ثقافة ومعرفة

الكاريزما.. العنصر السري الذي يميز العظماء

طبقا لـ«جون بوتس» أستاذ علم الاجتماع بجامعة «ماكوراي» الأسترالية، فالـ«كاريزما»، قد لا تصح تعريفيا، ربما لأننا لا نعرف ماهيتها، لكننا وبشكل ساخر، نكاد نجزم بأننا ندرك تمامًا من هم الأشخاص ذوو الكاريزما، قصة مربكة، صحيح؟

ولإضافة المزيد من الغموض، تمتلئ الصحف والبرامج المتلفزة بأحاديث عن هؤلاء ‑أصحاب الكاريزما- بوصفهم أنهم القادة، بينما ترى شريحة أخرى لا بأس بها، بأن ذلك ما هو إلا هراء معلّب، لأنه طبقًا لمختلف التعريفات الخاصة بالـ«كاريزما” فصاحبها يستخدمها بلحظات نادرة الحدوث طوال حياته، ومن هنا تبدأ القصة في التعقيد أكثر وأكثر.

التاريخ

ظهر الاستخدام الموثق الأول لهذا المصطلح برسائل القديس بولس، الذي اعتبر في زمانه أحد أهم الشخصيات في الجيل المسيحي الأول، فقد اشتق كلمة Charisma من العبارة اللاتينية «Charis» والتي تعني هبة أو نعمة، وهو ما ينقلنا إلى أول تفسير امتلكته البشرية بهذا الخصوص، فوفقًا للقديس بولس، الكاريزما هي هدية روحية يعطيها الإله لسائر البشر، ما يعني أنها ليست حكرًا على رجال الدين من الأساقفة الذين اعتبروا كوسيط ما بين الفرد والإله.

قسّم القديس المصطلح نفسه إلى أشكال مختلفة تعبر عنه، فحسب ما جاء برسائله التي نقلها لتلاميذه ومن ثم مسيحيي الإمبراطورية الرومانية، يمكن اعتبار النبوة، المقدرة على علاج الآخرين، التحدث بلغات مختلفة، الفصاحة، التدريس وحتى خدمة البشر بأي مجال هي أنماط تصل بصاحبها نهايةً إلى أن يكون صاحب «كاريزما».

بالفعل أثار هذا الطرح استياء الكنيسة، فبذلك قد تنتهي سلطتها المطلقة، فتم تحريم استخدام هذه الكلمة التي تنال بشكل ما من التدرج الديني المتبع في ذلك العصر، والذي يؤكد أن الإله يمنح هذه السلطة فقط لمن يسكنون أعلى ذلك الهرم فقط.

ما نستخلصه من هذه القصة، أن محاولات القديس بولس، كانت عبارة عن توضيح لتلك الظواهر التي لم يمتلك البشر بهذا الزمان تعريفا واضحا لها، واعتبارها مزيجا من الهبات الروحية، إضافة إلى بعض المهارات المكتسبة، التي يستطيع أي فرد بالمجتمع أن يتحلى بها دون وصاية من أحد.

معاصرون

لقرون عديدة، ظل هذا النقاش مغلقًا، إلى أن عاد للواجهة مرة أخرى بفضل عالم الاجتماع الألماني «ماكس ويبر»، الذي قدم أطروحته الخاصة حول الـ«كاريزما».

طبقًا لويبر، كان لا بُد من أن يتم تجريد المصطلح من البعد الديني مبدئيا، لأنها حسب رأيه، تعبر بشكل أكثر شمولية عن من هُم في موضع سلطة أو قيادة.

قسّم ويبر السلطة إلى 3 أنواع: السلطة العقلانية، السلطة العُرفية، وسلطة الـ«كاريزما»، تلك الأخيرة اعتبرها الأعلى مكانةً حين وصفها بالثورية، لأنها تُمكن من هو بموضع سلطة مماثلة، أن يحفّز العامة دون قمع، ففصاحة الخطاب وحدها كفيلة بتجييش عدد كبير من البشر، على العكس، في الأغلب يتجنب البشر سماع الأوامر بشكل صارم. استمر ويبر في تعديد مميزات من يمتلكون هذه الصفة، حيث إنها بشكل ما تجعل الجميع يتعاملون معهم كبشر خارقين، حتى وإن لم يكونوا كذلك من الأساس.

جيد وسيئ

عبر التاريخ، تم وصف عديد البشر بأنهم يمتلكون هذه الـ«كاريزما» الغامضة، منهم من كانوا أصحاب توجهات شريرة في المطلق، وربما حدث ذلك لأننا نمتلك عدّة عناصر حين تتوافر بالشخص، نصفه بهذه الصفة دون تمييز.

نعم، ترى شريحة عريضة من البشر أن «هتلر» و«موسوليني» امتلكوا الكاريزما، لأننا حتى وإن رفضنا تصرفاتهم، لا يمكننا بالتأكيد إنكار تأثيرهم على البشرية، إلا أننا ما زلنا نمتلك نماذج كـ«محمد علي كلاي» الذي جمع بين كل عناصر الكاريزما مع التوجه المعتدل للإنسان الذي يمكن اعتباره قدوة ومثلا أعلى.

الحقيقة الواضحة الوحيدة هي أننا ربما لم نتوصل إلى إجابة حقيقية لتعريف الـ«كاريزما»، لكن وبالعودة مجددًا إلى «جون بوتس»، فالكاريزما ربما هي العنصر «X» الذي لا يمكن اختزاله في صفة أو أكثر، فلا أحد يعلم كيف ومتى نحصل عليها، وربما نظل في حيرة من أمرنا إلى نهاية المطاف.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى