علاقات

الاعتذار الصادق.. وهي يكفي الاعتراف بالخطأ وحده؟

نميل نحن البشر للعيش في مجموعات، تلك هي الفطرة، لا يرغب أي إنسان سوي في أن يعيش منعزلا عن الآخرين، وربما لذلك فوائد نفسية وصحية تعود على الفرد، إلا أنها احيانا ‑الحياة ضمن مجموعة- تجعل الإنسان أكثر عرضة لسوء الفهم، أو توتر الأعصاب كنتاج لأي اختلاف عادي قد يحدث بينه وبين البشر الذين يحيطون به، نتيجة للضغط والتوتر الذي يختلف تأثيره على الأفراد بشكل متباين.

تحت الضغط، يمكن للإنسان أن يظهر الجانب السيء فيه، ولا ضير في ذلك، فأحيانًا يقوم كل إنسان بتصرفات طائشة تجاه شخص يحبه، أو ينكث بوعد قدمه لإنسان يهتم لأمره، والواقع هو أن من البديهي أن يتصرف الإنسان في لحظات كتلك بشكل غير لطيف، لكن الأهم هو امتلاك ثقافة الاعتذار، حتى وإن كان الفرد نفسه لا يشعر بأنه كان ارتكب خطأ فجا تجاه أي شخص، من الضروري أن يعتذر الإنسان لمجرد تسببه في ضيق لإنسان آخر، بغض النظر عن صحة موقفه من عدمه، فالاعتذار حلا مثاليا للحفاظ على العلاقات الإنسانية التي تربط البشر ببعض.

ما هو الاعتذار؟

طبقًا لكارل شنايدر، الطبيب النفسي، فالتعريف الحقيقي للاعتذار هو الإحاطة بحجم الضرر الذي أصاب الطرف الآخر، مع تقبل مسؤولية العواقب الناتجة عن ذلك دون الرغبة في إبداء أي مبررات للتصرف الذيجعل الطرف الآخر يشعر بالضيق، وحتى بعد أن توضح التعريف الحقيقي للاعتذار، ربما لن يجعل ذلك منه أمرا سهلا لدى البعض، لأن إدراك التعريف وفهمه يجعل الإنسان يضع يده على مواطن ضعفه، وهو شعور غير محبب، لأن معظم البشر لا يحبذون الاعتراف بالضعف، أو بمعنى أوضح لا يحبذون تقديمم الاعتذار.

«للحفاظ على أو إعادة إقامة الروابط مع الآخرين ، عليك أن تتخلى عن المخاوف بشأن الصواب والخطأ وتحاول بدلاً من ذلك فهم تجربة الشخص الآخر».

مقالات متعلقة

الدكتور رونالد سيجل ، الأستاذ المساعد في علم النفس في كلية الطب بجامعة هارفارد.

ربما تأتي هذه الفكرة من منطلق الجهل، فمعظمنا تربى فقط على قول «أنا آسف» لمن يكبره سنا، كتقدير لكبار السن، لا للحفاظ على العلاقات الإنسانية معهم، لكن الأهم من وجهة نظر كارل، هو إتقان مهارة تقديم الاعتذار لأي إنسان، عن طريق معرفة متى ولماذا وكيف يقدم ذلك الاعتذار.

كيف يكون الاعتراف بالخطأ صادقا؟

لكي يكون الاعتذار صادقا وفعالا، على الإنسان أولا أن يدرك أن علاقته بمن أمامه أهم بكثير من فكرة الصواب والخطأ، وكما ذكر أعلاه أن يعترف الإنسان بأنه قد قام بتصرف أهان الطرف الآخر، وبأنه يجب عليه تحمل عواقب ما اقترفه والأهم هو أن يعد بالتعويض، وحتى تتضح الصورة كاملةً، وضع الدكتور آرون لازاري، الطبيب النفسي بجامعة هارفارد الأمريكية 4 عناصر يجب أن تتوفر بأي اعتذار مقدم من طرف لآخر، حتى يحصل على ختم الفعالية.

أولا؛ الاعتراف بالخطأ، وتحمل مسؤولية الأذى الناتج عن التصرف سواء كان جسديا أو نفسيا، والتأكيد في نفس الوقت على أن ذلك التصرف ليس مقبولا، بالتالي، ودون مراوغات، يجب استخدام صيغ مباشرة أثناء تقديم الاعتذار، لأن الضرر قد وقع بالفعل.

ثانيا؛ الشرح وليس التبرير، وهنا تكمن صعوبة تقديم شرح للخطأ الذي ارتكب في حق الطرف الآخر، حيث يجب على المخطئ أن يشرح لماذا ارتكب الخطأ، لكن دون إعفاء نفسه من المسؤولية الأخلاقية.

ثالثًا؛ التصريح بالندم، ربما يحفظ ذلك ماء وجه من أصيب بالضرر، ويجعله يقتنع بأن ما حدث ما هو إلا ذلة من الممكن تجنب الوقوع بها مستقبلا، كذلك وبنفس السياق، قد يشير الندم أحيانا إلى صدق المشاعر التي يكنها كل طرف للآخر، وخاصة المخطئ.

رايعا؛ التعويض هو الخطوة الأخيرة والتي من الممكن أن تكشق صدق الاعتذار من عدمه، حتى وإن كان ذلك التعويض ماديًا أو ملموسًا، فبمجرد الوعد بأن الفرد ‑المخطئ- يعد بالتعويض وعدم تكرار الخطأ مستقبلا، فهذا أحيانا يفي بالغرض.

سر الصنعة

نهاية يمكننا القول بإن سر الاعتذار السابق يكمن في كيفية صياغة الكلمات التي تخرج على لسان المعتذر، ففارق بسيط في الألفاظ يمكن أن يجعل مشاعر الفرد تتحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، بذلك الصدد، ضربت دولي كورليس، المحررة بموقع «Harvard Health Publishing» مثالين للتفرقة ما بين الاعتذار الذي يمكن قبوله، والاعتذار السيء من وحهة نظرها.

ترى كورليس أن جمل مثل «أعتذر عن ما حدث» أو «هنالك أخطاء تم ارتكابها» أو «لم أكن أعرف أن هذه المسألة حساسة بالنسبة لك»، تندرج تحت عنوان الصياغة الخاطئة للاعتذار، فالأولى تشعر الطرف الآخر بالغموض حيث لم يتم تحديد الخطأ نفسه، أما الثانية فقد تم بناء الحملة للمجهول ما يعني عدم تحمل مسؤولية الفرد لخطئه، أما الثالثة فلا تقل سوءًا عن ما سبق، لأن بها إعادة لوم للطرف المفترض تقديم الاعتذار له لكونه شخصا حساسا.

أما عن الطريقة المثلى للاعتذار، فقد اختصرتها كورليس في صيغة معبرة مثل.. «أنا سف، لقد فقدت أعصابي، كنت تحت ضغط كبير، لكنه ليس مبررا لتصرفي، أعدك بأن لا يتكرر ذلك مستقبلا». وفي هذه الجملة المقتضبة تلخيصا للعوامل الـ4 التي قد سبق وذكرها أرون لازاري كعناصر يجب توافرها في صياغة أي اعتذار يرغب الفرد في أن يقبله طرف آخر.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications