلماء الأوائل على المنطقة، وبين إدراك أهميتها، حيث استكشف عالم الآثار الألماني «ماكس أوهل» وادي سوب أولًا كجزء من دراسة واسعة النطاق لمدن بيرو القديمة في أوائل القرن العشرين، بينما يعتقد أن المؤرخ الأمريكي «بول كوسوك» هو أول مستكشف استطاع زيارة موقع كارال الحالي.

تجاهل ودراسات

أهرامات بيرو
أهرامات بيرو.

ومع ذلك، أدى الحجم الهائل للموقع ودرجة تعقيده إلى اعتقاد الكثيرين بأن هياكل كارال لم تُصنع إلا مؤخرًا، مما جعلها تتعرض للتجاهل إلى حد كبير، لكن كل ذلك تغير في عام 1994، عندما بدأت عالمة الآثار البيروفية «روث شادي» من جامعة سان ماركوس الوطنية في دراسة الموقع، وقتئذ أدركت بسبب عدم العثور على أي سيراميك في الموقع من أن هذا الموقع الذي يضم أهرامات بيرو قد يرجع تاريخه إلى زمن بعيد.

لكن شادي احتاجت إلى إثبات مزاعمها، وأثناء التنقيب في أكبر هرم في المنطقة، عثرت هي وفريقها على بقايا أكياس منسوجة من القصب، تُعرف باسم «الشيكرا»، وهي أكياس مليئة بالحجارة الكبيرة لدعم الجدران الاستنادية للهرم، في عام 1999، أرسلت عينات القصب للتأريخ بالكربون المشع في متحف شيكاغو الميداني.

كانت النتائج، التي نُشرت في مجلة «Science» في أبريل 2001، هائلة، حيث ثبت أن كارال، إلى جانب مواقع أخرى قديمة في نورتي شيكو في وادي سوب، كانت موقعًا لبعض التجمعات السكانية المبكرة في أمريكا الجنوبية، وبذلك أصبحت مدينة «أهرامات بيرو» أقدم مدينة معروفة في نصف الكرة الأرضية الغربي.

هل كان مجتمعًا متقدمًا؟ 

أهرامات بيرو

بمواصلة اكتشاف منطقة أهرامات بيرو ‑كارال- اتضح أن سكان هذه المنطقة كانوا متقدمين جدًا، بناءً على ما شاهدته فرق البحث من عناصر معمارية معقدة، بالإضافة بالطبع للأهرامات الضخمة، ما يعني أن الحياة في بيرو وقتئذ كانت تتسم بالكثير من التقدّم في مجال الهندسة، إضافة لاستخراج فرق البحث أيضًا عشرات المزامير المصنوعة من عظام البجع، التي تشير إلى أهمية الموسيقى لهذه الشعوب.

لكن يظل أهم الاكتشافات بمنطقة أهرامات بيرو، كان عثور فريق شادي البحثي على طريقة لتسجيل المعلومات مدونة على سلالم أحد الأهرامات، يعتقد أن تاريخ استخدامها يعود لفترة حضارة الإنكا، ويعتقد أيضًا أنها أقدم طريقة تدوين بالأمريكيتين.

مجتمع متكامل

ساعد وجود مثل هذه الحضارة الداخلية الكبيرة والمنظمة جيدًا في تحطيم «الفرضية البحرية»، أو النظرية طويلة الأمد القائلة بأن مجتمعات «الأنديز» المعقدة قد تطورت أولاً من الساحل، حيث كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الصيد، ولم تتقدم إلا لاحقًا في المناطق الداخلية.

فعبر اكتشاف أهرامات بيرو والمنطقة من حولها دحضت هذه الفرضية تماما، حيث يعتقد الأثريون أن المستوطنات الساحلية والداخلية كانت متواجدة في نفس الفترة، بل إن «كارال» كانت أكبر وأكثر تعقيدًا من أي مدينة ساحلية.

ومع هذه الأدلة، صاغ العلماء نظرية أكثر منطقية، حيث يزعم البعض أنّ المزارعين في كارال قد قاموا بزراعة القطن وتداوله مقابل الأسماك والمحار مع القرويين على طول الساحل، لتصبح النتيجة النهائية لهذا المجتمع كالآتي: النتيجة النهائية: «فائض في الإنتاج، تخصص عمالي محلي وظهور سلطات سياسية مسؤولة عن التجارة»، باختصار، كان لدى كارال نموذجًا مزدهرًا للتنظيم الاجتماعي والسياسي.

لماذا انهارت حضارة كارال؟

ربما هذا هو السؤال الأكثر تعقيدًا، فكيف لبناة أهرامات بيرو أن يتخلّوا عن موطنهم بعدما سكنوه لنحو 1000 عام؟ وللأسف لا نمتلك إجابة قاطعة على هذا السؤال، فطبقًا لعالم الآثار الدكتور «توماس بوزورسكي»، لا يوجد دليل قاطع يشير إلى وقوع حدث ما ‑زلزال ضخم أو فيضان- أنهى هذه الحضارة المتقدمة وأخفاها من صفحات التاريخ، لكنه يرجح أن تكون عدة عوامل قد ساهمت في تدهور الدولة، بما في ذلك الصراع الداخلي والخلافات التي يصعب إثباتها بواسطة علم الآثار.

الكاتب
المصدر
مصدر مصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
Please rotate your device
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications