ثقافة ومعرفة

إدوارد تيتش.. «اللحية السوداء» الأشهر في تاريخ القرصنة

في كتابة «التاريخ العام لعمليات السطو والقتل»، قدَّم المؤلف الإنجليزي «تشارلز جونسون» قائمة بأشهر القراصنة الذين عاصرهم، ولعل أبرزهم «إدوارد تيتش» المُلقب باللحية السوداء، تيمنًا بهيئته التي كانت عبارة عن لحيته السوداء الطويلة المربوطة بشرائط، والصمامات المضاءة تحت قبعته، والمسدسات المتعطشة، الأمر الذي جعله ربما أهم شخصية فيما يعرف بعصر القراصنة الذهبي. 

من هو صاحب اللحية السوداء؟

اللحية السوداء

طبقًا لجونسون، تم تصوير إدوارد تيتش، أو صاحب اللحية السوداء كرجل بلا أخلاق أو وازع، سواءً تجاه ضحاياه أو طاقمه المساعد، لذلك فقد حصل على نهايته المستحقة، عندما فارق الحياة متأثرًا باختراق 5 رصاصات لجسده، لكن ماذا حدث قبل كُل ذلك؟ وكيف أصبح هذا الرجل صاحب سُمعة بهذا السوء؟

حقيقة؛ لا نمتلك تفاصيل موثقة عن بدايات إدوارد، باستثناء أنه ولد ببريستول في إنجلترا أواخر القرن الـ17، وظل بسنواته الأولى يبحر بغرض مداهمة السفن الإسبانية والفرنسية بالمياه الجامايكية، خلال حرب الخلافة الإسبانية التي امتد لنحو 14 سنة بداية من 1701 ميلاديًا، وفي الواقع، يعتقد أيضًا أن اسم «إدوارد تيتش» الذي تم الاستقرار على مناداة القرصان صاحب اللحية السوداء به كان مستعارًا، قد اختاره لنفسه بوقت سابق لإخفاء ماضٍ مظلم، غير معروف.

أسطول سيئ السمعة

بداية من سبتمبر 1717، عمل تيتش كقبطان في جزر الباهاما تحت حكم القرصان البريطاني بنيامين هورنيغولد، وكانت قاعدتهم، مثل العديد من القراصنة الآخرين، هي جزيرة «نيو بروفيدنس».

قام الرجلان، بمهاجمة السفن في منطقة البحر الكاريبي وقبالة سواحل أمريكا الشمالية، بينما تُعد أكثر عملياتهم صيتًا بهذه الفترة، كان الاستيلاء على «كونكورد»، وهي سفينة فرنسية كانت محملة بالذهب والعملات والأحجار الكريمة وغيرها من السلع الثمينة من المراكز التجارية في إفريقيا، متجهة إلى فرنسا.

استولى صاحب اللحية السوداء على هذه السفينة بنوفمبر 1717، بالقرب من مدينة سانت فينسينت، وأعاد تسميتها إلى «انتقام الملكة آن»، وتحولت على يده لسفينة عبيد، وتم تزويدها بنحو 40 مدفعًا، واستخدمت فيما بعد للإغارة على المياه المحيطة بـسانت فينسينت وسانت كيتس.

بحلول أوائل عام 1718، كان طاقم تيتش يتكون من نحو 400 رجل، يهابونه بشكل كبير، بفضل قدراته الاستثنائية بكل تأكيد، ولكن أيضًا بسبب مظهره الذي أضفى هيبة مضاعفة للرجل صاحب اللحية السوداء الطويلة، وروى شهود العيان تيتش قد فرض انضباطًا صارمًا على طاقمه.

وكان لدى إدوارد تيتش نسخة مصورة بشكل خاص من علم جولي روجر، والذي تم رفعه لتأمين الاستسلام الفوري من الضحايا، كان عبارة عن هيكل عظمي يحمل ساعة رملية بيد ورمح يشير إلى قلب ينزف باليد الأخرى، وذكّرت هذه الرموز أولئك الموجودين على متن السفينة أي سفينة يقترب منها أن وقتهم ينفد وأن الموت هو النتيجة الوحيدة إذا فكرّوا مجرد تفكير في مواجهته.

إلى شمال كارولينا

اللحية السوداء
علم سفينة «انتقام آن».

عقب عدة عمليات قرصنة ناجحة، أبحر تيتش إلى نورث كارولينا حيث وعد بالتخلي عن القرصنة وحصل على عفو من الحاكم تشارلز إيدن، بنفس الوقت؛ غضَّ الكثير من المسؤولين على الساحل الشرقي للمستعمرات الأمريكية الطرف عن القرصنة، إما لأنهم متورطون فيها بأنفسهم أو لأن غنائم القرصنة كانت غالبًا أرخص من شراء البضائع من التجار الشرعيين.

في الواقع لم يتخل «اللحية السوداء» عن القرصنة، لكنه قرر أن يتعرّض للسفن ذات التسليح الضعيف، لتحجيم الأضرار التي من الممكن أن يتعرّض لها عند مواجهة قوافل مجهزة بأسلحة قوية، لذلك أبحر إلى خليج الهندوراس، وهناك تمكن من الاستيلاء على سفينة زميل قديم له يدعى «ستيد بونيه»، وبذلك أصبح تيتش قائدًا لأسطول مكون من 4 سفن، تجوب منطقة الساحل الأمريكي مستهدفةً السفن التجارية.

بمايو 1718، نجح تيتش في محاصرة «تشارلز تاون» بجنوب كارولينا لمدة قاربت الأسبوعين، بعد ذلك قرر إطلاق سراح من أسرهم بعد دفعهم لفديات تضمنت بعض الأدوية لعلاج بعض أفراد طاقمه الذين أصيبوا أثناء الحصار بمرض الزهري.

في طريق الأسطول لشمال كارولينا، جنحت «انتقام آن» وسفينة أخرى داخل المياه الضحلة، ويعتقد أن صاحب اللحية السوداء قد فعل ذلك عن عمدٍ، رغبة منه في تقليص عدد طاقمه، خاصةً بعدما طالب العديد منه بحصته في الغنائم، لكنه بالتأكيد رفض، واستولى على كل المسروقات التي جمعها الأسطول، وأبحر بالسفينة الشراعية المتبقية، بينما غرقت السفينة «انتقام آن» بعد أن تقطعت بها السبل.

عندما وصل إدوارد تيتش إلى شمال كارولينا، اتضح أنه ربما قد قرر اعتزال القرصنة بشكل نهائي، حيث تعرّف على إحدى الفتيات التي كانت ابنة لصاحب مزرعة، وتزوج بها عقب حصوله على عفو آخر من الحاكم إيدن، الذي سمح له أيضًا بالاحتفاظ بسفينته الشراعية دون مصادرتها كباقي ممتلكاته، أو مسروقاته بمعنىً أوضح، لكن وبشكل مفاجئ، صدرت مذكرة اعتقال بحقه أثناء زيارته لفيلادلفيا.

عندئذ، وجد تيتش نفسه مطالبًا بترك منزله الذي أقام به مع زوجته، والعودة مجددًا لممارسة القرصنة بالبحر، من أجل البقاء على قيد الحياة من جهة، وتجنُّب الاعتقال من أخرى، فاستولى على سفينتين فرنسيتين قبالة ساحل برمودا، ثم عاد إلى باث تاون مع شحنة من السكر والكاكاو، وقام برشوة أحد المحاكم والمسؤولين ببراميل السكر، لذلك حكمت ببراءته من أي تهم تتعلق بالقرصنة، ومن المحتمل أن يكون تيتش قد استمر من الأساس في القرصنة الخاصة به لأنه سمح له بذلك من قبل الحاكم بفضل الرشاوي التي داوم على تقديمها.

فصل الختام

اللحية السوداء
صورة تخيلية لمقتل إدوارد تيتش.

كان حاكم ولاية فرجينيا، ألكسندر سبوتسوود، على عكس نظيره في ولاية كارولينا الشمالية المجاورة، حريصًا جدًا على قمع القرصنة، كما كان الحال بالنسبة للعديد من التجار الشرعيين الأغنياء والأقوياء، فعندما أدلى مسؤول الإمداد السابق لتيتش بشهادته بشأن الأفعال غير القانونية لقبطانه في الماضي، كان طاقم من أفراد البحرية الملكية البريطانية مكون من اثنين من المراكب الشراعية وتم إرسالهما لتقديم إدوارد إلى العدالة، وأبحر هؤلاء الرجال البحريون في نوفمبر 1718 بعد أن حصلوا على حافز إضافي بقيمة 100 جنيه استرليني للقبض على صاحب اللحية السوداء الأشهر، حيًا أو ميتًا.

في هذه الأثناء؛ كان لدى تيتش حوالي 20–25 رجلاً في قاعدته، لكنه استقل مركبته الشراعية واستعد لصد قوة الهجوم التي رآها تعبر المياه الضحلة في خليج أوكراكوكي، في نوفمبر، جنحت السفن البريطانية على ضفة رملية، واستغل تيتش الفرصة لإطلاق مدافعه على هذا الصيد السهل، بعد أن أعلن أنه لن يرحل وسوف يقاوم.

في نهاية المطاف، تمكنت إحدى سفن البحرية البريطانية من الاقتراب من سفينة تيتش، بقيادة ملازم يدعى روبيرت ماينارد، عندئذ، اختبأ ماينارد ومعظم رجاله في الطوابق السفلية لسفينة تيتش منتظرين اللحظة الحاسمة، وعندما صعد رجال تيتش على السفينة، التقت المجموعتان على ظهر السفينة بموجة من طلقات المسدس وضربات السيوف.

تقاتل ماينارد وتيتش وجهًا لوجه، باستخدام المسدسات والسيوف، وظل صاحب اللحية السوداء صامدًا حتى بعد تعرضه لنحو 5 عيارات نارية وقرابة 20 جرحا من سيف ماينارد، إلا أنه سقط في النهاية، وقتئذٍ أراد الملازم ماينارد أن يحذر كل من تسول له نفسه ممارسة نشاطات القرصنة بجعل تيتش عبرة، فقام بتعليق رأسه على مقدمة سفينته التي حصل عليها جرّاء القرصنة.

بهذا انتهت أسطورة إدوارد تيتش «اللحية السوداء»، الذي اقتصر عمله على نهب مقدرات الآخرين طوال 15 شهرًا كانت كل ما استطعنا التوصُّل إليه، ويتبقى فقط أن نخبرك بالوصف الذي تركه عنه الكاتب الإنجليزي دانيل ديفو، حيث اعتبره: «وحشًا قادرًا على ارتكاب أي فظائع».

الكاتب
المصدر
مصدر مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications