الأمراض النفسية

الشخصية الانطوائية.. والفرق بين الخجل وحب الانعزال

صور عالم النفس كارل يونج الشخصية الانطوائية في عشرينيات القرن الماضي على أنها شخصية تستمد طاقتها من الانعزال عن البشر، بل إن انخراطها مع المجتمع الخارجي يحد من هذه الطاقة، ويجعلها أكثر عرضة للقلق والتوتر، ويُعتقد أن معظم عظماء التاريخ البشري قد تشاركوا مثل هذه المشاعر التي تميل إلى الانشغال بعالمهم الخاص، الذي يدور حولهم وحسب. 

ما هي الشخصية الانطوائية؟

الشخصية الانطوائية
حب الانعزال.

الشخصية الانطوائية في علم النفس هي شخصية تُفضّل الهدوء عن التواجد في تجمُّعات، لكن على عكس الشائع؛ فالشخص الانطوائي لا يمكن أن يتم وصفه بالخجول، حيث إنه قد يكون شخصًا متفتحًا على الحياة، محبًا للمغامرة والناس، لكنه فقط يفضّل أن تسير حياته بعيدًا عن أعينهم.

بنفس الصدد وضع كارل يونج تصورًا عن أنماط الشخصيات، وحسب وجهة نظره، البشر نوعان؛ الأول أصحاب الشخصية المنفتحة، والنوع الآخر أصحاب الشخصية الانطوائية، وكل منهما يستمد طاقته التي تعينه على الحياة من البيئة التي يفضلها.

وأكد كذلك على أن البشر عمومًا يمتلكون بداخلهم كلتا الشخصيتين، لكن إحدى النزعتين تتفوق على الأخرى داخل كُل إنسان، فيظهر أحدهما متيمًا بالحياة الصاخبة، وآخر يُبدع كلما اختلى بذاته.

أهم صفات الشخصية الانطوائية

الشخصية الانطوائية
إعادة شحن الطاقة بالابتعاد.

وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، لا بد وأن نتعرّف على أبرز الصفات التي يشترك بها المصابون بما يُعرف باضطراب الشخصية الانطوائية، خاصةً وأن هنالك خلطًا كبيرًا في التفرقة ما بين الانطواء، الخجل والانعزال.

بالتالي، وحتى نتجنب ذلك اللغط، اتفق علماء النفس على عدد من الصفات التي وإن توافرت لدى شخص ما يمكننا وصفه بالانطوائي.

الرغبة في البقاء بمفرده

يعشق الشخص المنطوي البقاء وحيدًا، ولا يشعُر بضيق جرّاء ذلك، بل إن الانعزال عن البشر بالنسبة له هو أحد الأساسيات التي يستند عليها للاستمرار في حياته، ويلجأ في عزلته لممارسة بعض الأنشطة التي تساعده على اجتياز الوقت مثل القراءة، الكتابة، أو أي نشاط آخر، وعادةً ما يفضل العمل بشكل منفرد.

لا يحبذ المواجهة وجهًا لوجه

بما أن صاحب الشخصية الانطوائية يفضل البقاء معظم الأوقات وحيدًا، فقد يبدو من المنطقي عدم تفضيله للمحادثات المباشرة مع الآخرين، ويتحايل على ذلك بإرسال الرسائل، أو تدوين الأفكار التي يريد التحدُّث عنها حتى يستعد لقولها بالوقت الذي يشعر أنه يناسبه.

شحن الطاقة

تعد أبرز نقطة خلافية في مسألة فهم الشخصية الانطوائية هي المُعتقد السائد أن الشخص المنطوي لا يُحب الحياة، ولا يكن أي امتنان للبشر، وهذا معتقد خاطئ تمامًا، حيث إنه قد يكون راغبًا في حضور المناسبات الاجتماعية التي تتسم بالازدحام والصخب، لكنها تستنفذ طاقته التي يحاول إعادة شحنها مجددًا بالبقاء منعزلًا لفترة.

تصوّر السعادة

لعل ثاني أهم النقاط الخلافية حول الشخصية الانطوائية هي التصوّر العام المتخذ عنه كشخص تعيس أو بائس ولا يضحك إلا نادرًا، لكنه أيضًا تصوُّر خاطئ، لكن الفكرة تكمُن في رؤيته لمفهوم السعادة، الذي يمثله النجاح في الحياة العملية والأسرية في هدوءٍ، على عكس الشخصية المنفتحة التي قد يتلخص مفهوم السعادة عندها في نشر البهجة.

عدم المبادرة

لأن الشخصية الانطوائية عادةً ما تفضل البقاء بعيدًا عن دائرة الضوء، بالتالي لن يبادر صاحبها بعرض تقديم المساعدة إن لم يُطلب منه ذلك، كذلك لا يُقدم على فتح أي مناقشة مهما كانت قصيرة، كرسالة تهنئة أو حتى مجرّد سؤال عابر.

الحكمة

كما سبق وذكرنا، فالشخص الانطوائي مُرتب ومنظم للغاية، بالتالي هو ملاذ المقربين منه لطلب النصائح خاصة المهمة والمصيرية، وقد يرجع ذلك لثقة المحيطين به في تحليله للأمور بشكل أعمق من الطبيعي بسبب طبيعة شخصيته.

دائرة أصدقاء ضيقة

بديهيًا، لا يدخُل دائرة الشخص الانطوائي المقربة كثير من البشر، إما لعدم رغبته في الاحتكاك بأعداد قد تستنفد طاقته التي يرغب في الحفاظ عليها، أو لأنهم قد يرون فيه شخصًا كئيبًا لا يساعد على نشر الطاقة الإيجابية.

أعراض الإصابة باضطراب الشخصية الانطوائية

عقب تفهُّم أبعاد الشخصية الانطوائية، يطفو السؤال الأهم على السطح، وهو كيف يمكن التعرُّف على الشخص الانطوائي؟

بهذا السياق، وُجد أن هناك بعض الأعراض التي تتوافق ضمنيًا مع الصفات أعلاه تظهر واحدة تلو الأخرى على الشخص الانطوائي، مثل:

  1.  العزلة.
  2. الابتعاد عن الغرباء.
  3. التصرّف بحرية أمام المُقربين منه فقط.
  4.  الهدوء وعدم التصريح بما يُكن بداخله.
  5. الاكتفاء بعدد قليل من الأصدقاء.
  6. عدم السعي لإنشاء روابط اجتماعية جديدة.
  7. التردد قبل اتخاذ أي قرار.
  8.  الثقة في النفس بمجرد اتخاذ القرار.
  9.  الدقة الشديدة وتحليل التفاصيل.

أنواع الشخصيات الانطوائية

الشخصية الانطوائية
الانطوائيون القلقون.

قبل أن تعتقد أنك أصبت كبد الحقيقة، يجب أن نتدارك الموقف بإخبارك أن مفهوم الانطوائية بعلم النفس فضفاض للغاية، فحتى إن وجدت شخصين انطوائيين فقد لا يتطابقا من حيث طريقة التفكير، لذا يجب التنويه إلى أن الشخصية الانطوائية تنقسم لأنواع كالتالي:

الانطوائيون الاجتماعيون

قد يبدو هذا المصطلح فارغًا من معناه، لكن المقصود منه هو أن هذه الفئة لا تعاني من رهاب التجمُّعات أو الخجل، ولا يشعرون بضيق أو قلق إذا فُرض عليهم التواجد بالأماكن الممتلئة بالناس، ويتميز هؤلاء برغبتهم في البقاء ضمن دائرة صغيرة، ويتسمون بالولاء الشديد لهذه الدائرة، حيث إنهم يبحثون دائمًا وأبدًا على بناء علاقات عميقة ذات معنى حقيقي.

الانطوائيون المفكرون

هذه الفئة من الانطوائيين لا يفضلون الخروج من منطقة الراحة الخاصة بهم، لكنهم أكثر تقبلًا للانخراط بالأغراب نظرًا لأنهم عادة ما يشغلون مناصب تفرض عليهم عرض عملهم على الآخرين دون سابق معرفة بينهم، ويتسم هؤلاء بالإبداع والتفكير خارج الصندوق، ويساعدهم على ذلك استمتاعهم بالتفكير العميق، كما أنهم يتقبلون فكرة مشاركة الآراء.

الانطوائيون القلقون

القلقون الانطوائيون يمثلون الشريحة الأكثر شيوعًا، فهم من تنطبق عليهم الصورة الذهنية المكونة عن الشخص الانطوائي الذي يفضّل العزلة الدائمة، ويقلق من رأي الآخرين، ويخشى المستقبل؛ لهذا، فالمنطلق الذي ينعزل لأجله الانطوائيون القلقون هو الخوف والخجل، وليس الرغبة في تقديم الأفضل.

عيوب ومميزات الشخصية الانطوائية

الآن يمكننا تفنيد الشخصية الانطوائية في علم النفس ووضعها تحت المجهر، بحثًا عن الكشف عن مميزاتها وعيوبها طبقًا لكل ما ذكر أعلاه، لكن الأهم من ذلك هو التأكيد على أن الشخص الانطوائي في العموم لا يصنّف كشخص سيئ، لكنه كغيره يمتلك محاسن ومساوئ.

عيوب الشخصية الانطوائية

  • صعوبة تكوين صداقات نظرًا لبحثهم الدائم عن شخص يمكنهم الثقة به.
  • التعرض الدائم لإساءة فهمهم، حيث ينظر للمنطوي كشخص مغرور أو خجول أو فاقد الثقة في نفسه.
  • عدم الرغبة في التحدّث علانية، ليس لعدم المقدرة على فعل ذلك، بل لكون الأمر مرهقًا لهم.

مميزات الشخصية الانطوائية

  • احترام الغير، نظرًا لتفهمهم أهمية حصول كل إنسان على مساحته الخاصة.
  • السعي للتفرُّد النابع من بعدهم عن تشكيل وجهات نظرهم أو أفكارهم عبر التأثر بالبيئة المحيطة.
  • الذكاء الشديد الناتج عن طبيعة شخصيتهم التي تعتمد على التحليل الدقيق والتركيز بالتفاصيل.

أسباب تكوين الشخصية الانطوائية

دون شك توجد بعض العوامل التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في تكوين الشخصية الانطوائية عند الأفراد، والتي يمكن تقسيمها لأربعة أسباب رئيسية وهي:

أسباب أسرية

أحيانًا قد يكون عامل الوراثة حاسمًا في كون الإنسان انطوائيًا، إلا أن الربط ما بين الأسرة وبين هذا الاضطراب عادةً ما يتم اختزاله في نشأة الطفل داخل أسرة تعاني من الانطواء، ما يولد بداخله رغبة في البقاء وحيدًا كما اعتاد.

التربية الخاطئة

السبب الثاني هو تنشئة الإنسان منذ سن صغير على عدم الاختلاط بالآخرين، ومعاقبته إن حدث ذلك بشكل قاسٍ وعنيف، بالتالي يتحول الانعزال إلى حل للهروب من عقاب الاحتكاك بالغرباء.

التعرُّض للصدمات

عند التعرض لصدمات نفسية قوية كفقدان عزيز، أو الانفصال عن شريك الحياة، يعاني الفرد من انهيار نفسي ملحوظ، قد ينتج عنه رغبة في الابتعاد عن الآخرين بشكل متطرف.

ما هو الفرق بين الانطوائية والخجل

لفك شيفرة هذه المعادلة الصعبة، يمكننا اللجوء إلى سوزان كين، مؤلفة كتاب قوة الانطوائيين، حيث أوضحت أن الشخصية الخجولة تفضل البقاء وحيدة لأنها تعاني من الخوف الناتج عن احتمالية تعرضها للرفض الاجتماعي، بينما الشخصية الانطوائية تنعزل لأنها تفضل ذلك، والفارق بين هذا وذاك كبير جدًا.

كيفية التعامل مع الشخصية الانطوائية

الشخصية الانطوائية
الانطوائي يفضل العمل عن المناسبات الاجتماعية.

بعد أن اتفقنا أن الشخص الانطوائي لا يمثل تهديدًا على المجتمع، ولا يمكن تصنيفه كصاحب شخصية سيئة في العموم، يجب الإشارة إلى وضع علماء النفس تعليمات يمكن من خلالها التعامل بشكل مثالي معه، وهي:

  1. ضرورة تقبله واحترام رغبته في العزلة وعدم انتقاده بتاتًا على ذلك.
  2. ضرورة التعامل معه بصدق، لأن هدفه من أي علاقة هو الوضوح والأمانة.
  3. تجنُّب التقليل من شأنه لأنه يثق بقدراته التي بنيت على أساس قوي.

هل يمكن علاج الشخص الانطوائي؟

إذا ما افترضنا أن الانطواء مرض ‑وهو ليس كذلك- ويجب التعافي منه، فبالفعل من الممكن جدًا أن يتخلص أي فرد من انطوائيته بمجرد اتباع الخطوات التالية بمساعدة الطبيب النفسي.

  • العلاج النفسي: عبر تعزيز قدرة الفرد على التكيُّف مع الآخرين عن طريق جلسات العلاج النفسي الجماعية.
  • العلاج السلوكي: حيث يتم التركيز على زيادة الثقة بالنفس خاصة أمام مجموعات من البشر.
  • العلاج المعرفي: الذي يهدف إلى تهدئة وطأة الشعور بالانزعاج عند الاحتكاك بالبشر لفترات طويلة.
  • العلاج الدوائي: عبر استخدام بعض الأقراص الدوائية التي تعالج مرضى الاكتئاب والقلق.

بذلك؛ أوضحنا كل ما له علاقة بالشخصية الانطوائية، وكيفية التعامل معها وإمكانية علاجها، كما أبرزنا الخطأ الشائع الذي يقع به البعض بتشبيههم الانطواء بالخجل.

الكاتب
المصدر
مصدرمصدر 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
قل ودل فعّل التنبيهات واحصل على جديد موقع قل ودل أولا بأول
Dismiss
Allow Notifications