الصحة النفسية

الشخصية السلبية العدوانية.. والاستمتاع بدس السم في العسل

«أن تُظهر ما لا تُصرّح به»، ربما تلخّص هذه العبارة المقتضبة حياة صاحب الشخصية السلبية العدوانية، فقد تُخطئ الظن حيت تتعامل معه، حيث يُظهر الود واللطف أغلب الوقت، وحتى إن كان في مزاج سيئ، لن يبدأ في مهاجمتك صراحةً، لأنه أكثر مكرًا مما تعتقد، سوف يضعك في مزاج سيئ بمزاحه الثقيل، وإن امتعضت، يبدأ في اتهامك بسوء الفهم وعدم تقبل دعابة من صديق.

ما هو اضطراب الشخصية السلبية العدوانية؟

الشخصية السلبية العدوانية
السخرية والاستهزاء من الآخرين.

يتبنى المصاب باضطراب الشخصية السلبية العدوانية نمطًا سلوكيًا مؤذيًا بشكل عام، لكن بأساليب غير مباشرة، ومن علامات هذا السلوك الواضحة التسويف، وإلقاء النكات الساخرة، والعناد.

السلبية العدوانية في اللغة

لتوضيح فكرة تسمية الاضطراب، يرى علماء اللغة أن الأصح هو تقديم العدوانية على السلبية، لأنها لغويًا تُقيّم الحالة، بمعنى أن يتحول المصطلح لاضطراب “العدوانية السلبية”، وبذلك يتضح أن السلوك عدائي في المقام الأول، لكنه مُستتر أو مُقنّع، لذلك مُنحت هذه الشخصية تسميات أخرى مثل الشخصية العدوانية غير المباشرة.

السلبية العدوانية في علم النفس

طبقًا لأطباء النفس العرب الأوائل؛ الشخصية السلبية العدوانية تبدو طيبة ومُحبة للسلام، لكنها تحمل بداخلها عدوانًا ضخمًا لمن حولها، ومن المستحيل أن تُعلن عنه بطريقة مباشرة، ويُعتقد أن السبب في ذلك يعود لعدم اعتيادها التصريح بحقيقة مشاعرها علانية لأسباب تعنيها.

بينما وضعت الجمعية الأمريكية للاضطرابات العقلية والنفسية تعريفًا مُقتضبًا للشخصية السلبية العدوانية يتلخص في كونها شخصية تتبنى نمطًا شائعًا من السلوكيات السلبية تجاه المواقف الاجتماعية والمهنية المختلفة.

أبرز صفات الشخصية السلبية العدوانية

الشخصية السلبية العدوانية
المماطلة والتسويف.

مبدئيًا؛ لا يُمكن اعتبار السلوك العدواني السلبي مرضًا عقليًا في حد ذاته، لكنه قد يتحوّل لمرض عندما تتضاعف وتتطرّف السلوكيات التي ينتهجها الشخص السلبي العدواني في تعاملاته مع الآخرين، وحتى نستطيع الكشف عن إصابة أي شخص بذلك الاضطراب بمراحله الأولى، لا بُد وأن نتعرّف على أبرز صفات الشخصية السلبية العدوانية، والتي يمكن أن تُختصر في 4 علامات أساسية، وهي:

السُخرية

يميل أصحاب هذه الشخصية لجرح الآخرين عن عمدٍ كامل لكن بطريقة غير مباشرة تحت ستارة المُزاح، وتعتبر المزحة الثقيلة جزءًا لا يتجزأ من تركيبة شخصياتهم، لأنها تمنحهم الغطاء اللازم للتصريح بنواياهم وآرائهم الحقيقية حول الآخرين دون أن يُتهموا بأنهم أشخاص سيئون في العموم.

تعد هذه الطريقة مثيرة للاستفزاز على نحو كبير، فهدف الشخصية السلبية العدوانية هو محاولة إخراج من أمامه عن شعوره، بالسخرية من شكله، مستواه الاجتماعي أو التعليمي، من ثم إظهاره في صورة الشخص المتصلب المشاعر، الذي لا يمكنه تقبّل الدعابة.

المُماطلة

بما أن الشخص السلبي العدواني لا يُحبذ التصريح بما يُكنّه بداخله، فغالبًا يلجأ للمماطلة والتسويف كحل مثالي لتجنُّب تنفيذ أية طلبات أو تعليمات تُسند إليه، فهو لن يرفُض أي فعل يُطلب منه، لأنه لا يجرؤ على ذلك، وقد يلجأ لادعاء عدم معرفته لحاجة الطرف الآخر الملحة لإنجاز العمل الذي طُلب منه.

الإنكار

عادةً يكون الشخص السلبي العدواني مقصرًا في عمله كنتاج منطقي لسمة المماطلة أعلاه، لكنه لا يعترف بذلك، وعوضًا عن ذلك، قد يبدأ في اتهام الطرف الذي أسند إليه العمل بأنه طلب منه أن ينجزه بوقتٍ قصير، أو أنه لا يمكن أن يتم الانتهاء من العمل في ذلك الوقت بشكل أفضل مما تم، أو يُلقي باللوم بأكمله على أحد الزملاء، إن كان العمل جماعيًا.

التشفي

يستمتع صاحب الشخصية السلبية العدوانية بالتشفي أو الشماتة بالآخرين، فلن تجده أبدًا يقدم يد العون لزميل، مهما كانت حاجته للمساعدة، وحتى وإن كان يمتلك القدرة على إنقاذ الآخر من مشكلة حقيقية قد يقع بها، وعوضًا عن ذلك، سيجلس مستمتعًا بالنهاية الحزينة للشخص الذي أمامه بدافع الغيرة أو الحقد.

دس السُم في العسل

بعيدًا عن السخرية؛ قد يلجأ الشخص العدواني السلبي لحيلة أخرى مشابهة في تعاملاته الاجتماعية، ألا وهي “دس السم في العسل”، حيث يبدأ في توجيه عباراته لمن حوله، من خلال تغليف مدحه للآخر بالانتقاد الضمني، حتى يحصل على الشعور بالتفوق، ومن أشهر الأمثلة على ذلك هو إطراء أصحاب هذه الشخصية على انتقاء الآخرين لملابس تناسب جسدهُم الممتلئ.

كيفية التعامل مع الشخصية السلبية العدوانية

بالتأكيد يُعد الهروب من مواجهة هؤلاء الأشخاص لا منطقيًا، لأننا محاطون بهم من كل حدب وصوب، بالتالي يجب أولًا تفهُّم أساليبهم من ثم التعامل معهم بشكل مثالي، لكن لا تحاول بأي شكلٍ تغيير سلوكياتهم إن لم تكن من ضمن دوائرهم المقربة، لأن النتيجة قد تنقلب رأسًا على عقب.

  • لا تكترث بآرائهم مهما كانت سخيفة، حيث إن آراء الشخص العدواني السلبي ليست مبنية على أساس صحيح، لكن مدفوعة بنوايا مُبيتة خفية، بالتالي لا يجب أن تؤخذ على محمل الجد.
  • تجنّب مجادلتهم، لأنهم يقتاتون على استفزاز الآخر ببرود أعصاب، بالتالي محاولة مجاراتهم ستحولك من شخص سوي إلى آخر يتبع نفس سلوكياتهم.
  • إن اضطررت للدخول في نقاش مع شخص عدواني سلبي، حاول أن تمنح النقاش طابعًا رسميًا منضبطًا، بحيث لا يستطيع أن يستدرجك لمنطقة راحته الخاصة المبنية على الاستهزاء.

أسباب الشخصية السلبية العدوانية

من المرجّح أن الأسباب المؤثرة في تكوين الشخصية السلبية العدوانية تقتصر على كونها متعلقةً بمراحل التنشئة والمحيط الاجتماعي الخاص بالشخص، خاصةً في مراحل الطفولة والمراهقة.

ويرى معظم علماء النفس، أن تكوُّن هذه الشخصية ربما يحدُث لأن بعض الأُسر لا تمنح أبنائها الحرية الكاملة في التصريح بآرائهم بشكل مباشر، بالتالي يلجأ الطفل أو المراهق لحيلة المواربة كآلية دفاع عن معتقداته الخاصة بشكل يجعله يتجنّب العقاب.

هل يُمكن علاج الشخصية السلبية العدوانية؟

الشخصية السلبية العدوانية
العلاج النفسي

لم يتوصل علم النفس لعلاج حقيقي لاضطراب الشخصية السلبية العدوانية، لأنه حتى اللحظة، لا يُعتبر مرضًا عقليًا مُدرجًا بقائمة الاضطرابات النفسية، لكن حسب بعض التقديرات، يُمكن تعديل هذا السلوك على المدى الطويل.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لا يوصف أي عقار دوائي للمصاب، لكن في بعض الحالات المُستعصية، قد يستعين الأطباء بمضادات الاكتئاب الذي قد يضرب المصاب فجأةً عند نفور المحيطين به من حوله.

يتلخّص دور الطبيب النفسي المعالج في انتهاج أسلوب الديناميكية النفسية، وهو أسلوب علاجي، يقوم خلاله الطبيب بدراسة الأسباب الكامنة خلف السلوكيات التي يقوم بها المصاب ومساعدته على تخطيها بالتدريب على سلوكيات جديدة، ويستهدف الطبيب أثناء مرحلة العلاج المُصاب وضحيته.

أخيرًا؛ تظل المشكلة الأكبر عند الحديث عن الشخصية السلبية العدوانية، هي عدم اقتناعه بأنه يعاني من أي خلل من الأساس، بالتالي تظل الخطوة الأهم هي إقناعه بأنه مُصاب، بعد ذلك يُمكن علاجه.

المصدر
مصدر مصدر 1

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى