ثقافة ومعرفة

سر الخلطة.. وكيف صمدت آثار روما القديمة 2000 عام؟

بشكل مبهر، لا تزال آثار روما القديمة متماسكة، على الرغم من مرور نحو 2000 عام على تشييد البعض منها، وهذا ما يعني بداهةً أن الرومان كانوا قد أدركوا بعضًا من مفاهيم العمارة، التي ساعدت في نقل حضارتهم للأجيال التالية، متغلبةً على التغيّرات الطبيعية أو حتى الصراعات الحربية، فكيف حدث ذلك؟

أشهر آثار روما القديمة

كان لآثار روما القديمة دور في نهضة الحضارة الرومانية، حيث ساهمت الطرق ذات الجسور في سهولة التواصل مع الإمبراطوريات الأخرى، وحمت الأسوار الضخمة مدينة روما من هجمات الأعداء، فيما استخدمت المدرجات الضخمة في إقامة الفعاليات، وفيما يلي نستعرض أبرز هذه العلامات الأثرية الرومانية.

مدرج الكوليسيوم

يُعد مدرج الكوليسيوم أحد أشهر المعالم روما الأثرية، وهو عبارة عن مدرج ضخم يتكوّن من كتل من الحجر الجيري، تم بناؤه خلال الفترة ما بين 72 و80 ميلاديًا.

يطل المدرّج على ساحة واسعة المساحة تبلغ حوالي 282 قدما طولًا و177 قدما عرضًا، فيما يبلغ ارتفاعه ما يدنو من 159 قدما.

استخدم الكوليسيوم عادة كمقر لإقامة الاحتفالات، المسابقات والفعاليات الترفيهية مثل: مصارعة الوحوش.

معبد البانثون

شيد معبد البانثون عام 27 قبل الميلاد، بأمر مباشر من القائد العسكري «ماركوس فيبسانيوس أغريبا»، ويتميّز بضخامته وشكله الدائري مع قبة خرسانية مثلثة الشكل.

ترتفع الواجهة الأمامية للمعبد لحوالي 7 أمتار، وتتكون من أعمدة حجرية تتخللها أبواب ضخمة مزخرفة بالبرونز.

المنتدى الروماني

يعد المنتدى الروماني أحد أقيَم آثار روما القديمة، حيث اعتبر خلال فترة توهُّج الحضارة الرومانية مركزًا لمدينة روما، التي مثلت المقر الحقيقي للفعاليات الاجتماعية، السياسية والتجارية.

 سبب كثرة آثار روما القديمة

آثار روما القديمة
مدرج الكوليسيوم.

يعتقد المؤرخون أن السبب في انتشار الآثار بمدينة روما يرجع في الأساس إلى كثرة الانتصارات والفتوحات التي شاركت بها الإمبراطورية الرومانية، حيث تعتبر هذه الآثار توثيقًا لمعظم الأحداث التاريخية، أو كتخليد لذكرى شخصيات رومانية بارزة، في حين تم الاهتمام ببناء المعابد والساحات نظرًا لاهتمام الحُكام الرومان وقتئذٍ بالجانب الديني إضافة للجوانب الترفيهية.

كيف صمدت آثار روما القديمة؟

ربما يتبادر إلى ذهنك الآن سؤال هام؛ وهو كيف صمدت آثار روما القديمة كل ذلك الوقت؟ وكيف تمكنّت من تخطي كافة الظروف المتمثلة في الزلازل، الفيضانات، والصراعات العسكرية؟

لا يزال المهندسون وعلماء المواد يدرسون الهياكل الرومانية حتى اليوم، ويعتقد البعض أن السر يكمن في الجمع بين التصميم المبتكر مع وصفة مبتكرة للخرسانة، وهي مادة متينة للغاية وقابلة للتكيف لا تزال مستخدمة في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن الرومان لم يخترعوا الخرسانة، إلا أنهم رفعوا معايير البناء بها.

النهج الهندسي

لعل أبرز تفسيرات بقاء آثار روما القديمة بحالة جيدة حتى يومنا هذا، يعود بالأساس لما يعتبره المعماريون نهجًا هندسيًا في البناء، حيث يُعتقد أن الرومانيين قد أجروا تحليلات متطورة قادتهم إلى هذه التصاميم، والتي تم التعبير عنها بعد ذلك من خلال عملية بناء دقيقة للغاية.

طبقًا للمتخصصين، كانت الخرسانة التي جمعت هذه التصاميم معًا فريدة من نوعها ومدروسة بعمق، حيث استخدم الرومان وصفة مختلفة عن الخرسانة الحديثة، ويقول الباحثون الذين يدرسون هذه المادة القديمة إن مكوناتها تبدو وكأنها تمنح المادة مقاومة هائلة للتحلل.

بين الماضي والحاضر

آثار روما القديمة
سوق تراجان.

يكمُن الاختلاف الحقيقي بين أسلوب بناء آثار روما القديمة ومبانيها وبين العمارة الحديثة، في خلطة الخرسانة المستخدمة في البناء، فمثلًا؛ تتكون معظم الخرسانة حاليًا من الأسمنت البورتلاندي؛ وهو مزيج من رمل السيليكا والحجر الجيري والطين والطباشير ومعادن أخرى يتم تحميصها حوالي 2000 درجة مئوية، وسحقها حتى تصبح مسحوقًا ناعمًا.

بينما كانت الخرسانة الرومانية مزيجًا أبسط من الجير الحي المصنوع من الحجر الجيري، والصخور البركانية من أنواع مختلفة، المتوفرة بكثرة في المنطقة المحيطة بروما، وعلى عكس الركام المستخدم في الخرسانة الحديثة، فإن هذه المواد البركانية التي استخدمها الرومان شديدة التفاعل تجعل الخرسانة الناتجة نشطة كيميائيًا لعدة قرون، بعد أن تصب أول مرة.

هذا النشاط تسبب بدوره في أن تُصبح المباني أقوى وأكثر قدرة على التحمل مع مرور السنوات، حيث يمكن أن تعمل هذه التفاعلات الكيميائية طويلة المدى على تقوية الشقوق الصغيرة التي غالبًا ما تتشكل بين قطع الركام والأسمنت الرابط، وتمنعها من الانتشار لمسافة أبعد.

بلورات داعمة

يؤكد المعماريون المختصون قدرة الإنسان حاليًا، على إنتاج خرسانة بقوة شد أكبر من المستخدمة في آثار روما القديمة، لكن هذه الأبنية الحديثة في الغالب لن تتمكن في الصمود لأكثر من 100 عام، مع التشديد على حاجتها الدائمة للترميمات، بالتالي، هنالك فرق أكثر جوهرية بين العمارة الرومانية والحديثة.

في دراسة نشرت عام 2014، تم اختبار عينة من خرسانة مستخدمة في أحد آثار روما القديمة (أسواق تراجان)، ولوحظ نمو بلورات تشبه الصفائح من معدن يسمى «ستراتلينجيت» في ما يسمى «المناطق البينية»، بين قطع الصخور البركانية والأسمنت.

كتب الباحثون أن هذه البلورات عملت على تقوية هذه المناطق البينية، والتي عادة ما تكون الحلقة الأضعف في الخرسانة المصنوعة من الأسمنت البورتلاندي مما يجعل الخرسانة الرومانية أكثر مقاومة.

في النهاية، ربما لم يتوصّل العلماء إلى كل الحقائق بخصوص تفرُّد آثار روما معماريًا، لكن الأكيد أن الرومان ربما امتلكوا في جعبتهم الكثير مما لم تستطع التكنولوجيا الحديثة الوصول إليه حتى الآن.

المصدر
مصدر 1مصدر 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى